دائماً وفي جميع الحقول: الذين يعرفون الحقيقة كثيرون، لكن أولئك الذين يدفعون ثمن قولها وتأكيدها قليلون.
هناك أيضاً من هم مستفيدون من إخفائها، أما أولئك الذين يستولون على الحقيقة بعد أن يكون غيرهم قد أكدها، مدعين ما ليس لهم، فهم الأكثر اجحافاً على الإطلاق.


لكن الأكثر جهلاً هم أولئك الذين يعتقدون أن بالإمكان تغيير الحقائق بالكلمات. أن هذا النمط الأخير أصبح سائداً بعد أن أصبح استسهال الكلام صفة عامة في الثقافة العربية، خصوصاً مع شيوع الفضائيات بسبب الطبيعة الموجّهة لهذه الوسيلة الإعلامية الخطيرة.
أن آخر ما تفعله الفضائيات العربية، بما فيها الفضائيات العراقية، هو قول الحقيقية. فهذه الأخيرة تُقال فقط عندما لا يعود ثمة ضرر من قولها، خاصة عندما تُصبح مشاعة ومعروفة.


أن كل هذا وغيره لم يحدث اعتباطاً، بل هو من صلب وطبيعة النسق الحضاري المنكفيء في المجتمعات العربية. وما الفضائيات وبرامجها إلا الفضيحة الأكثر وضوحاً لهذا النسق.

مساء الأثنين السابع من نيسان (أبريل) الجاري بثت قناة (الحرة أوربا) برنامجاً سياسياً بعنوان ( خمس سنوات على سقوط صدام حسين: سقط الديكتاتور، هل سقطت الديكتاتورية ؟ ). شارك في الندوة أربعة عراقيين هم ميسون الدملوجي وحيدر سعيد وزهير الجزائري وفالح عبد الجبار. أدار البرنامج محمد اليحيائي بطريقة معقولة، وأية مآخذ يمكن تسجيلها هنا لا علاقة لها بطريقة مقدم البرنامج، فهو لا يستطيع تقويل المشتركين غير ما يقولونه، رغم أنه أغدق على البعض صفات بحاجة إلى تدقيق.
يمكن اعتبار هذا البرنامج بشخوصه وآرائهم وطريقة تفكيرهم ونظرة كل منهم إلى نفسه وإلى الآخرين (( عيّـنةً )) على ما وصلت إليه الثقافة العراقية من مفارقات بعد خمس سنوات من سقوط الصنم..
مدير البرنامج أختار الأسماء الأربعة بصفتهم مثقفين يؤمنون بالديمقراطية، وهو أغدق على كل منهم صفة (مفكّر) واليحيائي نبه ميسون الدملوجي إلى كونها (تمثل الثقافة والسياسة معاً)!! أن أغداق صفة مفكّر ومحلل ستراتيجي.. الخ، لم تعد مهم بالنسبة للمشاهدين بسبب تكرارها المجاني من قبل الفضائيات العربية، ويبقى الأهم هو المصداقية، مصداقية المثقف أو السياسي بصفتهم مشتغلين بالشأن العام، والمصداقية تتأكد فقط بالنقاش وفحص نوعية الكلام ومقارنته بمواقف قائله.


أول ملاحظة ملفتة هي أن الأربعة - رغم المرارات التي يعيشها المجتمع العراقي الآن - تحدّثوا بفوقية، أي دون ملامسة الحقائق أو مناقشة الأزمات الراهنة ذات العلاقة المباشرة بموضوع الندوة، كي لا يتحملوا أية مسؤولية يمكن أن تُلحق أضرارا بمصالحهم الشخصية. وإذا استثنينا بعض التعميمات، لم يتحدث أحد عن الظاهرة الأخطر وهي (تكاثر الديكتاتور) أي تحوله من واحد إلى أكثر من عشرين ديكتاتورا يحكمون الطوائف والمحافظات والمناطق ويسيطرون على المواطنين بالرشاشات. لم يتحدث أحد عن النتائج التي رافقت تكاثر الديكتاتور، كالفساد والإفساد الذي يضرب المجتمع والدولة طولاً وعرضاً ؟ ولا لماذا أصبح العراق دولة فاشلة؟ لم يتطرق أحد لظاهرة الشهادات المزورة التي أسسها عبد حمود وعدي وصدام نفسه، وأصبحت شائعة في العراق الجديد ؟ لم يتطرق أحد لما دار ويدور في البصرة ومدينة الصدر وإصرار (جيش المهدي) ومن ورائه الأجهزة الإيرانية على تدمير ما تبقى من العراق !! ولم يتطرق أحد على دور الاحتلال الأمريكي المباشر وغير المباشر في كل ذلك، وخصوصاً في منع الجيش العراقي من التسلح الذي يتيح له المساهمة بحفظ الأمن الداخلي والحدود. وكل هذه قضايا لها علاقة مباشرة باستمرار الصدامية والصنمية وما هو أسوأ منهما، لكن لا أحد من المفكرين الأربعة تطرق لمثل هذه الحقائق، لأن إثارة مثل هذه القضايا قد يؤدي إلى دفع إثمان والمثقف العراقي، على ما يبدو، أصبح أكثر حذراً فيما يخص مصالحه الشخصية!!


لقد دار أغلب النقاش على انجازات المثقفين العراقيين في تحليل وفهم ما جرى ويجري خلال الأربعين سنة الماضية. لقد نفى أو استهان حيدر سعيد بوجود جهود فكرية مهمة بهذا الصدد، وربما كان تشخيصه صحيجاً بحدود معينة، غير أن ما فاته هو أن ظروف المجتمع العراقي ومثقفيه ضمناً لا تسمح ببروز ظواهر فكرية فاعلة ومؤثرة، فالمسألة لا تتعلق بالرغبة بل بالإمكانيات والمقومات. لكنَّ حيدر سعيد، من خلال ظهوره المتكرر على الفضائيات، يبدو واثقاً من تشخيصاته أكثر من اللازم أحياناً، وهذا ما يوقع المرء في مطبات ليست هينة، فهو بعد أن استهان بجهود الآخرين التي أشك أنه إطلع عليها كاملة، أستطردَ مؤكداً ما راح إليه بقوله ( لا يوجد تيار نقدي مثل مدرسة فرانكفورت التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية). قال ذلك بثقة تنطوي على شيء من الملل لشدة إفراطها، والواقع أن مقولته هذه تنطوي على مفارقات وأخطاء عديدة يكررها أكاديميون عراقيون شباب ظناً منهم بأن الشهادة الجامعية بذاتها تمنحهم صلاحيات فكرية لقول أي شيء يخطر في بالهم.


أن من يستغرب من عدم وجود (مدرسة فرانكفورت) بالعراق، كمن يتساءل: لماذا لم يظهر بيتهوفن في طنجة ؟ لقد فات على الأكاديمي أن (مدرسة فرانكفورت) لم تكن من نتاج مجموعة المفكرين التي اقترنت بأسمائهم، بل هي نتاج النسق الحضاري الغربي الممتد لأربعة قرون سالفة من الصراع الفكري الذي خاضته أجيال من الفلاسفة والمفكرين، بل أن أؤلئك الذين أقترنت مدرسة فرانكفورت بأسمائهم هم أنفسهم من نتاج ذلك النسق. ولم يكن بوسع تلك الظاهرة وأمثالها أن تظهر قبل لحظة ظهورها أو في مكان آخر غير الذي ظهرت فيه، فالظواهر الثقافية، سلبية كانت أم إيجابية، لا تتبلور إلا بعد أن تكتمل شروط ومقومات ظهورها داخل نسق معين. وعندما لا يُدرك الأكاديمي معنى النسق ودوره الأساسي في إنتاج الظواهر، فبأي معنى يحمل صفة (مفكر)؟!


أما السيدة ميسون الدملوجي فهي لا تقلّ ثقة بنفسها عن الدكتور سعيد، فقد ألقت بالأخطاء على بعضها دون رحمة بمشاعر المشاهدين !! أول نظرية أتحفتنا بها الدملوجي هي (كل السياسيين المشتركين بالعملية السياسية أصبحوا يؤمنون بالتبادل السلمي للسلطة) قالت ذلك دون وجل رغم أن دماء العراقيين وصلت إلى الركاب بسبب ميليشيات السياسيين المشاركين في العملية السياسية، ورغم أن هذه الأحزاب هي التي تقوم بتصفية كل من يعترض عليها مدنياً كان أم عسكرياً، وهي ذاتها التي تُدير شبكات الفساد المالي والسياسي، وهي التي زوّرت الأنتخابات بقدر ما أتاحت لها الظروف، وهي التي تتقاتل الآن لضمان حصتها في الانتخابات القادمة، وهي التي عيَّنت خريجي الأبتدائية بدرجة محافظ ووكيل وزير. وكل هذه الأعمال تندرج ضمن العنف السياسي والاقتصادي المخالف للقوانين، وهي تدل قطعاً أن هذه الأحزاب ما زالت خاضعة لثقافة الغنيمة وتحركها غريزة التسلط على الآخرين. ولم يكن وارداً بالنسبة لكل منها المشاركة بالانتخابات لو كانت الظروف تسمح لأيّ منها أن يقوم بانقلاب عسكري، وليس أدل على ذلك من أستمرار تطاحنها الدموي مستغلةً ظروف شباب العراق الصعبة بعد أن كرّست هي نفسها ظاهرة البطالة التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى أحضان الميليشيات الحزبية.


وبعد أن كرّست الدملوجي نفسها كسياسية، متناسيةً أن لا تاريخ سياسياً لها، ولم يكن معروفاً عنها أية مساهمات في معارضة الديكتاتورية، وأن وجودها في عالم السياسية مثل كثيرين غيرها، قد حدث بالصدفة، ومن خلال انعقاد مؤتمر (الديمقراطيين العراقيين المستقلين) بلندن وقبيل سقوط النظام بأيام، وهي أصبحت وكيلة وزير الثقافة ثم نائبة جراء صدفة الحظ تلك. المهم وبصفتها السياسية هذه، ولكي لا ينافسها أحد على إمتيازاتها السياسية، فقد أتحفتنا بنظرية أخرى هي ( ليس من واجب المثقف، ولا من دوره أن يكون في مجلس النواب أو الوزارة )!! مضيفةً ما مفاده ( على المثقف أن يبني علاقات مع السياسيين ويكتفي بوضع الخطط والاقتراحات )!! والواقع أن المتابع يجد في مناقشة آراء ركيكة من هذا النوع، مجرد مضيعة للوقت، خصوصاً وأن المتكلمة تبدو غير مدركة للفرق بين المثقف والسياسي ناهيك عن دور كلٍّ منهما، وفي بلد تبدو معه وزارة التخطيط نفسها معطلة !! أما قول الدملوجي (لا أعرف المثقف المعمم من هو وكيف يعبر عن نفسه) فهي ثالثة الأثافي حقاً.


نأتي الآن على ما قاله فالح عبد الجبار وزهير الجزائري، لكن لا بد من الإشارة أولاً إلى أن الجزائري دأب منذ مغادرتنا العراق نهاية السبعينات، على الكتابة ومن موقع المعارض، عن أزمات النظام وطبيعته الديكتاتورية وعن الثقافة الفاشية وثقافة الحرب، على العكس من عبد الجبار الذي في الغالب كانت كتاباته ذات صفة بحثية محايدة لدرجة تبدو معها هذه المحايدة نوعاً من تجنب تحمل المسؤولية في فضح سياسات النظام وجرائمه المعروفة.
حين دار الحديث عن مساهمات المثقفين العراقيين في (تفكيك حكم الحزب الواحد) لم يشر الجزائري إلى جهوده السابقة ولا إلى جهود زملائه الآخرين!! في حين فاجأنا عبد الجبار برأي تخلى فيه دفعة واحدة عن حيادية الباحث الموضوعي!! متغافلاً عن حقائق وأسماء وأصدارات ومساهمات منشورة ومعروفة طوال الأربعين سنة الماضية ولا يمكن تغييبها بأية حال. أختصر فالح عبد الجبار كل جهود المثقفين العراقيين بثلاثة كتب، هي: كتاب كنعان مكية (جمهورية الصمت) وكتاب لزهير الجزائري صدر قبل أسابيع، ثم كتاب له لم يصدر بعد!


هل هي محاصصة ثقافية أم أن أن عبد الجبار يعتقد أنه إذا أشار إلى أسم معين فإنه سيدخله التاريخ أو ربما ينافسه على جائزة نوبل ؟! أين موضوعية الباحث و (مدير معهد الدراسات العراقية) ؟! أود أن أسأل عبد الجبار عن أسم واحد فقط، وبغض النظر عن قربنا أو بعدنا عن مواقفه ووجهات نظره، أسأله عن مؤلفات حسن العلوي، التي تناولت تاريخ الدولة العراقية في شتى المراحل، بما فيها المرحلة الديكتاتورية أو ما يسميها العلوي (دولة المنظمة السرية) ؟
ثم ماذا عن مؤلفات ومساهمات وأسماء عديدة أخرى يعرفها عبد الجبار أكثر من سواه؟ ماذا عن عشرات الدراسات والبحوث التي ظهرت في (الثقافة الجديدة) و(النهج) القريبين منك جداً، ودوريات أخرى عديدة، ناهيك عن مساهمات كثيرة جداً ظهرت بعد سقوط النظام، وهي ليست فقط (تلك التي أتاحت لها شبكة الأنترنيت فرصة النشر في السنوات الأخير) كما أضاف عبد الجبار.


ماذا يعني استمرار الدكتاتورية أكثر من أصرار البعض على إقصاء الآخرين وإلغاء جهودهم؟ إلا تدل نزعة إقصاء الآخرين على استمرار ترسّخ الثقافة الحزبية الشيوعية لدي فالح عبد الجبار ؟! وما دام الشيء بالشيء يُذكر، وعلى ذكر المصداقية أيضاً، ألا يحق لنا أن نسأل عبد الجبار وغيره من (المثقفين الشيوعيين) الذين تحولوا قبيل سقوط النظام ومع صعود المشروع الأمريكي إلى (مثقفين ديمقراطيين)!! كيف تم هذا التحول ؟! وعلى أي أساس ؟ على أساس موضوعي أم نفعي ؟ ثم ألا يستوجب مثل هذا التحول مراجعة للتجربة الذاتية لكل منهم!! وإذا كان تحول المواقف اعتباطياً، فأين المصداقية إذن؟ أم أن السيد عبد الجبار يعتقد بأن المصداقية هي شيء يمكن إقصاؤه أيضاً لأن (ثقافة السوق) لا تحتاج إلى قيم من هذا النوع ؟! أليست هذه النزعات والأساليب هي التي خلقت الصنم والصنمية ؟!


الصنمية لم تسقط بعد، لأن الصنم ليس صدام حسين بذاته، بل هو مجموعة المفاهيم أو الرطانات التي أنتجته، وخصوصاً (ثقافة الاغتصاب) التي يمارسها فالح عبد الجبار وسواه براحة بال تامة !!

كريم عبد