"إيلاف"من جدة :&أنقرض القديسون في المجتمع الانساني، فهاهم يختفون من النسيج الاجتماعي الحديث واحدا تلو الآخر. وحتى اذا كانوا موجودين فان وسائل الاعلام تلاحقهم، لكي تصادر في النهاية ما يفترض أن يتمتعوا به من حضور عام.
في الآونة الأخيرة مثلا ظهر ثلاثة قديسين في حلقات متفرقة من برامج قناة السي.بي.اس. وقد كان ظهور تلك الشخصيات سبقا اعلاميا في حد ذاته بالنسبة لمن تعنيهم ظاهرة القداسة في هذا القرن. وللواقع فالمجتمع الأمريكي من قبل هذا القرن كان مثخنا في جزء من أدبياته الشعبية بحكايات لأشخاص عاديين أصبحو بسبب معاناة في حياتهم قديسين.
وبشكل أو آخر دأب المجتمع الأمريكي عبر أدبيات متواترة في ثقافته الاجتماعية منذ اوائل القرن التاسع عشر أن ينظر الى اولئك القديسين على أنهم معادلا روحيا يدخل في نسيج أعمال أدبية تركها الروائي الأمريكي هوارشيو الجير منذ ذلك القرن.
وفيما يبدو يحاول الروائي الأمريكي هنري جرنوالد، عبر روايته الحالية الموسومة بعنوان (القديسة) استعادة تلك الروح باستنساخ ذاكرة القرن التاسع عشر ولكن في اطار روائي بالغ التعقيد، وذلك باتكائه على روحانيات أوردها الجير في أعماله الأدبية.
يلجأ هنري جرنوالد الى اضبارة التاريخ، حيث تقوم رواية القديسة على أنقاض قصة تارخية حقيقية حدثت في فرنسا عام 1594 . ففي تلك السنة وصلت الى باريس شابة غامضة اسمها نيكول تافرنييه وسرعان ما حققت ياستخدامها خوارق روحانية شهرة واسعة. وفي بحر أسابيع قلائل من مجيئها الى باريس ألتقطها أرستقراطيون فرنسيون وصار مريدون يتقربون منها والتقت بشخصيات كنسية رفيعة المستوى في حينه واستطاعت من خلال توظيف هذه المكتسبات تأسيس جمعية دينية تعنى بعلاج الأمراض.
كانت رواية هنري حول القديسة تثير اسئلة متواترة وثيقة الصلة بالقداسة الانسانية والموقف الفكري حيال هذه القداسة في التراث الأمريكي واوربا على مدى خمسة قرون من التاريخ.
وكانت اولوية السؤال تتركز أولا وقبل كل شيئ على ضرورة الاجابة بمنتهى الدقة حول من هي تلك المرأة على وجه التحديد، ففي احداث تاريخية حقيقة ذات علاقة بالموقف الوثائقي لهذه القصة تؤكد مؤشرات أنه لا أحد يعرف شيئا عن نيكول في تلك المرحلة التاريخية قبل انتقالها الى باريس للتبشير بمواعظ انجيلية، اضافة الى ضلوعها في نبؤات مستقبلية، هذا عدا ادعاءاتها بتسخير قوى ملائكية للسفر من باريس الى مدينة تور ذهابا ومجيئا.
لكن السؤال الأكثر اثارة والأهم هل كانت تتوافر لدى نيكول كرامات الهية من عدمه. واذا لم تكن ما تتمتع به من أسانيد روحانية هي من عند الله، فهل يمكن أن حضورها كان مسكونا بقوى خيالية ذات زخم شيطاني.
ولكن اذا ما استعرضنا الملف الفكري للمؤلف الأمريكي نفسه يتضح لنا أنه لا توجد لدى هنري اهتمامات دينية، فهو مثلا لا ينافش خيارات التلاعب لحدس الاستبطان السيكولوجي أو أية رؤى اجتماعية تعكس الوعي الجماعي بالدين.
لقد كان اهتمام المؤلف يعكس مالذي يحث الناس على الايمان بالقداسة في نسختها الانسانية العادية المجردة وبالطرف المقابل ما هي العوامل التي تجعل الرغبة الايمانية بمثل هذه القصص تفشل في نقل مضمونها الروحي الى الاخرين.
ومن هنا يقدم المؤلف العالم الروحاني للقديسة نيكول في ثلاثة افتراضات يشتقها من الاهتمام الانساني الذي واكب التاريخ الشخصي لحياتها في باريس.
أنه يقدم القديسة نيكول ولكن ليس في نفس السياق التاريخي الذي الهب العاطفة الايمانية للمجتمع الأمريكي ابان القرن التاسع عشر. ولذلك فهو يقدمها على ثلاثة مراحل صرقة، فهناك مثلا طائفة المريدين الذين حالوا استمالة نيكول باعتقاد جارف أن لمسات هذه القديسة تمنحهم حياة موفقة سلسة. وهناك شريحة البورجوازيين الاثرياء ممن عرفوا نيكول فجاءوا اليها بعروض حياة كريمة شريطة أن تبقى الى جوارهم. وهناك أيضا شخصيات تصنع القرار لم تكن لديهم الكرامات وأعمال الايمان بأكثر من شأن سياسي، وهكذا يقدم الينا المؤلف الأمريكي الملك هنري الرابع، ملك فرنسا وقتئذ، وهو يمنح القديسة نيكول بعضا من اهتماماته الملكية السخية.
وحتى الطبيب الشكوكي لبلاط الارستقراطيين آنذاك فقد طالته الدهشة وهو يرى الرعاع يمنحون ثقة اجتماعية وولاءا روحيا منقطع النظير للقديسة نيكول مع سابق ايمانه أو حتى شكوكه أن نيكول في حالة كونها ساحرة، فلن تتمكن من خداع الجماهير بنفس مستوى اللباقة الروحية على المدى الطويل...