&سعيد لحدو
&
&
وصف مستشار وزير الإعلام السوري عبر إحدى الفضائيات العربية تعليقاً على أحداث القامشلي القضية بأنها مجرد حادث وليست حدثاً، متعمداً تشبيه الأحداث بمجرد مشاغبات بين مشجعي فريقين رياضيين، قد تحدث في أي مكان!! ومضيفاً بأن الجميع هناك عرب، والأكراد أيضاً عرب..؟؟
لاشك أن هذا المسئول السوري "المرخص له رسمياً بالتصريح" يمثل النموذج الحقيقي للعقلية البعثية المتزمتة تحت شعار "القومية العربية" ليس إلا. هذا النمط التفكيري الذي ساد في سورية منذ انقلاب حزب البعث وتسلمه السلطة عام 1963 وما زال عند شريحة معينة من أنصاره المتحمسين، وبخاصة أولئك المتنفذين والمستفيدين من الوضع الراهن ومحاولة إبقاء الأمور على حالها ما أمكن.
فابتداءً بمرحلة الطفولة، (تنظيم طلائع البعث) إلى مرحلة الشباب، (إتحاد شبيبة الثورة)، مروراً بمرحلة البلوغ، (الاتحادات الطلابية في الجامعات والمعاهد، والنقابات المهنية في مختلف جوانب الحياة، والتي كلها ردائف بصورة أو بأخرى لحزب البعث، وانتهاءً بالجيش العقائدي)، جرت صياغة منهجية لفكر معين على غرار النهج الشيوعي السابق بأسلوب استهلك وأفرغ من مضمونه من كثرة ترديد الشعارات التي لم تعد تعني للمواطن العادي أكثر من جعجعة وجعيراً تؤخر ولا تقدم. في ظل هذا الواقع المتجمد منذ عقود... وإن تحرك فإلى الوراء، تتسارع التغيرات العالمية بوتيرة مذهلة حتى لم يعد بإمكان أي متبلد تجاهلها، أو إدارة ظهره لها.... باستثناء النظام البعثي في سورية، الذي يتظاهر أحياناً وتحت ضغط الظروف المستجدة بإرادة التغيير تحت مسميات عدة،في حين أنه يتراجع بسرعة عند أول تجربة ممارسة حقيقية للتغيير ليحتل مواقعه السابقة التي دأب على احتلالها منذ الستينات. والتصريح الأخير للسيد مستشار وزير الإعلام وبعض الأبواق الإعلامية الأخرى للسلطة خير تعبير عن هذه الحال.
لقد فشل كل المخططون وأصحاب العقول الرسميون من حملة شهادات الدكتوراة المشتراة من قوت الشعب ودمه من جامعات الدول الاشتراكية السابقة بمنح رسمية للمحبيين والمقربين من رجالات السلطة في إدراك حقيقة إن كان ذلك حادثة أم حدث.
فالأكراد في سورية مثلهم كالأثنيات الأخرى في سورية من سريان آشوريين وأرمن وغيرهم ليسوا مجرد مشجعين لفريق رياضي، وإنما هم شرائح هامة وأساسية في نسيج المجتمع السوري. وباعتبارهم أثنيات متمايزة سواء كانوا أكراداً أو غيرهم، فتلك هي حقيقتهم التي لم يكن لهم الخيار في صنعها... فهم بالتأكيد ليسوا عرباً كما أَُريد وُيراد لهم ولغيرهم أن يكونوا من قبل "العروبيين" الذين لم يقدموا للعروبة رغم العقود الطويلة من حكمهم ما يمكن أن يفخر به العرب.
فالكرد والكردية كما السريانية والأرمنية ليست بالضرورة إساءة لسورية كوطن وللعروبة كقومية. وإنما هي إغناء وتفعيل لها إذا أحسن التعامل معها. فالإساءة والخطر الكبير يأتيان من طريقة التعامل الشوفينية مع هذه الفئات واعتبارها هامشية أو التنكر الكلي لها كمكونات أساسية في نسيج المجتمع السوري ككل. والذي جرى ويجري حتى الآن هو تكفير وتخوين أية فئة لا تريد أو لا تحاول أن تنتمي إلى العروبة "بمفهومها الضيق" طوعاً أو كرهاً. وعلى هذا الأساس ما زال الرسميون في سورية يجرون تقييمهم لأحداث القامشلي دافنين رؤوسهم في ركامات الآلاف المؤلفة من الأطنان من أدبيات ومنشورات حزب البعث لأكثر من أربعين عاماً، دون أن يحاولوا ولو للحظة فتح أعينهم على الواقع ومحاولة فهم ما يجري بعقل متفتح وروح مسئولة وذهن مستعد لسماع الآخر والتحاور معه لما فيه خير ومصلحة الوطن والجميع.
إن أسلوب العنف في المطالبة أو المعالجة لأية مشكلة لابد أن يقود إلى عنف مضاد من الطرف الآخر... وهذا يشجع قوى التطرف في الجانبين على التمادي واستقطاب أنصار جدد، مما يؤدي إلى تعميق المشكلة وتأجيجها أكثر عوضاً عن البحث المشترك لإيجاد الحلول المناسبة لها. وما يحصل حالياً على الساحة يقود إلى هذا الاتجاه أكثر مما يؤدي إلى تهدئة الوضع وطرح بدائل عقلانية للحوار الجاد للبحث عن حل عملي يضمن حقوق الجميع على أسس ديمقراطية سليمة دون المساس بالمبادىء الوطنية الثابتة التي يجب أن تبقى من المسلمات البديهية لدى كل الفئات. وهذا بالتأكيد يكون عبر الاعتراف المتبادل بحق الوجود والتعايش الأخوي السلمي وممارسة كل الحقوق القومية والإنسانية لكل الفئات والأفراد التي يتشكل منها المجتمع السوري، وصياغتها في دستور حضاري جديد يقوم على أسس الحرية والعدالة والمساواة للجميع في إطار وطن واحد ومجتمع ديمقراطي عصري متحضر.
إن مصادرة حق الآخرين في الوجود هل يمكن أن يقابل بغير رد فعل مماثل؟ وهل استعمال قوى الجيش والأمن هو الحل الأمثل والأنسب الذي يصب في مصلحة الوطن؟ وهل هو إلا تلبية غريزية لنزعة التسلط لدى فئة أدمنت على التسلط والانتفاع بخيرات الوطن دون غيرها. وهي بلا شك فئة متعالية ومتغطرسة ومعزولة عن الشارع السوري بكل شرائحه وفئاته التي تجد مصلحتها الحقيقية في التغيير والديمقراطية وليس الإمعان والتمادي في استخدام قوى الجيش وأجهزة الأمن المتورمة ضد إرادة شعب لم يعد بإمكانه الصبر أكثر أو تحمل المزيد.
لا أريد أن يفهم من هذا وكأنني أبارك أعمال التخريب والحرق لمرافق عامة من قبل فئة أعمتها البصيرة وفقدت الاتجاه الصحيح الذي يمكن أن تنفس به عن غضبها المزمن من الوضع المزري الذي كانت وما زالت تعيشه أو أن أسوق تبريراً لتلك الأعمال التي تنم عن غريزة همجية وحس وطني غير سليم. فإن تلك الأعمال التخريبية لا تلحق ضرراً إلا بالشعب نفسه الذي لا بد أن يدفع مرة أخرى من دمه وعرقه لإعادة بناء ما دمر. لكنني أردت إيضاح أن استخدام القوة ضد جماهير أرادت أن ترفع صوتها ضد الظلم والقهر وإن بطريقة غير حضارية قد يؤجل المشكلة إلى حين ولكنه بالتأكيد لن يلغيها أو يحلها بل سيعمل على تأجيجها أكثر، وهذا ما لا نتمناه. إن أعمال العنف التي حدثت من قبل الجماهير الكردية الغاضبة ضد الأملاك العامة و مصالح حكومية أخرى والتي تستحق الإدانة والشجب بكل معنى الكلمة، مع تفهمنا لها كرد فعل لسقوط ضحايا برصاص قوى الأمن مما يؤسف له أشد الأسف فإنها في الوقت ذاته نذير ومؤشر إلى ما يمكن أن تصل إليه الأمور إن لم يفسح المجال للتعقل والحكمة والتروي في معالجة الأمور معالجة هادئة وسلمية.
إن المطلوب هنا وفي هذه الحال هو الحل السياسي وليس العسكري. وما تشكيل لجان أمنية وعسكرية في منطقة الجزيرة عوضاً عن تشكيل لجان سياسية على مستوى القيادة وإرسالها إلى الجزيرة لمعالجة القضية سياسياً ووضع الحلول المناسبة لها إلا تجاهلاً متعمداً لحقيقة المشكلة التي نرجوا ألا ينطبق عليهم قول الشاعر العربي لتكون المصيبة أعظم.
إلى هذا الحد يمكننا القول أن القضية، في هذا الحدث بالذات، هي بين الأكراد والسلطة السورية. ولكن هل بقيت كذلك..؟ أو هل هي فعلاً كذلك..؟
إن دخول عنصر جديد في أحداث القامشلي، وهي العشائر العربية أو بعضها، أزاد المشكلة خطورة وتعقيداً دون شك. فالعشائر العربية التي ينتمي معظم أفرادها إلى حزب البعث، جرى تحريضها تصريحاً أو تلميحاً من قبل السلطات لمواجهة "الخطر الكردي" بحسب المنظور البعثي. مما أوقع عدداً آخر من الضحايا، مما نأسف له مرة أخرى شديد الأسف، وهدد بحرب أهلية بين العرب والأكراد. وبالطبع ما زال الخطر قائماً إن لم يُحسن التعامل بحس وطني سليم مع القضية. ويجدر هنا الإشارة إلى الدور المشرف الذي قام به السريان والمنظمة الآثورية الديمقراطية في تهدئة الطرفين ولعب دور الوسيط ومحاولة معالجة المشكلة بالحوار والتفاهم مع الأطراف المعتدلة والمتسمة بالحكمة والاتزان، وهي موجودة حقيقة.... ولي شخصياً تجربة واقعية معهم سابقاً في هذا المجال، وذلك لقطع الطريق على المتطرفين الذين يريدون دفع الأمور إلى أقصى مداها بغية تأجيج الوضع برمته، مراهنين في هذه الحالة على استقطاب قوى أخرى وإدخالها في الصراع. على غرار ما جرى في العراق. وهذا ما نرى فيه الخطر الأكبر ليس على فئة معينة من المجتمع السوري المتعدد الأعراق واللغات والمذاهب، وإنما على كامل المجتمع ومستقبله ووحدته التي يجب أن تبقى مقدسة في نظر الجميع ولمصلحة الجميع. إن رفع العلم الأمريكي في بعض المظاهرات التي جرت في أوربا هو إهانة مباشرة للشعب السوري بكل فئاته، وإن بعض التصريحات التي صدرت من بعض الأكراد المتطرفين أقل ما يقال فيها أنها مرفوضة وغير مسئولة وما هي إلا أحد مظاهر هذا التطرف الذي تغذيه السلطات السورية حين تصر على القمع، مما يعطي الانطباع وكأن الشعب السوري غير قادر على التغيير إلا بطلب الدعم من قوى خارجية. وهو مبدأ مرفوض جملة وتفصيلاً.
إن سورية اليوم على مفترق حاسم، حيث سيكون لخيارها القادم تأثير كبير على مستقبلها وأمنها. وإن مهمة السلطة السورية اليوم أن تعي واجباتها وتتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها عل اختلاف انتماءاتهم العرقية والسياسية والمذهبية، وأن تترفع عن المصالح الفئوية الضيقة لتكون لكل الوطن على اتساعه، ولكل المواطنين على اختلافهم وتنوعهم. ليس فقط بالتصريحات الطنانة التي اعتدنا عليها طوال العقود الأربعة الماضية، وإنما بموقف عملي جريء وواضح يكون على مستوى الحدث وأهميته. وتفويت الفرصة على كل من يريد أن يتلاعب بأمن سورية ومستقبلها كوطن يتفاخر المواطن بالانتماء إليه، أياً كانت قوميته أو دينه أو توجهه السياسي. ذلك ما يتطلع إليه المواطن السوري اليوم بتلهف شديد، وهو ما سوف يتحقق إن عاجلاً أم آجلاً. وكلما أسرعت السلطة في إصلاح ذاتها وتغيير نهجها القديم الذي فاته الزمن وتجاوزته الأحداث والتطورات، كلما كان المستقبل أكثر أمناً والوطن أشد منعة واستقراراً وتماسكاً. وبالتالي أشد قدرة على مواجهة التحديات المصيرية برغبة واندفاع جميع أبنائه.

هولندا