بغداد من عادل عبد الله: يقسم الكتاب هذا الى اربعة اقسام، يتعاقب على كتابتهن مؤلـّفان يختلف تناولهما للموضوع ذاته، طولاً وقصراً ووعياً وفهماً ومعالجة ً وأداءًً. ولئن كان القسمان اللذان يخصان الدكتور برهان غليون، هما الحاملان لمجموعة الصفات الايجابية لما وقع التفاوت والمفاضلة فيه قدر تعلق وماسبة وصلة الطرح بالموضةع الذي اريد الحديث عنه -، فان قسمي الدكتور سمير امين هما من قصدت اناطة الصفات الاخرى المشكًلة لموضوعة التفاوت ذاتها، ولان المقارنة ليست غاية عرضنا هنا، سنشرع بالقول ان خطة الناشر في انتاج هذا العمل المهم تقوم على تقديم الدكتور غليون لبحثه في موضوع ثقافة العولمة، ثم يليه بحث الدكتور سمير امين ليجري بعد ذلك نقد كل من الباحثين لورقة الاخر. . الملفت للنظر والجدير بالملاحظة في مجمل عمل الباحثين هو ان تبدأ محاور نقد الدكتور غليون لورقة سمير امين جميعها بقوله (انا اختلف مع سمير ) او (ان هناك خلافاً عميقاً بيننا ) حين يبدأ الدكتور سمير نقده لورقة برهان غليون - بعد قراءته لإختلافات برهان غليون معه ( لقد لاحظ القاريء تقارب مواقف المؤلفين، انا وبرهان غليون! وان هناك تلاق بيننا!)، الامر الذي لم يحصل على الاطلاق ولم يثبت مضمون الكتاب صدقه. . لكل ذلك ارى من المفيد والمناسب ان اخصص القسم الاكبر من عرضنا هذا لورقتي الدكتور غليون في فهمها لثقافة العولمة اولاً وفي نقدها الموضوعي العميق لورقة محاوره الدكتور سمير امين، من بعد.

مفهوم العولمة
اذا كانت العولمة قد ارتبطت في الطور الاول من ظهورها بعالم الاقتصاد والمال، فان الميل يزداد اليوم الى طرح قضية العولمة في عالم الثقافة، وبغية فهم هذه العلاقة بين الثقافة والعولمة ينبغي اولاً طرح هذه المجموعة المحددة من الاسئلة التي نحسب ان الاجابة عنها كفيلة بالكشف عن طبيعة هذه العلاقة، حسب السياق الذي يقترحه الكتور غليون لفهم هذه العلاقة، اما الاسئلة فهي:
1- هل العولمة حركة موضوعية، حتمية لا خيار لنا فيها، ام هي سياسات ذاتية من الممكن تجنبها، بل ومقاومتها للحفاظ على إستقلالنا وحريتنا ؟
2- هل العولمة هي الهيمنة العالمية ؟ ام هي دينامية جديدة تتيح الخروج من الهيمنة وتقدم فرصاً اكبرلتحرر المجتمعات ؟اي، هل هي ذات آثار إيجابية، ام هي سلب مطلق، تتضمن كسر ارادتنا واكتساح إقتصادنا ومحو ثقافتنا ؟
3- هل تعني العولمة الامركة الاقتصادية والثقافية، وتعد الفضاء الذي تحتاجه الولايات المتحدة لتكرّس وتحقق إستقرار هيمنتها العالمية، ام ان الانفتاح المتبادل للفضاءات الاقتصادية والثقافية، يساعد على تطوير وتعميق التعددية الحضارية والسياسية ؟
4- هل لدى مجتمعاتنا الضعيفة الطاقة الكافية لمعالجة الضغوطات التي تحدثها العولمة، وما هي شروط بلورة إسترتيجية مجابهة أو معالجة فعالة وناجعة بديلة ؟
&يبدأ الدكتور غليون إجابته عن هذه الاسئلة، باستعراض تاريخ موجز لإتجاه حركات دمج العالم في منظومة واحدة، وهو اتجاه قديم وجد نموذجه في التوسعات الامبراطورية وفي التوحيد الفعلي للعالم عبر إلحاق البلاد الزراعية الضعيفة بالبلدان والامبراطوريات الرأسمالية التجارية وفي مرحلة ثانية بالامبراطوريات الصناعية، وقد حصل هذا الدمج والتوحيد بفضل السيطرة العسكرية والسياسية، وكان من نتائج ذلك إقتصادياً، تعميم انماط العلاقات الراسمالية وخلق العالم الذي نعرفه اليوم، اما النتائج السياسية والثقافية لهذا الدمج والتوحيد، فهي خلق نموذج الدولة القومية ام الامة وتوزيع الجماعات البشرية حسب انقساماتها اللغوية والثقافية بعد ان كانت موزعة حسب موازين القوة الاقليمية، ويرجع لهذا الدمج ايضاً انتشار العقائديات السياسية والاجتماعية.
بيد ان وجود اقتصاد عالم ونظام عالم، لايعبر عن العولمة ولا يدخل فيها، من وجهة نظر الدكتور غليون لان هذه النظرة تظهر فقط، ان هناك مركزاً عالميا فاعلا وان هناك اطرافاً لهذا المركز لاتعمل بمعزل عنه، لان العولمة تعني شيئاً آخراً يتجاوز هذه العلاقة بين المركز والمحيط، اذ انها تتجسد في نشوء شبكات عالمية فعلا تربط جميع الاقتصادات والبلدان والمجتمعات وتخضعها لحركة واحدة مرتبطة عبر منظومات ثلاث هن:المنظومة المالية المتمثلة باطار سوق واحد، وبورصة واحدة، والمنظومة الثانية وهي المتمثلة باعلام واحد وإتصالية واحدة، ثم اخيراً المنظومة المعلوماتية التي تجسدها بشكل واضح شبكة الانترنت.
ولئن كانت الحقبة القومية من التاريخ العالمي تدفع نحو إفراز حركات وعقائديات قومية وسياسيات تضامن اجتماعي وبناء المركزية الوطنية، تشجع العولمة على إنحلال منطق الحسابات القومية والوطنية. ان المضمون الرئيسي للعولمة، هو ان المجتمعات البشرية التي كانت تعيش، كل واحدة في تاريخها الخاص وحسب تراثها ووتيرة تطورها ونموها المستقلة، قد اصبحت تعيش اليوم في تاريخية واحدة، فهي تشارك في نمط انتاج واحد يتحقق على مستوى الكرة الارضية وهي تتلقى التأثيرات المادية والمعنوية ذاتها، سواء تعلق الامر بالثقافة ووسائل الاعلام والبيئة والازمات الاقتصادية والاوبئة والمسائل الاجتماعية والاخلاقية كالجريمة وتهريب المخدرات وتكوين شبكات الدعارة الطفولية على الإنترنت، لكل ذلك، يضيف الدكتور غليون، يمكن تلخيص العولمة بكلمتين، هما، كثافة انتقال المعلومات وسرعتها الى درجة اصبحنا نشعر اننا نعيش في عالم واحد او كما قال (ماكلوهان) في قرية كونية.

العولمة والضرورة التاريخية
في اجابته عن السؤال الذي سبق له طرحه والمتعلق (بحتمية العولمة) يقول غليون:ان الحقيقة الموضوعية التي تفرزها التطورات التاريخية والمكتسبات التقنية والعلمية ليست مستقلة عن الانسان، انها تعيّن بالفعل شروط الفعل الانساني، لكنها لا تلغي هذا الفعل نفسه، ولذلك لا وجود للبنية الموضوعية العولمية خارج وعي الانسان لها وتاويله لمعانيها واختياره للامكانات التي يمكن ان يطورها فيها ومعنى هذا ان موضوعية العوامل التي تدفع في اتجاه تكوين الصيغة الجديدة للنظام العالمي لا تمنع من وجود ذاتية تحدد سلوك الجماعات والمجتمعات البشرية نفسها، فمدار الامر اذن، من وجهة نظر الدكتور غليون، لا يتعلق في التعارض بين الموضوعية والذاتية، انما بطبيعة العلاقة التي تربط بينهما، من هنا يمكن للذات ان تسيطر على الموضوع وتتحكم به من دون الغائه، لكن قد تكون هذه الذات من الضعف بحيث تقود نفسها الى الخضوع الاعمى للبنية الموضوعية.
فللعولمة اذن حركة مزدوجة هي ثمرة التقاء التطور الموضوعي لحقل التقنية والعلوم الذي يتم بصرف النظر عن رأي اي واحد، وارادة المجتمعات والجماعات والنخب التي تسيطر عليها في توظيف هذا التطور الموضوعي لضمان سيطرتها وتكريس هيمنتها وسيادتها. ومعنى هذا كله بايجاز، اننا لا نستطيع فهم العولمة وتصورها من دون ثورة الاتصالات والتقنيات التي تكمن وراءها ولا نستطيع ان نفهم نتائجها كما نشاهدها اليوم من دون فهم السياقات التي توجهها، اي من دون اخذ طبيعة القوى الاجتماعية السائدة في الاعتبار وفهم مصالحها ومتطلبات استقرارها.
ومعنى هذا ان لا قيمة لهذه التقنيات من دون استغلالها من قبل طرف او فاعل اجتماعي ودولي، من هنا فأن منطق الحتمية سيفقد بعضاً من صرامته، لأنه، على قدر مشاركة المجتمعات والافراد في السيرورة العولمية، يكون مكان هذه المجتمعات وموقعها في النظام التراتبي والتركيب الاجتماعي والطبيعي الذي تنشئه بالعلاقة مع القولى والمصادر والمصادر المادية والرمزية الجديدة. . . اما عن موقعنا من العولمة نحن الممثلين للعالم العربي، فهو موقف الهامشية الكاملة وشبه المطلقة، لان هذا العالم- حسب غليون لا يتأثر كثيراً بالفعل اذا رفض العولمة لانه ليس عضواً في المنظومة العالمية التي تكونها، غير ان هذا الرفض لا يمكّنه من الإبقاء على حظوظ افضل للإحتفاظ بمواقعه في الترتبية الدولية، بل العكس، اي ان النتيجة هي الاستبعاد المتزايد من دورة الانتاج الدولي وسيرورة التطور الحضارية.
لا ريب ان مثل هذا الطرح سيؤدي حتماً الى القول الذي يعرف الدكتور برهان انه مؤدٍ اليه، اعني، هل يعني هذا تبنّي عقيدة التسليم والاستسلام للعولمة ؟ يبدو ان الموازنة في الموقف هي الحل الممكن، يقول غليون، ان الاخذ بتقنيات العولمة امر ضروري للدفاع عن البقاء وضمان النجاعة الاقتصادية والثقافية، غير ان الاستفادة من هذه التقنيات غير ممكنة من دون ان تقف وراء استراتيجية ذاتية تحد من استخدامها من قبل القوى الكبرى لاهداف هيمنية، اذن فالدخول في العولمة وتقنياتها وحقولها امر حتمي مفروض على كل مجتمع يريد ان يبقى في دائرة المجتمعات التاريخية ولا ينسحب من الفاعلية الدولية، لكن يبغى النظر الى ان الدعوة الى ضرورة الانخراط في العولمة، بوصفها أمراً موضوعياً محضاً لا خيار لنا فيه، دعوة لا قيمة لهل من دون بلورة استراتيجية داتية وخاصة للدخول في العولمة. خلاصة القول، ان الخيار المطروح على المجتمعات كلها، لا يكون بين الانخراط في العولمة او الصد عنها، ولكن بين اخذ مصيرنا بيدينا داخل العولمة، او التسليم للقوى الاقتصادية والسياسية التي تتحكم بالمسيرة العالمية.

العولمة والهيمنة الدولية / الثقافة والسيطرة
&في هذه الفقرة سنتعرف على الاجابة المتعلقة بالتساؤل الذي يقول: ماهي حقيقة الفرص التي تتيحها العولمة وما طبيعة المخاطر التي تحملها ؟ اي هل يمكن للمجتمعات العربية ان تخرج من حلقة الاستبداد والقهر والتخلف، اذا استغلت فرصتها السانحة بالدخول في العولمة، كما يقول تيّار دعاتها العربي، وهل يمكن، وهل يمكن اعتبارها فعلاً فرصة للتحرر من السجون القومية الرثة، ام هي تجديد لنظام الهيمنة الدولية والعلاقات الامبريالية ؟
تفتح العولمة فرصاً هائلة لتحرر الانسانية عبر تفاعل مختلف مكوناتها وعبر التدفق الحر للقيم والمنتجات والمعلومات والافكار والمخترعات وعبر خلق سوق عالمية واحدة، هذا هو الجانب الايجابي للتحرر وهو وجه العولمة الاول الجميل الذي يخفي في الصفحة الاخرى منه وجهها المقابل الذي ليس له هذا الطابع المسالم البريء، اعني، والكلام سيكون لغليون، ان هذا التدفق المثري للبشرية يخلق بشكل حتمي عند غياب نظام التعديل واعادة توزيع الموارد، شروط تركيز هائل للثروة المادية والثقافية في ايدي فئة قليلة من سكان العالم، هم من يتميز بقدرات او مواهب او مواقع او علاقات اكبر واكثر على حساب القسم الكبر من البشر، ومعنى هذا ان تلك الفرص التي تفتحها العولمة، مرتبطة بالسياسات التي تتبناها الدول الكبرى، ولما كانت قيم التوسع هذه هي التي تلهم هذه السياسات، فلن يكون هناك اي امل في ان توظّف عوائد التوسع الاقتصادي العالمي لصالح الاغلبية من سكان العالم، واحسب ان الدكتور غليون يشير هنا بوضوح الى الطبيعة الاخلاقية للفكر الراسمالي من حيث تبنيها الربح وتراكم راس المال غاية اولى لها ومقصدا أعلى ينبغي ان تخضع القيم الاخرى لمنطقه، نتيجة لذلك، يضيف غليون، ان العولمة لا تعني ان جميع الافراد المقيمين على وجه الارض سوف يندمجون في الشبكات المالية والمعنوية والثقافية للعولمة، فالاغلبية الساحقة من سكان المعمورة لا يزالون يعيشون وسيظلون يعيشون لفترة طويلة جداً خارجها وربما لن يدخلوا فيها ابداً، وربما يكون السبب في ذلك هو عدم حاجة العولمة اليهم كمادة لستراتيجيتها، غير ان بقاءهم بعيدين عن الشبكات المندمجة يقول غليون- لا يعني انهم لا يخضعون لقوانينها او ان بامكانهم ان يبقوا بعيدين عن تأثيراتها، اي انهم سيدخلون في العولمة حتماً، لكن من باب عواقبها السلبية المتمثلة بالفقر والبؤس والتهميش الجماعي وإنسداد آفاق المستقبل والحروب الداخلية. فالعولمة اذن حاملة من دون شك هيمنة ولنظام هيمنة اكثر شمولاً من كل ما شهدته الانسانية سابقاً، لأنها تدمج الساكنة البشرية كافة، غير انها هذه الحقيقة يضيف غليون لا يمكن عدها مبرراً لرفض مخاطر الهيمنة القوية، بل ان موقف الرفض هذا يمنع من فهم آليات العولمة، ، كيف اذن يمكن مقاومة نزعة الهيمنة العولمية ؟ يجيب غليون، ان هذه المسألة لا تتحقق من خلال الرفض الايديولوجي لمضمونها، ولكن من خلال بناء الشروط التي تسمح بالتحكم بآلياتها وتقنياتها ووضع اليد على جزء من رأسمالها المادي والادبي والعلمي، المهم ان نرى هنا، ان العولمة لا تدان بسبب الهيمنة التي تحملها، لكنها تنقد نقداً سياسياً من اجل تفكيك آليات هذه الهيمنة وإبراز امكانات المقاومة التي تتيحها.
ان فهم المرحلة الجديدة من الدمج العالمي يقتضي اعتبارها استمراراً وتعميقاً للمرحلة الامبريالية السابقة وما طوًرته من آليات لضمان التبعية، لكن وهذا هو الاهم، بصيغة دائمة هذه المرة، وليس عبر وسائل الاكراه والقوة العسكرية، بل من خلال السيطرة على القطاعات والشبكات الاقتصادية والثقافية والاعلامية العولمية وستخدامها لإنتاج المواقع الطبقية الجديدة، لكل ذلك، يستنتج الدكتورغليون ان ان جبهة المواجهة الثقافية، هي التي اصبحت الجبهة الرئيسية في حرب السيطرة العالمية هذه، من حيث سعيها الى التخفيف من قيمة الثقافات المنافسة وتسويد صفحتها لدفع نخبها الى التنصل منها، الى ثقافة العولمة الكوزموبوليتية، حين تنحط الثقافات الوطنية الى مستوى الثقافات الشعبية اي التواصلية، كما تريد لها العولمة ذلك.

العولمة والامركة / إشكالية السيطرة الثقافية
الامركة، كما يتبادر الى الذهن، هي تعميم النموذج الامريكي للحياة، ولأن الولايات المتحدة هي المصنفة الاولى في تبني وتعميم ورعاية العولمة وتحقيقها، جرى التداخل بين المفهومين وإحالة كل منهما الى الاخر تقريباً، اعني، لكن هل العولمة هي الامركة ؟ يجيب الدكتور غليون عن هذا السؤال بعد رفعه الى منزلة اخرى، تكون صيغتها:هل يؤدي الانفتاح المتبادل للفضاءات الاقتصادية والثقافية والاعلامية الى الامركة أو السيطرة الاحادية للولايات المتحدة، ام يقود بالعكس الى تطوير وتعميق التعددية الحضارية والثقافية والسياسية ؟
يقول غليون، مجيباً عن تساؤله بعد التقديم له بموضوعة التثاقف والاستلاب الثقافي بين الامم، ان الامركة ليست ثمرة للعولمة ولكنها احد اركانها. اذ ان العولمة ليست نظاماً عالمياً نشأ نتيجة تفاعل طبيعي للثقافات العالمية، بل هي نظام جديد من العلاقات بالثقافات، نشأ في سياق من التكتلات الرأسمالية الكبرى على الهيمنة العالمية، . العولمة اذن يقول غليون- تعني بالضرورة الامركة، اذا فهمنا من الامركة، ارجحية المساهمة الامريكية في الانتاج الثقافي والمادي والمعنوي الذي ملأ وسيملأ الفضاء العالمي الجديد الذي انشأته ثورة المعلومات، لكن لا اذا فهمنا من الامركة، تحويل ثقافات الشعوب والطبقات جميعاً الى ثقافة امريكية او تعميم القيم الامريكية على جميع الشعوب، ، ومن اجل فهم المسألة الثقافية بصيغتها الاكثر حقيقة وثباتاً، يقدم الدكتور غليون في نهاية الفقرة هذه اربعة قوانين لعلاقة الثقافة بالمجتمعات، هن: اولاً، لايمكن توجد جماعة مستقلة، اي ذات ارادة ووعي مستقلين، ينجم عنهما ممارسة تاريخية مستقلة ايضاً، من دون ثقافة مميزة، فاذا فقدت الجماعة تميزها الثقافي فقدت هويتها كجماعة مستقلة. اما القانون الثاني فهو، لاتوجد ثقافة مستقلة كلياً عن الثقافات الخرى. اما القانون الثالث فهو:ان الثقافة المسيطرة لا تمثل موقعها امتفوق بسبب تفوق منظومات قيمها الاخلاقية او الدينية او الفنية، ولكن لأنها ثقافة المجتمعات المسيطرة، انها نتيجة للسيطرة المادية التي اثبتت استمراريتها النسبية، سواء أكانت عسكرية او اقتصادية او سياسية او جميعها معاً، اما القانون الرابع فهو، ان السيطرة الثقافية لا تعني بالضرورة، سلب الثقافات الاخرى إتساقها الداخلي وقدراتها الابداعية، فبامكان الثقافات، بلورة استراتيجيات فعالة للحد من هذه السيطرة والالتفاف عليها او التعامل معها بطريقة تسمح لها بالاستمرار في البقاء والصراع والمشاركة في الابداعات الحضارية.

&
ثقافة العولمة
في إجابته عن السؤال: هل نحن في اتجاه ثقافة عالمية واحدة تخضع للتمايز في داخلها، بين ثقافة شعبية وثقافة طبقة سائدة نخبوية، ام في اتجاه صراع بين ثقافة نخبوية مسيطرة مرتبطة بسيرورة العولمة وثقافات وطنية محتفظة بديناميتها ومستمرة في مقاومة ثقافة العولمة ؟ يجيب غليون بمنطق التوازن ذاته، نحن في اعتقادي بصددعمليتين متوازنتين، تتبع الاولى خط نشوء ثقافة عالمية تشكل الموارد المشتركة للنخبة الدولية، وتتبع العملية الثانية خط التمايز بين ثقافة العولمة، والثقافات المحلية والاقليمية التي سوف تفقد طابعها الوطني او القومي، الامر الذي يعرضها للانحلال الداخلي والتفتت دون ان يعني الانحلال هذا القضاء على هذه الثقافات ولكنه يشكل مرحلة اولى على طريق اعادة تركب هذه الثقافات من افق العولمة او من افق الرد على تحديات العولمة وثقافتها الخاصة، وسوف تتخذ المعركة بين هاتين الثقافتين إتجاهين اساسيين:الاول منهما هو تاكيد استقلالية الثقافات الاقليمية عن الثقافة المعولمة والثقافات الكبرى، وهو ما يمثّله الرفض لمبدأ الهيمنة، والاتجاه الثاني هو إثبات اصالتها، اي قدرتها على ابداع حلول مختلفة وناجعة للمجتمعات المرتبطة بها، الامر الذي يعني في نهايته، ان هناك تحديدين يواجهان الثقافات المسيطر عليها، الاول هو تحدي الاستسلام والتسليم الذي يؤدي الى التفكك والانحلال، والثاني هو البقاء في مستوى الرفض والاحتجاج وبالتالي التحول حتماً الى ثقافة مضادة لثقافة العولمة، وهذا هو النمط الذي تبنته ثقافة العالم العربي ممثلة بردها الاحتجاجي على صعود ثقافة الهيمنة والعولمة التي تهمشنا او تهددثقافتنا وتخفضها الى مستوى الثقافات الاتنية غير الفاعلة حضارياً.

التعامل الناجع مع العولمة
بما يشبه البيان السياسي والخلاصة الاخيرة المقدمة من موقع مسؤولية المثقف الملتزم، يقدم الدكتور غليون الفصل الاخير من فهمه لثقافة العولمة، قائلاً بضرورة التخلي عن المواقف الدفاعية التقليدية لصالح مواقف ٍ تقوم على الثقة بالنفس وبالمستقبل، تهدف الى تعديل النظام العام الذي نعيش فيه وتطوير التعاون الجماعي، وهذا يستدعي ان نعترف بقصورنا الأجتماعي والانطلاق من هذا القصور نفسه من اجل احتلال مواقع العالمية وكسر آليات التبعية نحو المشاركة الفعلية في الجهود الحضارية. ان موقف رفض السيطرة الثقافية والكشف عن آليات التبعية وتشديد الصراع ضدها هو المنبع الرئيسي لإرادة الاستقلال والمشاركة الحضارية وان اساس وشرط تحررنا وتحولنا هو الابتعاد قليلاً عن انفسنا والتجرؤ عليها، وان الدفاع عن هويتنا لا يتحقق من خلال الحفاظ عليها كما هي، اي عن هوية الماضي، ولكن من خلال إعادة بنائها من افق المستقبل وفي اطار العولمة او الثورة العلمية التقنية، اي بناء العالمية فيها ثم اخيراً العمل على اعادة بناء العالمية من افق التعددية الثقافية.
&
ينشر بالاتفاق مع جريدة "الصباح" البغدادية
التي يرأس تحريرها الاستاذ اسماعيل زاير