أسابيع معدودة و يصدر ألبوم فيروز الجديد، في خضم مشاغلنا وهمومنا اليومية، في وحشة ليالينا وغيبوبة نهاراتنا سيناجينا صوتها من جديد حاملا البشارة: quot;أيه... فيه أملquot;
المفارقة هنا أن زياد الرحباني، كاتب و ملحن و موزع العمل، الماركسي العتيد، صاحب صرخة quot;أنا مش كافر... بس الجوع كافر، أنا مش كافر... بس المرض كافر، أنا مش كافر... بس الذل كافر و الفقر كافرquot; المهموم دائما بشؤوون و شجون البسطاء و المعدمين ، يضع أصبعه على جرح يأسنا المفتوح على الأزمات ليداويه بترياق سحري... هو يعلم جيدا معنى أن يأتينا الوعد بالأمل على أجنحة صوت فيروز، و أن كان أملا ولد من رحم الملل كما يقول
يعلم جيدا أن بشارته هذه ما كانت لتلامس شغاف قلوبنا بصوت اخر... يعلم أيضا أن فيروز قد أمست قديسة أمتها بلا كهنوت، وهي التي طالما رفضت تطويبها، وفزعت من هالة التقديس التي رسمناها لها... يعلم زياد أننا نصدقها مهما قالت، فهي أبدا لم تكذب علينا، بينما لم يصدقنا من شيوخنا و قساوستنا أحد
لا أجرؤ على البوح أن ثمة صوت في داخلي يتمنى أن يتأخر أصدار الألبوم قليلا لأستمتع أكثر و أكثر بهذا الترقب اللذيذ، كما يتوق العشاق أن يطول اللقاء، أو على الأقل الوعد باللقاء، فبعد كل لقاء وجع فراق
quot;دايما في الاخر، فيه اخر... فيه وقت فراقquot;
ثمان سنوات مضت منذ أن صدر ألبوم quot;ولا كيفquot;
لا أزال أتذكر نشوتي الطفولية بصدوره، حملته هدية لكل أصحابي بشغف مبشر يحمل كتابه المقدس الى قبائل وثنية... كنت لا أزال في بغداد، كان الوضع مزريا لكن كان ثمة بصيص أمل بتغيير وشيك، لم يكن أحد ليتصور أن يكون الغد بالسوء الذي هو عليه اليوم
لبنان حينها كان قد بدأ التعافي من جروح حرب طاحنة، ليسقط فيما بعد ضحية لعبثية حرب ألوان و أرقام يعيشها اللبنانيون اليوم و تعتاش عليهم، الفلسطينيون أيضا لم يكونوا قد عرفوا بعد دموية و طائفية الولاءات التي تحصد أرواح الأبرياء منهم كل يوم، الأرهاب و تكفير الاخر، قمع الحريات بأسم الدين... كانت الحياة صعبة، لكن كان عندنا أمل بمستقبل أفضل و فجر فيروزي جديد... كم من مياه جرت تحت الجسر منذ quot;ولا كيفquot;
فيروز... أعانك الله على جمهورك المتطلب، المتطرف حبا لك و شوقا اليك و غضبا من غيابك... أخشى أن تركني يوما الى محرابك و تصمتي بعد أن سأمتي الجحود و مكائد صغار الرحابنة وعناء الغناء الناصع في زمن ملوث
أيكون هذا ألبومك الأخير؟ لو كان كذلك، فليته لا يصدر أبدا كي لا تنطفئ جذوة الأمل في قلوبنا بعمل اخر و اخر... قولي لنا أنه وعد بالمزيد، وعد بأن يبقى صوتك لنا و بيننا كي نبدأ الحلم منذ الان...