أ.د. اكرم محمد عبد كسار
&
&

&& أتعلم أم أنت لاتعلم&&&& بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ
&& فمٌ ليس كالمدَّعي قولةً&&& وليس كآخَرَ يَستَرحِمُ
&& أَتعلمُ أنَّ جراحَ الشهيد&& تَظَلُّ عن الثأرِ تستفهِمُ
إسماعيل ناجي حمودي إحدى حالات النظام البائد الدموي التي غيبها في مقابره الجماعية، ليس له ذنب إلا ذنب واحد هو حبه لوطنه وتفانيه في خدمته دون أن يعمده بحب من سمي بالقائد الضرورة !؟...
إسماعيل صيدلاني متقاعد في العقد السدس من عمره ويعمل في صيدليته الواقعة في الكراده وفي أواخر عام 1980 اعتقل من أمام صيدليته تاركاً خلفه ستة أبناء وزوجة حامل، وولدت زوجته وعلى أمل أن تراه الوليدة الجديدة ولا أمل وكبرت البنت وتزوجة وأنجبت ثلاثة من الأبناء ولم ترى أبيها، وتوفي أحد الأبناء وهو في بداية العقد الثاني لأصابته بمرض يتطلب علاجه في للمرة الثانية استكمالاً للعلاج في خارج العراق إلا انه لم يسمح له، ولم يترك أمن السلطة هذه العائلة بل استمرت بمضايقتها ومراقبتها ومحاربتها ومتابعتها حتى الأسبوع الأخير من سقوط النظام، فتنفست العائلة الصعداء، وفي الأسبوع الماضي عثر على إسماعيل في أحد هذه المقابر الجماعية وقد دفن مع اخوته الستة سوية في قبر واحد بعد أن تم تعذيبهم بوحشية من قبل النظام البائد ثم إعدامهم، وهذا لا يقتصر على إسماعيل وعائلته فقط بل كم وكم مثل اسماعيل وكم وكم من العوائل العراقية التي ذاقت ما ذاقته عائلة إسماعيل وكم وكم كشفت من مقابر وستكشف لاحقاً من هذه المقابر الجماعية التي تم العثور عليها في العراق وعلى كل ترابه وبمختلف محافظاته عن فترة من تاريخه التي حكم فيها النظام المقبور والتي اتسمت بظلامها الدامس حيث غاب عنها تقاليد الحوار وعدم احترام الرأي الآخر وتحولت فيه الخلافات الفكرية إلى تهمة توصل إلى الإعدام، وبرغم ذلك تشير هذه المقابر الجماعية الى أن هذه الأحكام التي لا صلة لها بأي قانون وبرغم بشاعتها ألا أنها لم تقف حائلاً دون الوقوف بوجه الدكتاتور البائد ومن قبل من لبسوا القلوب على الدروع.و السؤال الذي يراود كل منا، هل يملك هذا النظام أدنى درجات المفردات الحضارية ؟ ولكن الجواب يأتينا على لسان ابن خلدون بتحذيره من قدوم العوام من ريف متخلف إلى المدن، ( وكيف الحال إذا سيطروا على العاصمة و أصبحت الدولة جميعها تحت سيطرتهم ؟ ) وهؤلاء لم يألفوا أي مفردة حضارية مما يؤدي بهم إلى البطش والتسلي بإيذاء الخلق ونشر الرعب، وهذا ما حصل للعراق خلال العقود الثلاثة والنصف والذي أصبح ضحيتهم بكل إمكانياته المادية والمعنوية لأن نظام صدام حسين حمل المتخلف من قيم الريف وتمسك بالبدائي من دوافعهم الغريزية، فلقد جاؤا كما ذكرها أحد الكتاب من مخاض الشوارع، لا من حاضنات المفكرين ( وتتبع ما يسمى بالقيادة التي حكمت العراق خلال تلك السنوات التي جعلت من العراق خارج التاريخ والحضارة الإنسانية ستجد أن أعلى شهادة يمتلكها أحدهم لا تتعدى الاربعة سنوات بعد المرحلة الابتدائية ) لذا نجد أنهم استسهلوا اللجوء إلى العنف واحتقار الرأي الآخر والاعتماد على دوافع بدائية في تكوين قرارات تتعلق بمصائر الملايين، كما برزت شرائح اجتماعيه دفع بها الشارع إلى سدة الحكم وهي تحمل نقائضها في التكوين وعقدها ومثالبها فاقدة لأية أهلية اجتماعية أو أخلاقية، وصارت طليقة في ممارسة العنف المنظم مستخدمة أدوات الدولة وقدراتها وهذا بدوره أدى إلى الاعتقال الكيفي والاعتماد على وسائل تفننوا بها في التعذيب قد تتعدى بأنواعها المئات وصولاً إلى الإعدام والدفن الجماعي.
&لقد قام رأس النظام البائد و جلاوزته خلال وجوده على سدة الحكم بأعمال وأعمال لا صلة لها بالعراق ولا تمثل هويته، نذكر منها :-
&
ـ سلطة القرية
& نشأت مؤسسة جديدة قائمة على أواصر الولاء الجغرافي الصغير للقرية، وشهدت مؤسسات الدولة نزوحاً قروياً هائلاً فبات واضحاً أن نعرة تكريتيه تتوافق مع نعره محليه أخرى لم يعد معها أي معيار لتقييم المواطن في العراق، وبسرعة نمت ولاءات محلية وعائلية وإقليمية، وقد تجرد الاقليميون الجدد من معنى الوطنية العراقية والولاء المطلق للعراق إلى الولاء لصدام حسين الذين صاروا يستمدون شرعيتهم من ولائهم له ولأسرته، واحترقت الأعراف العسكرية التي شهدت ظواهر الترقية بالطفرة، ومنح رتب عسكرية لمدنيين وإسناد مراكز هامة في وزارة الدفاع ابتداءً من وزيرها والى آمريها لأشخاص غير مؤهلين وخير دليل على ذلك ما وصلت إليه العسكرية من تداعيات.

ـ القضاء على العقول
& إذ انهم ضيقوا على الأحزاب، ووجدوا أن هذا لا يكفي. فما زال في العراق عقول وأسماء كبيرة في كل مجال، لها الاعتبار في النفوس والأذهان. أسماء يتضاءل إلى جانبها هذه الأسماء المغمورة من مثل صدام حسين وعزت الدوري وطه ياسين رمضان وغيرهم من الأسماء ولو ذكرناهم لطالت القائمة والتي لا يوحي ذكرها برصيد من علم أو ثقافة أو مكانة أو دور متميز في العراق وهنا أقدموا على ضربة بارعة بالنسبة لهم، تلك هي إنشاء ما يسمى بمحكمة الثورة السيئة الصيت، حيث جاءت بأغلب رجالات العراق إن لم يكن كلهم من أصحاب الأقدار العالية الكبيرة والأسماء اللامعة، فجردتهم من هيبتهم تجريداً، تحت ادعاءات وادعاءات،من الادعاء تارة بأن هؤلاء جواسيس وتارة بأنهم متآمرون على الثورة ؟! وثالثة انهم من أحزاب ممنوعة أو أحزاب مدمرة أو عميلة وهكذا...
&
ـ قلب الموازين وتقويض النظام
& قلبوا الموازين وقوضوا النظام في أدق تفصيلاته، بأن جعلوا من الجهلة والفاقدي الشخصية والمتخلفين في دراساتهم وتعليمهم والفاشلين في حياتهم تحت باب أن هؤلاء حزبيين ( بعثيين ) بالسيطرة على المصالح والإدارات والوزارات والجامعات والمستشفيات، وكل جانب من جوانب النشاط في العراق بحيث أصبح الحال في أسؤ ما يكون فاختلت القيم والموازين وضاعت الأسس وسادت شريعة الغاب من خلال الاعتماد على إرهاب الناس وأصبح شرفاء القوم في حالة من الوضاعة والوضعاء هم الأشراف، وبطبيعة الحال انعكس ذلك على كل ما مر به العراق من أحداث سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية بحيث أن المحرك لها كان هو (( الانفعال ورد الفعل )) وليس التفكير المبني على بعد النظر، وخير شاهد على ذلك رأس النظام البائد ولك في حروبه الدنكوشوتيه خير مثال على ذلك.

ـ محاولة ترسيخ عبادته
& حاول رأس النظام أن يجعل من نفسه معبوداً إجبارياً من خلال التركيز على عبادة شخصيته ومنحه أسماء تعدت المائة والعشرين اسماً وكلها لا صلة له بها لا من بعيد ولا من قريب وهو بذلك يبحث عما ينقصه بهذه الأسماء المتصلة بالعظمة والسلطة ما لم يملكها حتى الأنبياء والرسل والأنبياء المرسلون من السماء كانوا يجدون من يجادلهم ويناقشهم ويعارضهم، أما من يفعل مع صدام حسين ذلك فأقل عقوبة له على ذلك الإعدام والشواهد على ذلك كثيرة ومنها المقابر الجماعية التي أعداد الكشف عنها تتزايد يوماً بعد يوم.

ـ الاجهزت الارهابية
& إن رجال الأمن والمخابرات وغيرها من أجهزت النظام البائد القمعية الأخرى المطلق المغلق لا تسمح بظهور المعارضة ولا حتى بمعرفة الرأي الآخر وصاحبه لو رأى في المنام رؤيا لا تتوافق وتصوراتهم فمصيره الموت ( وهذا ليس للكلام أو التندر فهناك وقائع حصلت فعلاً أدت بمن رأى شيء ضد النظام وقصها على آخرين ومن لم يخبر عنه أخذ نصيبه مع صاحب الرؤيا من الإعدام ) وحتى معنى المعارضة يشوه في الحال ويلصق بصاحبه الخيانة أو الانحراف أو الانتماء إلى عمالة أجنبية أو عقائد تخريبية ومصيره كما ذكرنا معروف.

ـ الورقة المكتوبة
& إن الاعتماد الأساسي عند النظام البائد على التدبير والتنظيم فيما يسمى بالاستقبال الشعبي في زيارات صدام حسين كما يقال عادة ما هو في حقيقته إلا أشخاص من مختلف الأعمار والأجناس يتم إحضارهم إلى المكان الذي يرغب بزيارته ولهم مرتباتهم الخاصة ويؤتى بهم قبل وصوله ويأخذون بالهتاف له اذ تسلم أوراق مطبوعة بالهتافات التي تقال قبل استقباله المزعوم.

ـ وهم الانتصار
& نهضت الفريسة التي نجت بعد حربين طاحنتين مع إيران وبعد طردها من الكويت وتحريرها وبعد قمع انتفاضة آذار وأخذت تصيح في الآفاق : انتصرنا... انتصرنا ( لا ندري ما هو نوع هذا النصر بعد كل الخسائر التي قدمت،والسيطرة التي فقدت،والديون التي طوقت ) وتزعق ما يسمى بالأناشيد التي تمجد به في الأبواق، وليس من وراء ذلك إلا خداع الآخرين، وبالإضافة إلى الأرواح التي ضاعت من العراقيين وتقدر فيما يقال، بكذا وكذا... من الرجال، فإن المعروف أيضاً أن غطاء الذهب الذي يملكه العراق قد ضاع بأكمله في هذه الحروب الضائعة ثم أصبح العراق في دوامة الديون وانهار الاقتصاد بشكل كامل وتردت جميع مجالات الحياة وعاش في فترة حجبت كل المعلومات و أخفيت كل الحقائق، وأعلنت كل الأكاذيب بكل وسائل النشر والإذاعة والإعلان.

ـ لا عقل إلا عقل الملهم
& أقام صدام حسين على أساس واحد هو إلغاء العقول و الإرادات الأخرى ما عدا عقله وإرادته( إذا كان يملك عقلاً أو إرادة من الأساس ) فهاجر من استطاع إلى ذلك سبيلا واعتقل من اعتقل، واصبح قوة مدمرة للعراق وللعرب ( الكويت المثال الذي لا زال حياً ) وليس لديه إلا الكلمات التي يمني بها المغيبين عن الوعي المتصلة بالنصر المزعوم...والأناشيد التي تصدع بنصره الموهوم الذي لا وجود له إلا في تصوره ولم يتوانى من القيام بمجازر رهيبة على طول تاريخ وجوده والتي لن ينساها التاريخ سواء أكان منها في منطقة الأهوار أو في الدجيل وحتى حلبجه ومدن الانتفاضة في آذار، وليصبح الملهم بعد كل ما تعامل به من جبروت وقسوة وطغيان وظلم وتعسف أضحوكة العصر لما قام به من أعمال وأعمال، متناسياً بعمله المؤلم هذا لضغط بلد مثل العراق ووضعه في علبة الحاكم ونظامه وخنقه ومحاولة إفقاده الوعي بحقيقة حجمه عبر التاريخ والأنظمة التي اجتازها كلها وبقي العراق.&
&إن كل ما ذكرناه أعلاه يفسر لنا قيم البطولة التي حملها إسماعيل ناجي حمودي ومئات آلاف من العراقيين والتي تعني الجرأة والشجاعة والتضحية والاستعداد لها من خلال موقفاً فكرياً وسياسياً لحالة الصحو، وهي قبل كل ذلك موقفاً في الحياة، ورمزاً لقوة الشعب وتعبيراً عن تحديه وعزته ومجده وعنفوانه، وهي في كل الأحوال استلهام للتاريخ واستمراراً لحركته وتعبيراً عن قوة العقيدة وحيويتها عبر الزمان. وان الذين ذهبوا في غياهب سجون نظام صدام المقبور، وبالرغم من اختلاف أفكارهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم وميولهم يتميزون بصفات مشتركة عامة لعل أهمها :-
&أولاًـ انهم أبطال عمليون يتمتعون بالجرأة الذاتية والشجاعة الشخصية، وليسوا سياسيين نظريين خياليين يختبئون تحت خيمة الفلسفات النظرية.
&ثانياًـ ونتيجة لما ورد في أولاً، فقد دفع هؤلاء ثمناً غالياً في الحياة، إذ سقطوا شهداء وواجهوا الموت بكل صلابة وشموخ ثمناً لمواقفهم المبدئية التي صمموا على التمسك بها في الحياة مستحضرين معهم كل اللحظات المشرقة في تاريخ العراق و لا قيمة للحياة مع الذل والمهانة والوقوف بصمت لما يجري في بلدهم.
ثالثاًـ أن هؤلاء الأبطال هم قضايا وبنى يؤطرها المنطق والأبعاد الزمانية والمكانية ويشكلون مثل عليا في رفض الدكتاتورية مقدمين لنا دروسا ومواعظ وعبر ومواقف فكريه وثقافية وكمدرسة من المواقف المبدئية المشحونة بالعزة والأنفة والكبرياء.
رابعاًـ لكل هؤلاء الأبطال الذين أنهت حياتهم ماكينة صدام الإرهابية موقفهم في الحياة وتصورهم وأفكارهم في كيفية إقامة العدل ومقاومة الظلم والظالمين ولهم نظرتهم تجاه الحياة وما يرونه من مواقف للحق فيها.
خامساًـ هؤلاء الأبطال أفراد إنبثقوا وخرجوا من قلب الشعب العراقي ومن صميم جماهيره وانصهروا مع البطولة والتضحية فتحولوا هم والبطولة إلى شيء واحد فخلدوا في ذاكرة الناس رموزاً لقضية تتفاعل تاريخياً وموضوعياً لأنها التصقت بقضية الرفض لما وصل له العراق من مآسي وكانوا هم الذين وضعوا اللبنة الأساسية في إسقاط الحكم البائد وحصول الشعب العراقي على حريته من ربقة العبودية وبذلك فهؤلاء الأبطال في هذه البطولة متأتية من كونها رمزاً لقوة الشعب وتعبيراً عن تحديه وعزته ومجده وأهدافه.
&وبذلك فالحرية حتى في مملكة الحيوان تُحمى بالمخالب والأنياب، وتهرق الدماء في سبيل الحفاظ عليها، وعند البشر فالحرية مبرر الوجود والاستمرار وإذا فقدت غدت الحياة الوجه الثاني للموت وهذا يفسر لنا لماذا استشهد إسماعيل ناجي حمودي ومئات الآلاف من العراقيين والذين مثلوا وجه العراق الصادق والحقيقي والناصع.