داود البصري
&
&
التطورات الميدانية السريعة الجارية على أرض العراق اليوم لاتعطي أي مجال بالتشكيك بطبيعة المصير والحال الذي ينتظر حزب البعث العربي الإشتراكي الحاكم في البلاد منذ عام 1968 وبصورة مستمرة، وكان قبل ذلك قد حكم العراق لتسعة شهور دموية في الثامن من شباط 1963 بعد الإنقلاب العسكري الدموي على الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم وحيث تمكنت العناصر العسكرية القومية بقيادة عبد السلام عارف من طرد الحزب من سدة السلطة في العراق لممارساته الفاشية، ولسياساته التصفوية الدموية ضد القوى الوطنية ولكراهية الشارع العراقي له وهو ماعبر عته بوضوح الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر بقوله : لقد كنا نمر بشوارع فرعية ونتحاشى النظر في عيون المواطنين؟؟؟
ومع ذلك وبرغم كل ماضي الدم والإرهاب فإن هذا الحزب الذي له في ذاكرة العراقيين سطور سوداء لاتمحى عاد للسلطة وإنفرد بها، وسار بالعراق في أنفاق مجهولة وممارسات عبثية إبتدأت بتعميم السجون السرية وتوسيع الأجهزة الإستخبارية، والتعدي على حريات المواطنين الشخصية والعقائدية وتوزيع الإتهامات بالعمالة والخيانة والجاسوسية على قطاعات واسعة من العراقيين ومن ثم التضييق على الحركة الوطنية العراقية ومضايقتها بشتى السبل حتى إنفرد البعثيون وفي خطوات ومراحل تاريخية لاضرورة للتركيز عليها عبر هذا المقال العابر بالسلطة في العراق ليكونوا الحزب الأوحد وليفرزوا القائد الأوحد ومن ثم ليتميزوا بالعشيرة الذهبية الواحدة بعد أن تجرد الحزب من شخصيته المستقلة إسميا بعد صعود صدام للسلطة الأولى وتصفيته للمناوئين فيما عرف بالمؤامرة السورية ؟ في تموز / يوليو 1979، وحيث دخل العراق بمرحلة فاشية شرسة كانت الإستراتيجية الدولية ونهايات الحرب الباردة تحتمها للإعداد لحرب إقليمية كبرى كان العراق والعالم العربي وتخومه الشرقية والخليجية مسرحها هي الحرب العراقية / الإيرانية التي إمتدت لثمانية أعوام عجاف ( 1980 / 1988 ) لم يجن العراق والعالم العربي من جرائها أي ثمن سوى توسيع مساحات القبور بجثث مئات الألاف من زهرة الشباب العراقي وضياع إحتياطيات الأجيال القادمة على قوائم وفواتير التسلح والعسكرة الإجتماعية ونمو الروح العدوانية وتحطيم القيم الإنسانية والسلوكية السليمة للمجتمع العراقي، وتوسعت خلايا وتنظيمات حزب البعث الحاكم توسعا سرطانيا مرعبا وأنيطت بها مهام أمنية رديفة في ترويع المواطنين والتجسس على الأهل والأقارب وزرع الشكوك والتوجس في داخل العائلة الواحدة ؟ كما مارست مليشيات الحزب والتي أسموها ( الجيش الشعبي ) والتي كانت بقيادة نائب صدام الحالي ورئيس العرفاء شبه الأمي طه الجزراوي أدوارا إرهابية مرعبة في تعقب المواطنين والإعتداء على كراماتهم وفي ترسيخ قيم الفاشية وأساليبها في المجتمع العراقي وهي ممارسات شبيهة بممارسات الأحزاب النازية والفاشية البائدة في أوروبا وحيث يخضع الكل لإرادة القائد الفرد الملهم ( الفوهرر ) المبجل ؟ وبشكل يتناقض مع القيم العربية والإسلامية الموروثة، وبرغم حمل الحزب لصفة العربي إلا أنه أبعد الأحزاب السياسية عن أخلاقيات وفروسية العرب المعروفة عبر التاريخ ! فالغدر والحقد والتآمر والطعن في الخلف هي من سمات الثقافة البعثية وهو مافعله الحكم العراقي البعثي مع الكويتيين الذين آزروه وساندوه بل وتوغلوا بعيدا في دعمه والذود عن حياضه ليرد لهم الحكم البعثي الفضل عبر الغزو والإجتياح والضم والتدمير في الثاني من أغسطس / آب 1990 ؟ وحيث مازال الحكم العراقي يدفع حتى اليوم تكاليف حماقة الغزو والهزيمة الكارثية التي لحقتها في ( أم المعارك )! عام 1991.
الحرب الدائرة حاليا في طريقها للحسم عبر الهزيمة الواضحة للنظام العراقي الذي وصل لنهاية المطاف وبات تلاشيه من الأمور المسلم بها دوليا، رغم أن ثمن رحيل النظام يظل من أغلى الأثمان التي دفعتها الشعوب في سبيل تحررها وإنعتاقها، فحجم الخراب العراقي لايدانية خراب ؟ وحجم الضرر النفسي والسايكولوجي أكبر من أي تقديرات، وحجم البناء المستقبلي من أجل إصلاح الأضرار رهيب ومكلف ؟ وهي الفاتورة الثقيلة التي أضطرت لدفعها الشعوب المبتلاة بالفاشية والإرهاب وحكم الفرد المريض بالبارانويا الحادة ؟ ولكن وفي خضم الترتيبات الجارية لبناء عالم مابعد الحرب ومجتمع السلام والحوار والتهدئة وإسدال الستار، هل يمكن الحديث عن أي دور مستقبلي لحزب البعث في العراق ؟ الجواب بطبيعة الحال سنشاهده جميعا على الطبيعة ومن على شاشات ( الجزيرة ) وأخواتها خلال الأسابيع القادمة وحيث ستتكفل جماهير المحرومين والمسحوقين والمقموعين للأجهاز النهائي على كل الرموز البعثية وكل صفحات تلك المرحلة السوداء في التاريخ العراقي المعاصر ؟ وهذا الإجهاز حسب قناعتي سيكون من الحدة والشمولية بحيث ستضطر قوات الحلفاء للتفرج على مصارع البعثيين وسحلهم دون أن تجرؤ على التدخل إلا في مراحل نهائية يكون البعث والبعثيون خلالها في حالة إنسحاق عدمي ستتحدث بذكرياتها الأجيال لعقود طويلة قادمة ؟ وليس ماأقوله مجرد توقعات مبنية على أمنيات ذاتية حبيسة بقدر ماهو تجسيد واقعي لحجم الحقد الذي يحمله العراقيون للبعث والبعثيين وكل أيامهم العجفاء السوداء وستثبت أحداث الأيام القادمة مدى مصداقية ما أقول ؟ فحالة القمع التاريخية التي تحتبس النفسية العراقية ضمن إطاراتها ستنفجر عن حقد ملموس ستكون شوارع ومدن العراق مسرحا لها، وكل هذه التنظيمات والأسماء الإرهابية المرعبة من ( حرس صدام الخاص ) ( فدائيو صدام ) و ( قوات القارعة ) و( الأمن الخاص ) ستتلاشى أمام حجم الغضب الشعبي القادم المكبوت، وبشكل سيجعل من المستحيل إعادة تأهيل الحزب وإعداده للمشاركة في عملية التغيير الديمقراطي المنشود، لأن البعث وكما أثبتت التجربة الميدنية هو آخر الديناصورات الشمولية التي يشكل وجودها وإستمراريتها إهانة لروح العصر وللفكر الإنساني الحر، ولمرحلة البناء الوطني الشامل الذي يحتاجه العراق في مرحلة السلم وإعادة البناء الحضاري والسلوكي والنفسي وهي المهمة الملحة التي فشل حزب البعث في إنجازها وتحطم على يديه العراق أرضا وشعبا وحضارة...
نقول وداعا غير مأسوف عليه لحزب البعث والذي سيدخل تاريخ العمل السياسي العربي بإعتباره من بقايا العصر الجوراسي؟
&