جمال الخرسان
&

العراق بلد تجاذبته طيلة اكثر من ثلاثة عقود متتالية مفاصل الموت الحضاري التي تشكلها عناصر سرطانية تتفشى كل واحدة منها في ظل الاخرى جعلت منه بلدا يعيش خارج التاريخ المعاصر ويتنفس برئة القرون الحجرية
اولا: استبداد الفرد الحاكم
وهذه مفردة لا تحتاج الى مزيد من التفصيل بعد ان هضمها الصديق والعدو... فالحكومة كانت حكومة الحزب الواحد بل هي حكومة الفرد الواحد وكل الروافد التي تصب في نهر القائد ( الضرورة ) ساهمت الى حد بعيد في قتل معالم الوعي الثقافي لدى المواطن العراقي.
&
ثانيا: الحالة القبلية
نتيجة طبيعية لغياب الحياة القانونية والدستور الذي يتكفل ضمان حقوق المواطن العراقي من جهة والمجهود الجبار الذي قامت به الدكتاتورية في تسطيح الوعي من جهة اخرى...
اخذت تستفحل من جديد طريقة الالتجاء الى قانون الجماعة البشرية الموروث على اسس قبيلة (العشائرية) ذات النسيج المعقد لكل من يريد التعامل معه او الدخول في صميم تلك التكتلات التي تتكفل وبكل جدارة الحفاظ على انانية الرجل وسحق المراة التي افهمت (وفقا لمعطى القانون القبلي ) انها اقل شانا من الرجل ومن ثم فهي لا تتمتع حتى بنصف حقوق الرجال والغريب انها اقتنعت بتلك المبررات ولم تعد تطالب بحقها في الحياة الكريمة... كل ذلك فضلا عن مخلفات النزاعات القبلية التي تحرق الاخضر واليابس من الخصمين ولو من اجل كلب طايش (مع كامل الاحترام لحقوق الحيوان).
&
ثالثا: المسحة الشكلية للدين
ذالك الفهم الديني الذي يعتمد قانون الاستخارة ابتداءا من الذهاب للحمام وانتهاءا في تحليل الاستراتيجيات الدولية للقرن الحادي والعشرين = ( عالزغيرة وعالكبيرة... كض سبحتك واخذ خيرة ) بل هو مستعد حتى للتحاف مع العصبية الجاهلية التي من المفترض ان تكون منبوذة من قبل التيار الديني.
وتلك هي الطامة الكبرى لانها تحالفت (وبشكل غريب) مع القوانين القبلية التي تتعارض مع الدين اصلا (باعتراف المؤسسة الدينية) وهذا ما يجعل المجتمع العراقي غارق بين تحالف الظاهرة الشكلية للدين (والتي لا تتعارض مع الروح القبلية التي تحكم المجتمع العراقي) مع الظاهرة العشائرية... وبذلك اصبحت تلك الظاهرة تبرر للعشائرية تلك الممارسات المغلوطة في المقابل ان تقف القبلية الى نصرة المسحة الشكلية للجماعة المتدينة حينما تتعرض للتهديد...
وما ساعد في استحاكم ذلك التحالف هو انه كان يمثل حالة من التحدي للواقع الاستبدادي الذي فرضته الدكتاتورية الحاكمة... فهي تغذت على وجود الدكتاتور عن قصد او عن غير قصد حتى ان استحكمت تلك الظاهرة واصبحت تحديا كبيرا امام النخبة المثقفة العراقية التي تامل في التاسيس لمجتمع مدني في العراق.. لان ذلك الثنائي (الذي بقي من دون العامل الثالث والذي رحل في ضربة قاضية تلقاها من قبل البنتاغون) يمثل التحدي الاكبر في وجه الحركة التوعوية في العراق المقبل بل يمكن القول (وبكل صراحة) ان الديمقراطية لا تنفع في مجمتمع تسوده تلك القوانين حيث ان الديمقراطية لا تزرع في ارض حجرية او رمال صحراوية بل تحتاج لتربة خصبة لا يتمتع العراق بها الآن على العكس من خصوبة ارضه التي جعلته مرتع لحضارات سبقت العالم في نشاتها لكنها بقيت تراثا لمتحف بغداد عسى ان تسترجع بعد ان لحقتها استحقاقات الحروب.

كاتب عراقي مقيم في الخارج