بحثا عن حريته وذاكرته العراقية طوي المثقف العراقي الأكاديمي كامل شياع صفحة منفى مرفه كان يعيشه في بلجيكا ليعود إلى منفى داخلي اسمه العراق مجهول المستقبل.و بالرغم من خطورة خطوته، إذ أن الأمر لم يكن نزهة ولا مغامرة ولا حماس رومانتيكي وإنما شعر بأنه مدعو لرحلة نحو المجهول، وبالتأكيد فان هذا هو سر انجذابه للعودة إلى هذا المستقبل الأخطبوطي.


فالقضية بالنسبة إلى مثقف ومفكر وصاحب مشروع مثله تعني الحياة والموت، وتعني التماس مع هذا المجهول الذي لا يكون تماسا آمنا في كل الاحتمالات إلا أنه يمكن أن ( يُشبع الرغبة في الوجود والفعل والانغمار.)أي الرغبة في الحياة.


هل يمكن أن يكون ثمن هذا الوجود والانغمار في الحياة هو الموت؟ ام أن خوف القاتل من الحياة المليئة بالإبداع وحب الآخر والتي دعى لها كامل شياع، هو الذي دفعه ليوجه رصاصته الخائفة والغادرة. هل أن القاتل الآن مازال مرتبكا وخائفا وان مموله مازال جالسا ويحكم منصبه أو كرسيه الوزاري والبرلماني بأسنانه؟.


والعراق المجهول هو الذي دفع كامل أن يفكر بان وجوده في المنفى المرفه يجعله إنسانا يعيش غربة قاتلة،ولذلك فان جزءا من مشروعه هو البحث عن هذا العراق المجهول حتى وان كان وسط الألغام. وهذه الحقيقة تُـلغي السؤال الذي سأله الكثيرون: لماذا عاد إلى المجزرة العراقية؟

بالتأكيد عاد لأنه صاحب مشروع عراقي كان يحلم بتحقيقه، وأيضا يريد أن ُيغني تجربته الحياتية بأسئلة جديدة في محيط جديد مجهول بعد أن استنفذ تجربة المنفى، لأنه من الرجال القلائل الذين ينظرون الموت بهدوء ولا مبالاة،فالموت وشيك وعبثي ولكن لا بد أن يخشاه فهو يعشعش في كل زاوية من زوايا العراق. و كامل لا يستطيع أن يوقف هذا الموت العبثي والمجاني في الحياة العراقية اليومية، لذلك فهو يمتلك القدرة على الحب والبكاء سرا (كم بكيت في سري حزناً على مشاهد الدماء المسفوكة في كل مكان) هكذا كان يقول. أيها السيد هل يمكن أن تواجه قاتلك بالحب والغفران؟؟ إذن من أي معدن أنت و الرجال أمثالك؟.


عاد لأنه شعر أيضا بان مهمته ألان هي أن يساهم بصناعة التاريخ الجزئي والخطر في وطنه عسى ان يتشكل هذا التاريخ ويتحول إلى مستقبل عراقي جديد، ( ما حدث في العراق حدّد اختياراتي ومصيري. ولئن وقفت بعيداً عن زمن الوطن المجنون، فقد أنشأت معه علاقة ضدية ولّدتْ كل ما له معنى في حياتي.)
وهذا الطموح هو بالتأكيد( ثمن الاقتراب من التاريخ كمادة حية، كحالة هشة في طورالتشكل ) وإحدى مهمات المفكر الموضوعي والمثقف المتفاعل هي المساهمة في تشكيل هذا التاريخ المستقبلي.
عاد كامل شياع من بلجيكا لان مشروعه مرتبط بالجماعة...( ldquo;عدتُ إلى العراق بعدما اكتشفت أن مشروعي في السياسة والثقافة مرتبط بالجماعة، فلا فعل ولا حضور من دون مشاركة وتضامنquot;.) بالرغم من أن أشباح المنفى ستلازمه في وطنه كما لازمته أشباح الوطن في منفاه.
ولهذا فانه يتساءل عن ( أي أوجاع سرية يورثها المنفى،و أي شفاء يحمله الوطن؟ )، ألا ترون معي بان قتله فيه الكثير من السخرية العراقية الفجة والقاتلة، فهو يفكر بالوطن كشفاء له، وقتلته يغارون منه فيفكرون بالغاءه.
ولهذا فان سبب العودة كان أيضا من أجل إعادة حميمية ( العلاقة مع الوطن كمجموعة من البشر، والتقاليد، الأمكنة...وكفضاء من ضوء وهواء، من فوضى وخراب وألم.) ولان حلم الحرية لدى العراقيين كبير منذ اجدادنا الأوائل ( السومريون ) وحتى الآن ولا بد أن يساهم به هو المثقف، إذن مشكلة كامل شياع كانت هي البحث عن الحرية أيضا، الحرية المرتبطة بالوجود الديناميكي المبدع الذي يغير الحياة والتاريخ.
هل خاف قاتله من قدرة كامل شياع في التفكير بحريته؟؟
عاد المثقف العصامي ولكنه في ذات الوقت اقترب من قاتله الهلامي، فلم يعرف احدهما الآخر بالرغم من سلبه لحياة الضحية. لكن بالتأكيد ما جذب القاتل المأجور هو السحر والهالة التي تحيط هذا المثقف الصامت والديناميكي في ذات الوقت.
عاد لانه لم يعد يفهم الحياة وما يحيطه إلا من خلال تحقيق مشروعه التنويري حتى وان تطلب الأمر المعايشة وسط شعب تتآكله الطائفية وأولوية المصالح الذاتية الضيقة والسياسة التي تتحول فيه إلى بزنس،ووسط العديد من قادة أحزاب هم اقرب إلى السماسرة ( والقجقجية ) ولن يوقفهم أي رادع عن المتاجرة بدماء الشعب العراقي. ولكن موقف كامل المثقف المتفاعل لا بد أن يحقق تفاعله مع العراق الجريح حتى وان تطلب العيش وسط في وطن تكون فيه راية الإرهاب والقتل في الشوارع هي الشعار المفضل باسم الوطن والقومية والدين. هل قـُـتل هذا المثقف لأنه ضد البزنس السياسي الذي يتاجر به الكثيرين؟ هل ما زال العراق يلتهم علماءه ومثقفيه ومبدعيه؟؟.

وعندما حاول كامل شياع كعراقي أصيل التأشير على كل هذا ورفضه،لا بد أن يقتل،وانأ متأكد بان منفذ الجريمة لا يعرفه ولا يعرف شيئا عنه أو عن مشروعه لأنه وبكل بساطة قاتل مأجور...، إلا أن الممول سواء كان حزبا عراقيا أو مؤسسة أو دولة جوار أو منظمة أصولية أو من بقايا النظام السابق، يعرفون كامل جيدا لأنه كان يشكل خطورة عليهم بمشروعه الثقافي والفكري التنويري
و يفكر بمستقبل العراق بكل نزاهة وتضحية، وهذا لا يتناسب مع مشروع الفكر الإرهابي الذي يعتمد على الفساد والعنف والنسيان أو السهو المتعمد واستغلال الدين من اجل الكذب على الحقيقة.
ولأن مشروع كامل شياع له علاقة بالمستقبل ولا يمكن أن يسمح لنفسه كمثقف المساومة على مستقبل هذا العراق المجهول، إذن لابد أن يصمت بكاتم الصوت.إذن جوهر الصراع هو صراع بين الظلامية والتنوير، وهذه هي عظمة القضية التي تتطلب التضحية وخداع الموت العبثي ـ الوشيك.

حوار القاتل والمقتول

كان القاتل يتلذذ بمراقبة كامل شياع عن بُعد ويبتسم في سره، يفرح لان هذا المثقف يرفض أن تكون له حراسه فهو في وطنه فكيف يخاف من وجوده في هذا الوطن. ولكن لا بد أن التقت عيناهما في يوم ما ولم ينتبه كامل لذلك مادامت مشاغله كمستشار في وزارة الثقافة كثيرة. وعندما اقترب القاتل منه كان يتلذذ أن ينظره نظرته الأخيرة، و من الممكن انه القى عليه التحية فلم يستطع كامل أن يردها لان الطلقة اخترقت جسده.
اختفى القاتل في وكره وجلس هادئا، دمعت عيناه لا حزنا وإنما من مرض التراخوما القديم، ظهر له شبح كامل شياع ومد يده بمنديل، ارتعب القاتل وخاف واخذ منديل كامل الأبيض، وقبل أن يمسح عينيه..
قال القاتل: الآن فهمت لماذا طلبوا مني ودفعوا لي أن أقتلك.
كامل: لماذا؟. هل تعرفني؟
القاتل: كلا.. لكن أنت تريد بمشروعك أن تلغي الفوضى والظلام وتدعوا إلى مشروعك العراقي التنويري الذي لا يناسبنا، هذا كثير.
كامل: هل هذا سبب كاف لقتلي؟
القاتل: أنا لا امتلك القدرة على التفكير مثلك.لماذا لا استطيع. انك تشكل خطورة على مستقبلي أليس كذلك؟
كامل: يضحك بدماثته المعروفة.
القاتل: قل لي هل كنت على حق بقتلك؟.
كامل شياع مستمرا بضحكته الصاخبة وهو ينظر قاتله في بؤبؤ العين، يختفي بعيدا ويخرج من الحائط الذي أمامه وهو يسمع صراخ القاتل.
القاتل: اجب هل كنت على حق بقتلك؟. لماذا لا تجيب؟ لماذا.. لماذا، أين اختفيت.
تكرر صراخه حتى تحول إلى صدى.
إذا كان كامل شياع يمتلك كل هذا الوعي فكيف يتحمله البرابرة الذين كلما جاءوا يكون الموت حاضرا في كل مكان.
إذن لابد أن يصمت كامل شياع العراقي النبيل صاحب الصوت الشجاع الذي تربى وسط محيط من التضحيات المتفردة والمشهود لها في تاريخ العراق، فعّـلمه هذا التاريخ الكثير منذ انتماءه لحزبه، لكن وبالرغم من هذا فأن كامل شياع هو مفكر عراقي قبل كل شئ. انه مثالنا، لذلك فهم لن يتحملوننا نحن أيضا، لن يتحملوننا مادمنا نفكر ولدينا مشروعنا الثقافي العراقي الذي يؤسس لعراق ديمقراطي برلماني متعدد وعلماني متحضر ومعاصر يساهم فيه جميع العراقيين بعيدا عن المحاصصة والطائفية، وبما أن هذا هو مشروعنا المستقبلي فأنهم يترصدونا بعيونهم الصفراء وقتلتهم الذين يتنزهون وسط بركة من دماء العراقيين.
ولكن هل يمكن أن تتحول مقتلة إنسان مثل كامل شياع مبادرة لحماية الإنسان العراقي من قتلته،لأن كامل كان يرفض ان يكون موته عبثيا و يفضل أن يكون دمه ودم جميع الشهداء شارة تتحول إلى فعل جدي لحمايةالعراق و المثقف العراقي، هل يمكن أن تتحول إلى دستور أمان تلتزم به جميع الأحزاب وألا يسمح لبعضها التمادي لنشر الموت في الحياة العراقية حيث أصبحنا نعيش وسط مهزلة ساخرة أو كأننا نعيش أحداث فلم من أفلام المافيا السياسية.
وخلاصة القول لا أريد أن ارثيه وإنما استحضره معكم من خلال النص التالي الذي انثالت مشاعري به لحظة سماعي للجريمة أو مقتلة كامل شياع.


ساعة الصفر
( لم نودعك كما ينبغي )
كشبح يجوب المدن الخربة
الحقول البهية
و الفصول الهائمة،
ملتفتا نصف التفاتة إلى ماضيه
وساخرا من عصره.
شاهدته في ظهيرة الزمن
عابرا حدود الصفر عاري الجبين،
متوغلا في غابة برزخ الحياة والموت،
الحياة والحياة
الموت والموت
برزخ اللامبالاة
وأشياء العدم.

زمن الذئاب

أسرع، أسرع أسرع
شفيفا كالبحر،
غبار الطلع في عينيه،
ندى،
ربان البحار المنسية،
والسفن المحملة بالأحلام والزمرد،
فنارات لقداس البحر.
الحوريات يهمسن،
صدى لامرأة خضراء تغتسل بنور الفجر.
أسرع
أسرع حالما يُمتهن الظل،
سيكون شقاءك جنون العذارى.
أسرع،
أسرع،
مددت يدي نحو البحر.

أغنيـــــــــــــة

على ضفاف نهر آبد
تنتظر نخلة سامقة
أن يمر الغريق
طافيا
عاريا من الأشنات.

إكليل الصفصاف
على الجبين،
أحلام تتلألأ في عينيه،
فيطرد القمر
السمك التائه،
حتى يصغي الغريق،
لهمس أغنية مع الريح..
يانهر
دعني أيها النهر
أتم نشيدي
قبل حلمي الأخير.
يا نهر دعني....
نشيدي.......
حلمي......
يا نهر... أنكفأ القمر.


د.فاضل سوداني
[email protected]