خمسة في المئة من أيرادات النفط العراقي مازالت تُبحر الى الخزينة الكويتية عن طريق اللجنة الخاصة لصندوق تعويضات الحرب المنبعثة عن الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن لعام 1991 المرقم 687
United Nations Compensation Commission U.N.C.C.

ومنذ ذلك العام وصلتْ الأدعاءات بالمطالبة رسمياً الى 2.6 million claims(مليونين وست مئة ألف دعوى قضائية ) جرى تصنيفها في ستة حقول وأعتمدت في تحديدها : طبيعة شكوى المدعي، نوع الخسارة، والمبلغ المطالب به.
وكان برنامج تمويل التعويضات يتم من قبل لجنة الصندوق بما يتمكن العراق من تصديره من النفط سنوياً وأقتطاع نسبة 5% من الأيرادات بموجب البرنامج المشؤوم الذي أطلق عليه النفط مقابل الغذاء، والذي أنتهتْ فعالياته بسقوط النظام عام 2003. أِلا أن أستقطاع خمسة في المئة من أيرادات النفط العراقي السنوية مازالت جارية الى يومنا هذا وبصمت شبه تام من مجلس النواب والحكومة العراقية.

ماذا تعني تعويضات العراق للكويت؟
في محاولات من أطراف عراقية على أعلى المستويات لأطفاء الديون التي ترتبت على العراق نتيجة غزو النظام السابق للكويت عام 1990، أستجابت معظم الدول (الشيوعية والأسلامية منها) بألغاء الديون أِلا الكويت التي لم يتوصل العراق الى أي أتفاق مثمر بشأن ألغائها. ولم يستجب المسؤولون الكويتيون لدعوات دول صديقة أخرى ناشدتهم بأعادة النظر وألغاء ملف المطالبة بالتعويضات التي دفع العراق منها أكثر من 25 مليار دولار الى الآن.


في أجتماع القمة الأقتصادية الذي عُقد في الكويت مؤخراً طرح الرئيس العراقي الطالباني، الموضوع مرة أخرى على الأخوة الكويتين الذين رفضوا مناقشته وأقترحوا (مجاملةً ) أن تناقشه لجان تشغل مناصب استشارية أدارية ومالية وقانونية متخصصة تُشكل من الطرفين مستقبلاً.


وحلول المعالجة في رأيي تتصاعد حدّة بأختلاف فهم كل طرف للطريقة التي تمت بها.
نعود ونقول أن هذه التعويضات كانت نقمة سياسية على النظام الجائر لتصبح نقمة مجحفة مُعادة على الضحية (الشعب العراقي ) الذي عُوقب على نفس الجريمة مرتين، وأتخذت في حينها الصبغة الدولية والأعتراف بالأدانة والمطالبة، أشكالاً وصيغاً لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. لم تتنكر للتعويضات المالية حكومة نظام سقط في 2003، كما لم تتنكر القيادة العراقية الحالية بأحقيتها نظراً للخسائر التي سببتها الحرب للاشخاص والشركات والممتلكات العامة والبيئة، مع أن لجنة الصندوق نفسها أكتشفت أدعاءات زائفة بمبالغ تفوق الخيال لطبيعة الأجراءات التي أتخذتْ من الدول التي تشغل مقاعد دائمة في مجلس الأمن ودوافعها السياسية في وقتها، وطرق عمل اللجنة لدفع مبالغ مستحقة، شابتها أدعاءات زائفة وتضليل ومخالفات.


وقد تسارعت دول حليفة للعراق الى تفهم الواقع القديم وتمييزه عن الواقع الجديد، فبدأت الى جانب قيامها بأطفاء الديون بشكل أختياري لتغيّر وتضيّق عنصر المطالبة، في أبداء الرغبة أيضاً بأمداد العراق بمساعدات أقتصادية وفنية لتمكين العراق من الوقوف على أرضية مستقرة بعد الخراب الذي حلَّ ببنيته التحتية ونظامه المالي والتأثيرات المختلفة التي أدت الى أفقار الشعب وتوقف عجلة النمو الأقتصادي والبطالة وأصابة العملة العراقية الوطنية بالشلل.


في مقال سابق أشرنا لبعض النواحي الأجرائية التي أتخذتها قرارات مجلس الأمن 661 و 686 و 687 و688 و692 و699 و 705 المتخذة ضد العراق منذعام 1991، وكانت قد أُتخذت للعلم، بمساعدة المستشارين القانونيين الأجانب الذين لم يبخلوا في أدراج سلسلة لانهاية لها من المطالبات والملاحقات القانونية والمبرارات لحشر أسماء لأشخاص وشركات وهمية لاتشملهم الصفة القانونية للأدعاء والمطالبة بالتعويض.


ونجد بالمقارنة والتحليل أن هذه القرارات:

1. لم تأخذ القالب القضائي للأستحقاقات الحقيقية أكثر مما وضعتْ نفسها في موضع سياسي لقرارات أنتقامية مجحفة أتخذها (النادي السياسي الدولي )، أستطاعت الأوساط العراقية الحكومية والشعبية وخبراء القانون الدولي مؤخراً، تفهم مجمل دوافعها وأغراضها، والتي كانت أساساً تهدف الى أضعاف النظام الفردي وأسقاطه بكل السبل الممكنة، وهذا ماحدث فعلاً.
2. اتسمتْ بقلة مساحة الخبرة العراقية بالشؤون المالية والأقتصادية والقانونية الدولية لأيضاح ألتزام العراق الرسمي منها وبغياب عراقي يمثله للفترة من 1991 الى عام 2003. ولم ينجح العراق في نيسان أبريل 2008 في محاولاته أقناع مجلس الأمن الدولي لتخفيض نسبة 5% الى أقل نسبة ممكنة، في وقت كانت معدلات أسعار النفط قد تجاوزت 100 دولار للبرميل مقارنة بالأسعار تلك التي كانت سائدة عام 1991، وتسبب أرتفاع الأسعار بمضاعفة نسب الأرباح الكويتية الى درجة أصبح فيها مبدأ التعويض الى واسطة جشع جني الأرباح رافقه سكوت المسؤولين الكويتين للثروة الطارئة.


أِلا أننا الآن في مرحلة التسائل لِما لم يحدث. فالأزمة الحالية مع الكويت لها شقان :
الشق الأول :
تباطئ وتلكؤ الجهات العراقية، كمجلس النواب العراقي ووزارة المالية والخارجية العراقية بالذات (التي يدير دفتها الأخوة الأكراد) في أعطاء هذا الموضوع أقصى الأهتمام والأولوية، الى الحد الذي يبدو أنهم عاجزون عن ملاحقة ملفاتها الأدارية والفنية والقانونية، أو أنهم لايعيرون أهمية كبيرة لما يقرب من 28 مليار دولار تؤخذ مباشرة من صندوق اللجنة كضريبة يدفعها الشعب العراقي الى الكويت، ويلقون الثقل الرئيسي للموضوع على عاتق عرب القيادة السياسية نتيجة عدم أمكانهم التوصل الى حلول أيجابية أو أُذن صاغية من الكويت.


أني آمل أن أكون مخطئاً للظن، بأن وزارة الخارجية العراقية أو وزارة المالية لاتملك وثائق تفصيلية وموثقة بكشوفات مصرفية وتدقيق حسابي مستقل لعملية أستقطاع 5% من النفط وكيفية أستيفاءها، أو بالأحرى ما هي الجهة التي تُشرف على أعمال اللجنة الخاصة بصندوق تعويضات الحرب التابعة للأمم المتحدة؟


وفي الحالتين، يتطلب الأمر تحقيقاً لكيفية سير الأجراءات المصرفية وقوائم العمولات التي تقدم بها خبراء المكاتب القانونية في نيويورك خلال رئاسة كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة.
والموضوع برمته وتفاصيله المذهلة يتطلب لجنة دولية مستقلة لأننا لانتكلم عن (عنزة عطستْ أو بعير شردْ )، وكما أشرتُ لذلك في مقال سابق بأنها تعويضات مالية أثارت شكوك لجنة الصندوق ذاتها، و لم تؤخذ مع الأسف الشديد، مأخذ الجدية اللازمة من أهتمام النخب العراقية السياسية البرلمانية، التي تُشغِل همومها الخلافات الداخلية.


والحقيقة المعروفة أنه مازالت هناك أزمات لملفات معلقة أخرى تتعلق بمشاكل الحدود والأبار النفطية ومطالبات عراقية ومطالبات كويتية بممتلكات في محافظة البصرة. وليس مؤكداً ما ذُكِرَ من بعض المراقبين للوضع العراقي بأن العديد من الملفات قد أحرقتْ أو أتلفتْ عمداً، الأمر الذي يتطلب تحقيقاً عادلاً وشاملاً وأهتماماً قضائياً جاداً لأنها وصلت الى حدود لايمكن السكوت عنها.


الشق الثاني
الحكومة الكويتية ترفض الاشتراك في محادثات جدية، كما أن المسؤولين الكويتيين لايعيرون أهمية كبيرة لهذا الموضوع مادامت التعويضات جارية على قدم وساق وتستلمها خزانة الدولة، ويوجهون الثقل الرئيسي للأستحقاقات المالية والمفاوضات التي يقترحها العراق، بالأشارة الى مجلس الأمن وقراره المُلزم.
لايمكنني في مقال متواضع وموجز كهذا أن أشير الى الكثير من الأمور العالقة التي يأمل البعض بدفنها، دون تبيان الغاية والغرض لجباية ديون لاتتوفر فيها أي دعائم للحق أوالعدالة القضائية.


فالكويتيون تشغُلهم داخلياً لجان التحقيق النفطية الخاصة بهم، حسب ماأشارت اليه الصحف الكويتية (مشروع الداو) وفضائح الرشاوى ومحاسبة أفراد بشبهة التربح او الكسب غير المشروع الحصول على عمولات لمصلحة جهات معينة، ولايهمها الشجون المالية العراقية. ولحين الأنتهاء من هذه الأزمة الداخلية وأزمات أخرى، فأن الكويت قد تدير ظهرها لمطالب عراقية مشروعة أو قد لاتبدي الرغبة المخلصة للتوصل الى حل توافقي من اجل رأب الصدع وعودة العلاقات الطبيعية الأخوية وتنميتها. وخلال السنوات التي مضت، كان العراقيون يتوقعون أن تُسهِم الكويت في رفع الضيم والظلم وتنصر الضحية العراقية التي حاربت الطغيان وأزالت هاجس الخوف عنهم، لا تشديد الخناق ومضاعفة المطالبات وتحميِّل الشعب المقهور المزيد من الدماء والألم ومسؤولية المأساة التي تعرض لها شعبهم وشعبنا.

ضياء الحكيم
[email protected]