كم فرحنا عندما أعلنت منظّمة الأونيسكو أخيراً اختيار بيروت laquo;عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2009raquo;. كان صدر الإعلان منذ أيام، بعدما اعتمدت المنظمة ملف الترشيح الذي قدّمه وزير الثقافة طارق متري، وساهم في إعداده اسكندر نجار بالتنسيق مع بلدية بيروت.
ممثلون لاتحادات ناشرين وأصحاب مكتبات من العالم أجمع نظروا في الملف واختاروا بيروت، تحيةً لها ولروحها الوثّابة ولتعدديتها الثقافية، واعترافاً بجميلها على الكتاب العربي، الذي لطالما كان ابنها النوعيّ المدلّل.
كم فرحنا إذاً، وللفرح أسباب عدّة، ليس أقلّها أن بيروت تستحق اللقب ndash; التكليف من جهة، وتحتاج إليه من ثانية، كرئة متعبة تتوق الى نفحة أوكسيجين محيية. ذلك أن هذا الفوز سيتيح لعاصمتنا فرصة التفكير في كيفيات laquo;استعادة المكانraquo;، من خلال النظر في ذاتها الإبداعية الخلاّقة، ومساءلتها، وتنظيم عدد كبير من النشاطات الثقافية، المحليّة والإقليمية والعالمية، المرتبطة بالكتاب والقراءة خلال سنة 2009، وينبغي لنا أن نعدّ العدّة منذ الآن للإفادة من هذه laquo;الفرصةraquo; قدر الممكن. بل للإفادة أكثر من هذا الممكن.
para; para; para;
على هامش هذا الدعم للكتاب، ولمدينة الكتاب، لافتٌ هو التغيير الحاصل في سيكولوجيا الكاتب العربي خلال السنوات الأخيرة. فلطالما كان هذا، على العكس من الكاتب الغربي، يتملّص من التسويق لكتابه، ويعتبر كل نشاط يصبّ في هذا الاتجاه ndash; باستثناء حفلات التوقيع، المفروضة عليه فرضاً في غالب الأحيان - تصرفاً مهيناً ومخجلاً. لكنّ موضة تمجيد laquo;السير في الظلraquo; ولّت، وبدأت الكتب العربية تتصالح تدريجا على ما يبدو مع فكرة الضوء، وغدا الكتّاب العرب ينظرون اليوم الى احتمالات التسويق لأعمالهم بدرجة أخفّ من الريبة والاحكام المسبقة، وبقدر أقل خصوصا من laquo;السنوبيسمraquo; النخبوي. ألم نسمع عن بوسترات دعائية للكتب في القاهرة؟ ألم نقرأ خبر إعلان محطة تلفزيونية عربية ضخمة عن منح حسم خمسين في المئة للإعلانات الخاصة بالكتب عبر قنواتها الإعلامية، لتشجيع الباحثين والعلماء والمفكرين على نشر إنتاجهم ومساندة دور النشر والكتاب؟
وبعد، من غير المبالغ القول إن منطقتنا تشهد في هذه الاثناء laquo;حمّى الجوائزraquo;، ربما بسبب الانطباع السائد منذ نحو عشر سنين بأن الثقافة عموما، والقراءة تحديدا، لامست عتبة مقلقة وخطيرة تنذر بأنّ القرّاء جنس ذاهب الى انقراض محتوم. وقد اقتضى التحرّك (نأمل في الأقل أن يكون هذا هو السبب. وإذا لم يكن، فالوسيلة، هنا، هي التي تبرّر الغاية أو laquo;الغاياتraquo;).
خفض أسعار الكتب، جوائز وأوسمة، إعلانات، بوسترات، حفلات تكريم laquo;اوريجينالraquo;، أمسيات للقراءة يُعلَّق على طرف صنّارتها laquo;طعمٌraquo; جاذب، على غرار عرض لفرقة موسيقية محبوبة... الخ: كثيرة هي المبادرات التي يمكن أن تسعى اليوم الى إيقاظ القارئ من غيبوبته أو شبه موته، وتحريك شهيته وraquo;إغرائهraquo;، كي لا يصير قرّاء اليوم ديناصورات الغد.
فعلاً، هناك سبل متنوّعة، بدرجات متفاوتة من النجاح، للإيقاع بالقارئ في laquo;فخraquo; الكتاب المنجّي بدلا من الاستسلام لحلقة laquo;النقّraquo; المفرغة (laquo;الكتاب يموتraquo;، laquo;ليس هناك قرّاءraquo;، laquo;الصورة قتلت الكلمةraquo;... الخ). ولكن بغية التوصل الى يوتوبيا الكتاب، يظل العنصر المطلوب في الدرجة الأولى عنصر الرهان على الاجيال الشابة، اي على عاملين كفيلين اختراع أسباب حقيقية لبقاء الانسان على قيد القراءة: أولهما الوقت، الذي هو، رغم كل ما يُحكى، سند للكتاب لا عدوّ له، وثانيهما فضول المعرفة، عطشنا الجميل ذاك، الجدير دائماً بأن يظل في حالة العطش لا الاكتفاء.
جمانة حداد
( [email protected])






التعليقات