سامي البحيري
&
&

اليوم أريد أن أتكلم على واحد من أهم المبادئ الفلسفية فى التاريخ، ألا و هو مبدأ "ديكارت" الرائع فى الشك، "أنا أشك أذن أنا موجود"، وقد أسس "ديكارت" بهذا المبدأ أهم أسس للأبحاث العلمية والأنسانية والجغرافية والدينية والأجتماعية، والتقدم الأنسانى الرائع عبر التاريخ كانت تحركه عدة دوافع وغرائز أهمها فى رأئى غريزة حب الأستطلاع ودوافع الشك بالأضافة بالطبع الى غريزة حب البقاء. وقد وضع "ديكارت" الشك كشرط للوجود والكينونة. وبموجب مبدأ "ديكارت" فان كل شئ خاضع للبحث والشك والتجارب، كل شئ مطروح على الطاولة وبأستمرار فى كل زمان ومكان، والحاضر دائم الشك فى الماضى، والمستقبل دائم الشك فى الحاضر، ومستقبل اليوم سوف يصبح حاضرا ثم ماضيا وما كان يقينا اليوم قد يصبح محل شك بالغد، وقديما كان الناس يعتبرون أنه من الثوابت أن الأرض هى مركز الكون وأنها مسطحة، ثم جاء من" شك" بهذه الحقيقة وأثبت أن هذا غير صحيح، وكثير من العلماء والفلاسفة والأصلاحيون والأنبياء دفعوا حياتهم ثمنا لشكوكهم والتى ثبت بعد مصرعهم بأنهم كانوا على حق.
وقد يقول قائل بأن" الشك" عكس" اليقين"، وأنا أختلف مع هذا، فالشك هو الطريق الوحيد الموصل الى اليقين، واذا كان "أبراهيم الخليل" هو أبو الأنبياء، فأنا أعتبره أبو "الشك" فى التاريخ، فلقد بدأ بالشك فى أبوه وأهله وما يعبدون: "... ولقد آتينا ابراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، اذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آبآئنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال مبين..." سورة الأنبياء (51-54).
"... وأتل عليهم نبأ أبراهيم، اذ قال لآبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم اذ تدعون، أو ينفعوكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون..." سورة الشعراء (69-74).
بدأ" أبراهيم" بالشك فى معتقدات أبيه وقومه، وتكلم معهم بالمنطق والعقل، حين سألهم: كيف تسمعكم أو تفيدكم أو تضركم تلك الأصنام، ولم يجد أهله أجابة منطقية أو عقلانية وكانت أجابتهم تدل على غياب العقل والتفكير والتقليد الأعمى لآبائهم. وكانت ثورة كبرى فى" الشك" فى هذا العصر القديم، ولم يكتفى أبراهيم من الشك فى أصنامهم بل قام بتحطيمها بالفأس ما عدا أكبر صنم وعلق الفأس فى رقبة أكبر صنم، وعندما سأله أهله عمن فعل تلك الفعلة، قال لهم أسألوا كبيرهم !!
ولم يكتف "أبراهيم" بالشك فى أبيه وأهله، بل شك فى مقدرة الخالق على أحياء الموتى:
" واذ قال أبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى، قال أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبى..."( البقرة 260)، فطمأنينة القلب تبدأ بالشك ثم التجربة فاليقين.
ولم يتهمه ربه بالكفر والألحاد كما يفعل البعض اليوم!! بل قام بأجراء تجربة عملية أمامه لقطع الشك باليقين:
"فقال خذ أربعة من الطير فصرهن اليك ثم أجعل عل كل جبل منهن جزأ ثم أدعهن يأتينك سعيا وأعلم أن الله عزيز حكيم " (البقرة 260).
فكما نرى هذا قمة البحث العلمى الذى يبدأ بالشك ثم التجربة فاليقين.
"ومحمد" عليه الصلاة و السلام "لم يسجد لصنم قط"، وما الذى جعله يرفض السجود للأصنام لمدة أربعون عاما قبل بدأ دعوته، لأنه من البداية لم يقتنع بالسجود للأصنام، لأنه من البداية شك فى عبادة الأصنام، لذلك رفض تماما السجود لها، وبدأ يفكر فى البدائل فى غار حراء حتى جاءه الوحى وبدأ الدعوة، وكان أول ما فعل عند فتح مكة هو تحطيم الأصنام والتى كانت رمز التخلف والكفر.
وفى تاريخ مصر الفرعونية كان "أخناتون" هو أول من بدأ ديانة التوحيد، وبدأ ذلك نتيجة شكه فى كل الآلهة الموجودة فى هذا الوقت، وآمن باله واحد هو الآله "أتون". ولاقى فى هذا الأمرين فى أثناء حياته، حتى بعد مماته عانت آثاره من التدمير والتخريب، ولكنه بلا شك كان أحد عظماء التاريخ الذين رفضوا الأستسلام لمبدأ "هكذا وجدنا آبائنا فاعلون". وكل هذا بدأ من الشك وتشغيل العقل وهى أعظم هبة للأنسان.
وهناك فرق كبير بين "الشك" والتشكيك، فأنت لاتستطيع أن تشكك فى أن الشمس تشرق من الشرق، لآن هذه حقيقة علمية ثبت صحتها عبر آلاف السنين فى الأرض، ولكن حتى هذه الحقيقة قد تتغير اذا قدر لك الحياة على كوكب آخر غير الأرض.
ولكن هناك من "مشايخنا" الأفاضل من "شكك" فى أن الأمريكان هبطوا على سطح القمر، هذا لايعتبر شكا ولكن يعتبر نفى وتكذيب ومكابرة، وهذا ليس من العلم فى شئ.
ومن أبرز الأمثلة على المكابرة على العلم هو أن بعض المشايخ "أنكروا" أن العلم أستطاع معرفة جنس الجنين وهو فى رحم أمه، وكان أعتمادهم على هذا بأن تلك المعرفة كانت قاصرة على الخالق سبحانه وتعالى "ويعلم ما فى الأرحام وما تخفى الصدور"، ثم جاء العلم بجهاز كشف الكذب لمعرفة ما تخفى الصدور، "ويعلم الغيب" وجاء العلم وأستطاع التنبأ بالأحوال الجوية حتى أسبوع قادم، وأستطاع تتبع الأعاصير والأحوال الجوية السيئة، وأصبح علم التنبؤات الجوية من العلوم الحديثة المحترمة والتى يستخدمها الناس فى كل أنحاء العالم.
وقد تمكن الأنسان فى الوصول الى كل هذه الأنجازات العلمية والتى مازالت فى مهدها لأنه "خليفة الله فى الأرض" "واذ قال ربك للملائكة أنى جاعل فى الأرض خليفة..." سورة البقرة (آية30)
ومن الأمثلة الأخرى التى فضل فيها بعض المشايخ النصوص الضعيفة الغير منطقية على العلم الأكيد وعلى المنطق والعقل، هو حديث الرسول وهو ما سمى بحديث الذبابة، وما معناه " اذا سقط الذباب فى أناء أحدكم فليغمس الذبابة بالكامل فى الأناء لأن فى جناح منها دواء والجناح الآخر داء"والذباب يتغذى على كل الفضلات الأنسانية والحيوانية بما فيها البراز و ينقل الكثير من الأمراض المعدية وأخطرها التيفود، ناهيك عن مجرد الشعور بالتقزز لغمس الذبابة فى الأناء والشرب بعد هذا. ولكن بدلا من أن يشك "المشايخ" فى "حديث الذبابة" ويضعونه فى مكانه الطبيعى كحديث ضعيف، نجدهم يشككون فى صحة العلم الحديث والعقل والمنطق، ويطبقون نفس اسلوب "هكذا وجدنا آبائنا يفعلون".
................
وعندما كنا فى مرحلة المراهقة والشباب المبكر كنانشك فى كل شئ وفى أى شئ، و كنا نسخر من كل شئ ومن اي شئ، حتى مبدأ" ديكارت" لم يسلم من دعاباتنا ومن شقاوتنا، وحولناه من "أنا أشك أذن أنا موجود" الى "أنا أشك أذن أنا دبوس"، وشكة الدبوس قد تكون مؤلمة بعض الشئ ولكنها جديرة بأن توقظ النيام وجديرة بأن تختبر الميت من الحى وجديرة بأن توقظ الأحاسيس. فهلا نطلب من أولادنا وبناتنا أن يبدأوا برحلة الشك حتى يصلوا الى مرافئ اليقين وحتى يبدأوا رحلة الأبداع والأبتكار عن طريق أوسع الأبواب ألا وهو باب العلم والمعرفة، فهلا نعلمهم بأن كل شئ مطروح للشك، فهلا نشجعهم بألا يخشون فى الشك خشية لائم، وألا يخشون الأب أو الأم أو الأهل، وبأن يكون لهم فى "أبراهيم الخليل" عليه السلام أسوة حسنة والذى لم يشك فقط فى أهله وأبيه بل وشك فى مقدرة الله سبحانه وتعالى على أحياء الموتى، ولم" يطمئن قلبه" الا بالبرهان العلمى والعملى. فهلا نفعل ذلك أم نتركهم يدخنون الشيشة والأرجيلة على المقاهى ويستسلمون لمشايخ العصر الجاهلى الذين يزرعون فى عقولهم بأنه "ليس فى الأمكان أبدع مما كان" وأنه "لا جدال فى الدين" و"كنتم خيرأمة أخرجت للناس" وكل الشعارات والتى هى حق يراد بها باطل، ويراد بها تعطيل أهم نعمة من الخالق لمعبوده ألا وهى العقل، ويراد بها الأستمرار فى أدران التخلف والعفن الجاهلى والذى يؤدى الى طريق ذو أتجاه واحد نهايته الهزائم والأرهاب والأنتحار.&