&سعد داود قرياقوس&
&
&
من أكثر الأمور إثارة للشفقة أن يلجأ الكاتب المتصدِّي لنقد مقالات الآخرين إلى استخدام اتِّهامات وتسميات اعتباطيَّة ومجحفة. وللأسف فإنَّ الأسلوب الذي يتَّبعه العديد من أنصار الاحتلال الأمريكي للعراق يتَّسم بهذه الخصوصيَّة. فمنتقدو الاحتلال هم بالضرورة "من أيتام صدَّام" ومن مرتزقة النظام البائد، ومن العرب المستعربين والعرب العاربة وغيرها من التسميات الساذجة والشاذَّة. هذا الأسلوب الابتزازي يتطابق إلى حدِّ كبير مع الأسلوب الذي اتَّبعته المنظَّمات الصهيونيَّة المؤيِّدة لإسرائيل عندما اخترعت مفهوم "معاداة الساميَّة" كوسيلة ابتزازيَّة ورادعة لكلِّ من يتجرَّأ على نقد الممارسات الاحتلاليَّة الإسرائيليَّة، حتَّى ولو كان المنتقد يهوديَّا.
لا أريد هنا إن أنكر حقَّ هذه المجموعة في اختيار أسلوبها، أو استخدامها للنعوت أو التسميات التي تروق لها، فلها حريَّة الخيار والردِّ بأيِّ شكل تبتغي. لكنَّني أودَّ أن أذكِّر بأنَّ للآخرين حقوقًا أيضًا، ولمنتقدي الاحتلال حقًّا كذلك في انتقاده وفضح نواياه وممارساته وتحليل المقاومة المسلَّحة والسياسيَّة له.
الغريب في الأمر، أنَّ العديد من "كتَّاب المدرسة الاحتلاليَّة" الذين طالما تشدَّقوا بديمقراطيَّتهم، وطالما اتَّهموا الحكومة العراقيَّة السابقة والحكومات العربيَّة الأخرى باللاديمقراطيَّة، وبعدم احترام الرأي المضاد وتقبُّله، نراهم يغالون اليوم في استخدام& الأساليب ذاتها. والأمر الأكثر غرابة أنَّ بعض أنصار الاحتلال الأمريكي للعراق كانوا لغاية تاريخ قريب من أكثر المؤمنين بشعار الشيطان الأكبر، فما الذي حدث؟ وكيف تحوَّل عدوُّ المستضعفين إلى محرِّرهم ومخلِّصهم الديمقراطي؟ ولماذا هذه الانتقائيَّة والمواقف المتناقضة تجاه السياسة الأمريكيَّة ودورها التاريخي في كوارث المنطقة ومعاناة شعوبها؟ هل يستطيع مؤيِّدو الاحتلال الأمريكي للعراق إعطاءنا رأيهم مثلا بعمليَّة تفجير السفارة الأمريكيَّة في بيروت؟ هل كانت مقاومة مشروعة أم نتاج الإرهابيِّين العرب؟
إنَّ اللجوء لمنطق العجز هذا، وإطلاق صفات العمالة والتبعيَّة على منتقدي الاحتلال يتنافى جوهريًّا مع الأسس الموضوعيَّة، ويشكِّل إجحافًا لحقوق الآخرين.
هل حقًّا يقرأ هؤلاء الكتَّاب ما يكتبه الآخرون باللغات الأجنبيَّة؟ وكتابات المفكِّرين الأمريكان خاصة عن الوضع في العراق العراقيَّة؟ هل أنَّ أولئك الكتَّاب هم من "أيتام صدَّام" أو فلول حزب البعث أيضًا؟ وما رأي مؤيِّدي الاحتلال بمعارضة شخصيَّات لا يرقى الشك إلى دورها الإنساني ومواقفها العنيفة تجاه الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان؟ هل هم من "أيتام النظام"؟
هل نيلسون مانديلا، والأسقف ديسموند توتو، والمفكَّر الأمريكي نعوم جومسكي، وأستاذ العولمة ميشيل شوسودوفسكي، والبابا يوحنَّا بولس، والرئيس الإيراني السابق هاشمي رافسنجاني، والكاتب عبد الرحمن مجيد الربيعي، والشاعر سعدي يوسف، وأعضاء جمعيَّة العلماء الحائزين على جائزة نوبل، هل هم جميعًا من العرب العاربة ومن "أيتام صدَّام"؟ هل هم من أصحاب العقول المريضة التي أشار إليها السيِّد الجعفري في معرض ردَّه المتشنِّج على مقال السيَّد المهتار؟
لقد تجنَّى السيِّد الجعفري، وألقى ظلال شكٍّ& بلا مسوِّغٍ أو مبرَّر على الأستاذ أسامة المهتار في ردِّه اللاموضوعي والتلميح بوصفه بأنَّه من "أيتام النظام البائد" وغيره من الاتَّهامات المبطَّنة.
لقد سعدت بمعرفة الصديق أسامة منذ حوالي العشرين عامًا، اختلفنا فيها كثيرًا واتَّفقنا قليلاً على العديد من القضايا العربيَّة والدوليَّة، وأستطيع الادَّعاء بأنَّني ملمٌّ بخطِّه الفكري والأخلاقي وبنهجه الحرَّ ونزاهته التي هي فوق الشبهات. واعتقد أنَّ من الشجاعة الخلقيَّة أن يعتذر السيَّد جعفري على اتَّهاماته المجحفة والباطلة، ولا سيَّما أنَّ ما ورد في مقال السيَّد المهتار لا يتضمَّن تصريحًا أو تلميحًا بما اتُّهم به، بل على العكس تمامًا. وأودُّ أن أزيد بأنَّني لا اتَّفق كليًّا مع تحليل السيِّد المهتار، إلا أنَّني احترم قناعاته وإن كنت أنا لا أشاركه فيها.
ثمَّة ملاحظة أودُّ إيرادها قبل توجيه بعض الأسئلة البسيطة، راجيًا إن يتَّسع صدر السيَّد الجعفري وفكره لها، والردُّ عليها بأسلوبه الرشيق.
لقد تجنَّب السيِّد الجعفري بحذاقة استعمال كلمة الاحتلال في عرضه لانقسام المواقف الدوليَّة من قضيَّة العراق، واستعمل كلمة الحرب، فيقول: "فقد قسَّم العراق العالم إلى فسطاطين أحدهما مع والأخر ضدَّ الحرب.... الخ". إنَّ ما يقسِّم العالم اليوم ليست قضيَّة الحرب، وإنَّما قضية الاحتلال. فمسألة الحرب محسومة وعدم شرعيَّتها وزور مبرِّراتها معروفة لحكومات الدول وللرأي العام ولكلِّ خبراء القانون الدولي بمن فيهم الأمريكان والبريطانيُّون. إنَّ الاحتلال وممارساته وأهدافه هي القضيَّة الأساس والأكثر أهميَّة للمجتمع الإنساني اليوم، وسوف تزداد أهميَّتها أكثر، ابتداء من يوم السابع والعشرين من الشهر الحالي حيث ستنطلق التظاهرات المندِّدة بالاحتلال في جميع عواصم العالم و سوف تستمر حتَّى إنهائه.
وهنا نود إن نطرح الأسئلة التالية.
1. مع تقديرنا لانطباعات السيِّد الجعفري ومشاهداتة في الوطن، التي يحاول أن يقدِّم صورة مخمليَّة عنها وإصراره على إنكار المقاومة المسلَّحة وتحجيمها. هل يتوقَّع منَّا أن نقبل انطباعاته ونرفض التصريحات الرسميَّة لكلٍّ من الجنرال تومي فرانكس والجنرال جون أبي زيد والجنرال ريكاردو سانشيز وتقرير لجنة أعضاء الكونغرس وتقرير لجنة الخبراء الأمريكان التي اعترفت جميعها ضمنيَّا ليس بوجود المقاومة فحسب، بل بعدم علاقتها بالحكومة العراقيَّة السابقة؟
2. إذا كانت قصَّة المقاومة من نسيج خيال الفضائيَّات العربيَّة، ولضرورات إنتاجيَّة، أو نتيجة لتحاملها وحقدها على التضامن الوطني التقدُّمي والديمقراطي الجديد في العراق المحتلِّ، وبكونها من "أيتام صدام"، هل أنَّ الكاتب البريطاني المعروف روبرت فسك وغيره من الصحافيِّين والكتَّاب الأجانب الذين تزدحم تقاريرهم اليوميَّة بتفاصيل المقاومة وممارسات الاحتلال اللإنسانيَّة، وبشكل يتناقض كليَّا مع طروحات السيِّد الجعفري وغيره من مؤيِّدي الاحتلال ومحجِّمي المقاومة، هل هم أيضا من فلول النظام البائد؟
3. إذا كان الوضع الأمني مستقرًّا وحجم المقاومة معدومًا أو ضئيلاً، لماذا هذه التعزيزات المستمرَّة للقوَّات الأمريكيَّة؟ وما هي أسباب المناورة الأمريكيَّة الأخيرة في مجلس الأمن لتوريط القوَّات متعدَّدة الجنسيَّة في مستنقع العراق؟
أسئلة قد تبدو بدهيَّة لبعضنا، إلاَّ أنَّ بدهيَّتها لا تنفي أهميَّة الإجابة عنها، ليس من باب الدفاع عن الأستاذ أسامة المهتار أو غيره، بل من باب الدفاع عن العراق وشعبه وحقوقه المشروعة وسيادته. وإذا كانت صفة "الأيتام" ستستخدم لوصف كلِّ مَن ينتقد الاحتلال ويدافع عن العراق، فإنَّني أقرُّ بكوني "يتيمًا" لصدَّام حسين ونيكولاي شاوسسكو وجمال عبد الناصر والإمبراطور جان بدل بوكاسا أيضًا.