ينكر أنه من جيل الستينيات ويري أنه من عيال البارحة

محمد عفيفي مطر بعد فوزه بتقديرية الشعر:

الشعراء الجدد كالثور المغمي في طاحونة واحكامهم تأخذ العاطل بالباطل!


القاهرة من محمود قرني: حواري مع الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر بدأ قبل أكثر من عشرين عاما، عندما رأيته للمرة الأولي، كان بالضبط يشبه مهرة الحلم التي شغلت وشاغلت الكثير من قصائده، لكن في هذه المرة لا أراه عبر غلالة تشف عن فيوضات باهظة أتشمم زخمها في وريقات دواوينه، إنني بالفعل أجلس أمامه وأتحدث إليه، كتلميذ لا يخجل من أن يأكل كاف التشبيه، ليتحول إلي فتي يصيبه الضني، فطالما لهث خلف معان لا يعلم كنهها.
كانت دواوين مطر، في مرحلة مبكرة، مرشدا ودليلا، كانت سحرية الالتقاط الحي للألم الإنساني، عبر لغة تتفرد بالتعيين والتجسيم ولا تخجل من الإسراف في البوح، وفتنة الاشتقاقات، وفيوضات التأويل، كانت كلها عصبا مكلوما عاريا إلا من تلك الأسرار والشفرات التي بحث عنها هؤلاء الملاعين من الأبناء غير البررة، الذين ربما عثروا علي بعض مفاتيحها ولا زالوا في رحلة بحث في دهاليزها.
لم يكن الحوار وليد جائزة الدولة التقديرية، التي تجاوزها مطر، بل كان سؤالا لا يكف عن الجريان والتجدد، وقد آثرت أن احاور مطر كصحافي، فآثر هو أن أحاوره كشاعر، وعلي ما في ذلك من تكريم أحبه وأقدره، إلا أنه منحه الفرصة ليكيل الاتهام بأكثر منه، فأهال التراب علي الأجيال التالية له، متهما إياهم بالفاشية والتعصب، مؤكدا علي صواب اختياراته، فيما يتعلق بالوعي الشعري، ووظيفة الشاعر، والبعد الأيديولوجي الوظيفي، وبالدور الاجتماعي، والقضايا المركزية الكبري، والقومية، والوعي الستيني الذي ينكره ويؤكد علي تماهيه مع أكثر اللحظات راهنية.
لقد توقعت أن أسمع حديثا يضج بالتصالح مع العالم من رجل بلغ الثانية والسبعين وأنجز مشروعا مرموقا ومؤثرا، لكن مطر فاجأني كطلقة، مباغتة، بتلك الحيوية وذلك الاشتعال، من حواس لا تهدأ، إنه نهر يشيع اليقظة والانتباه والنسمات في بعض الأحيان، لكنه في معظمها يثير الزعابيب والخلاف والصدام، والاعتراك.
عفيفي مطر صاحب الموهبة الفذة يقف علي أطراف أصابعه كراقص الباليه في رشاقة تليق بفراشات الشعر، ليقول لنا الكثير عن فضيلة القوة التي لم ينل منها الفقر والقهر والمرض، وهنا الحوار:

دعنا نبدأ من ديوانك الأخير معلقة دخان القصيدة الذي يضم عددا من العناوين الصاخة والضادة بالالتزام، ماتادور الأبد، مئوية لوركا، حوليات الإبادة الجماعية، لماذا هذه العودة الكثيفة إلي الأيديولوجيا؟.
مصطلح الأيديولوجيا له مفهومان متناقضان فلسفيا، المفهوم الرديء بمعني مجموعة الأفكار والأوهام والمصالح التي يتم تزييف الواقع بمقتضاها وإلباسها لباس الحق والحقيقة، والمفهوم الثاني، الأقرب للعلم، بمعني التحليل، واستخلاص المعني، والمفهوم المستنبط من الواقع كما هو بغير إسقاط الرغبات والأوهام والإدراكات المصلحية والدعائية علي هذا الواقع، بقصد معرفته في حضوره العيني المباشر مع التعديل المستمر كلما قدم الواقع معطيات تستحق وتوجب إعادة النظر والتحليل وتحرير العلم من الأخطاء، ولذلك فإن العودة الدائمة الي الأيديولوجيا المتجددة بتجدد المعطيات واكتشاف الفروق بين ما يدعي حقا وحقيقة وعلما، هي الوجه المضيء لنزاهة العقل ونبل الضمير العلمي ونصاعة الأحكام المستخدمة في السياسة والاقتصاد والفكر والعمل، وفي الصراع المحتدم في مسيرة البشر، تعد الأيديولوجيا أخطر الأسلحة، وكل محاولة للسخرية أو الازدراء أو الإنكار، إنما هي في صميمها، موقف أيديولوجي مستتر، تماما كما أن إنكار الميتافيزيقا ليس إلا موقفا ميتافيزيقيا، كما يقول أرسطو.

هذا صحيح، ولكن دعنا نتحدث عن الأيديولوجيا التي تخصك أنت، شاعرا، وعقلا مفكرا؟
أظن سؤالك يعني - بطريقة مهذبة - مفهوم الالتزام بالقضايا الكبري والأفكار العامة في السياسة والأحداث الجارية، وهو في نفس الوقت تعبير عن موقفك الأيديولوجي الممثل لموقف جيلك أو معظمه في التنصل من تهمة أو الخلاص من جريمة، وكما قلت لك، هذا ايضا موقف أيديولوجي، وصراع أيديولوجي أفرزته المصائب والهزائم وخيبة الأمل والتعجل غير الرصين في تقليل عدد الورثة وإخراج الأجيال السابقة من تقسيمة قصعة المنافع، مع أن القصعة فارغة من أي فتة .

هذا رأيك، ولكن إذا سحبنا هذا الكلام علي ديوانك الأخير، الذي أشرنا إليه، كيف تراه في هذا السياق؟
ملاحظتك عن ديواني الأخير صحيحة، ولكنها جزئية، لأنني لا أعد نفسي إنسانا يستحق اللقمة، ولا شرف اللغة ولا نبل الانتماء لأهله وجماعته وإنسانية اللحظة القائمة، إذا لم يؤرقني ويحرمني من الهدوء ويفجر فيَّ طاقة الغضب الصريح، وأنا أري وأسمع صخب المجازر ووحشية العنف ويري أثوابي وقد لطخها رشاش الدم، وفتات اللحم الممزق، فالمسألة ليست خروجا أو عودة إلي الأيديولوجيا، بل هي نفس المسيرة وذات العناصر التكوينية التي جعلت هذا الإنسان وهذا الشاعر، منذ الجوع والقمر وحتي هذا الديوان وما يليه.
إن جيلك وهو يصوغ ويشكل أيديولوجياه البديلة يقع في مسخرة إرادة إغلاق العينين وسد الآذان وصرف وجع الدماغ وتركيز هذه الغاغة الأيديولوجية علي الأيديولوجيا التي لا تعني إلا تزييف الوعي الفلسفي والجمالي بحقائق العصر وحقيقة الصراع في العالم، وأظنها لحظة فارقة بين استراحة المقاتل المثخن بالجراح واستئناف المعركة، والعجيب أنني أتأمل في شعرك وشعر جيلك فأري الفوارق بين التنظيرات والأفكار النقدية التي تخلع الشعر من الأيديولوجيا والاهتمام بالقضايا الكبري، بينما تجلي في شعرك وشعر عدد آخر من شعراء جيلك حرقة النظر والتأمل والانخراط فيما أنا متورط فيه ومهتم به ويلزمني به الشعر.

الحديث عن الأيديولوجيا يقودنا، بالضرورة، إلي ما قدمته في سنواتك العشر الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بتأكيد مفهوم وظيفة الشعر كنتاج طبيعي للموقف الأيديولوجي والعقائدي، هل لذلك في رأيك علاقة بالوعي الستيني بتلك الوظيفة التي تأتي علي نفقة الموقف الجمالي؟
في سؤالك تحديد لعدد من المسائل يستحق منا إعادة الفحص وتحرير المعني، فأنت تحدد أن موقف الشعر موقف جمالي بالأساس، وأن الموقف العقائدي الأيديولوجي خارج أو نقيض الموقف الجمالي، وأن الوعي الستيني وعي أيديولوجي بوظيفة الشعر وأنه مناقض أو خارج علي الموقف الجمالي، بالإضافة الي احتسابي من شعراء الستينيات، وأحب ان أقول لك أن هذا كله يُعد خلاصة للغاغة التنظيرية والنقدية التي حطت بفوضاها وملاسناتها وبالمكايدة بين مقتسمي قصعة الفراغ الذي تحدثت عنه.
هذا نفي لحقائق ساطعة، تحوز ما يشبه الاجماع النقدي وهو أمر لا انتقاص فيه من تجربتك أو مجايليك، فكيف تري الشعر إذا كنت تدحض السؤال بالجملة؟
الشعر، كل الشعر، ممارسة لغوية جمالية، ستينيا كان هذا الشعر أو قديما قدم الدهر أو مستقبليا، والاختلاف هو في طاقة الخلق والإبداع وتنوع الخبرة والتجربة وتلاقح المنجزات الكبري في العالم من توالي الأجيال، وضمن هذا الموقف الجمالي اللغوي تندرج وتخضع كل المجالات والانشغالات والهموم، أما إذا تناسي الشعر والشعراء هذا الأساس الخالد، أساس الموقف اللغوي الجمالي، فإن الشعر والشعراء سوف يكونون مجرد خطباء أو وعاظ ومرشدين أو رجال دعاية وإعلام أو حكماء ومناطقة وأهل جدل وحذلقة تعليمية ومن ثم فإن الوعي الستيني - كما تقول - لم يكن وليس له أن يكون مناقضا أو خارجا علي هذه المفاهيم.

الربط الذي أقصده بين الجيل الستيني والوظيفة أو مفهوم الالتزام ليس موقفا أخلاقيا إذن فكيف تراه أنت؟
مصطلح الستينيات ليس مصطلحا جماليا أو لغويا أو شعريا بل هو مصطلح سياسي واجتماعي لا يعبر عن مفاهيم جمالية خاصة به، وهو أيضا من مفاهيم الإزاحة وقتل الأب والانفراد الوهمي بالقصعة.
أما أنني من شعراء الستينيات فهذا ما لا أعرفه، ولا أعترف به، فأنا - ولا مؤاخذة - شاعر من عيال البارحة أقف وأصطف كتفا بكتف مع آخر شاعر يزمزم ويقرزم بكلماته الأولي، أهذي وأتخبط أمام أبواب القصيدة والشعر علني أجد منفذا، ولا أوظف شعري ولا أضع نفسي في خدمة شيء أو أحد إلا ما يلزمني به الشعر، وعلي قدر طاقتي، ولم يكن لي طموح وليس لي مطمع إلا في لمحة بارقة من سيدتي الأولي وشف حريرها الملتهب، القصيدة، كما تلزمني بتلقي عطاياها، تماما كأصغر شاعر يولد غدا.

وسط هذا اليقين بالشعر، كيف تري المشهد في عصر الصورة المعولم، الذي يحاول - في كل لحظة - تحويل الفن إلي نوع من أنواع الترفيه؟
الكون كله نص مفتوح للقراءات والتأويلات، من أدني عتبات القراءة بالحواس الخمس، الي أعلي ذري القراءة العقلية والروحية، الي بوابات الإلهام والإبداع والخلق، وجميع المحاولات التي جرت وتجري - في أي زمن - لتوحيد قراءات هذا النص في قراءة واحدة مغلقة ونهائية فشلت وتمزقت وانهارت أدواتها، مهما تتذرع وتتذرع هذه المحاولات بطغيان السائد أو بطش الجمود أو همجية التخويف من طرح أسئلة الدهشة، والشعر من وراء كل ذلك محيط متلاطم بالإدهاش والإقلاق والهدم والتكوين وتحرير القراءة.

هذه ثقة رفيعة ونادرة بما نعتقد نحن الشعراء، لكن هناك ملايين غيرنا أظنهم مأخوذون بتقنيات شيطانية تبالغ في الإبهار والدجل؟
ثمة نزعة كسول في التبسيط والتنميط في تسمية كل عصر بظاهرة جزئية منه وجعلها لافتة زاعقة مهيمنة، فإن كل ظاهرة، مهما تتعاظم، تحمل في داخلها ما ينفيها ويفنيها ويقلب سحرها علي الساحر، فإذا كان العصر عصر الصورة المعولمة التي تحيل الفن إلي درجة من درجات الترفيه والتسلية والتسطيح الباطش بثقافات الشعوب، فإن الصورة - في ذات الوقت - تنقل الي كل مكان عصر ارتداد المسرح العالمي الي مشاهد من انقلاب الوحش المسعور من مكامن تخفيه وراء الكلام وأرفف كتب الفكر والتفلسف والنظريات والنزعات المذهبية والدعائية والتمجيد الغوغائي للإنسان والإنسانية، ليكتشف الجميع أن هذا الوحش المسعور لم يستطع شيء أن يروضه أو يستأنسه أو يهذب غرائزه ومصالحه وأوهامه، فانفلت سابحا في دم الأمم ممزقا لحم الشعوب في مجازر تتلظي فيها مصائر الجائعين والمستضعفين المغلوبين، والشعر في قلب هذه الملحمة الدامية مسؤول إذا قال ومسؤول إذا لم يقل، هو الذي يعري المستور ويفضحه، ويؤول نص الكون ويكشفه، ويحرس منجز الثقافات وحقائق المعاني ويدافع عنها، بأسسه اللغوية والجمالية، وينافح مستبسلا بأسسه اللغوية والجمالية، عن الجمال في مهب القبح، وعن الدهشة والتأمل والتساؤل في عنفوان التسطيح الغبي والتواطؤ مع النفس أو مع الواقع، وعن العدل والحرية وثراء التفاصيل في وجه الفساد وخراب الذمم وبيع الحياة ذاتها، وعن القلق الخلاق ويقظة التلفت، وحدة الالتفاتات في وجه قطعان الرأي والرؤيا والمعتقد، وعن مزاولة الحراثة الدائمة لذاكرة القيم ضد قتامة ونذالة النسيان.
دعنا ننتقل إلي مفهوم ليس بعيدا، طالما كنا في سياق الدفاع عن منظومة القيم الإنسانية الرفيعة، حيث تحددت ملامح النص الستيني الذي تنتمي إليه خارج البدهية العربية التي عرفها الشعر التقليدي، فكيف تحولت قيمة الخروج الي تقديس للعقل الجماعي الذي بدا قطيعيا بطبيعته، والذي برر الكثير من جرائم الحكام فيما بعد، وبرر لتحولهم الي أنبياء؟
لست أدري الي متي سيدور جيلكم، ومن تلاكم، كالثور المغمي في طاحونة أخذ العاطل بالباطل والتعميم الفاحش، وعجن الكتل الكلامية الصماء في خرسانة مصمتة تمحو الفروق وتحذف الشقوق والتناقضات وأطياف المتغايرات، فأنتم دائما تعلقون في رقابنا ما لم نكن من مقترفيه، وأنا لا أعرف كيف كان النص الستيني، وهذا مصطلح عجيب - كما قلت - في التحديد والتعريف، ولم تكن النصوص - شديدة التنوع وكثيرة الاختلافات - خروجا علي البديهية أو البدهية العربية في الشعر التقليدي، بل كانت تحويلا خلاقا وإضافة نوعية واستكمالا إبداعيا للمنجز الشعري العربي منذ متردم القصيدة حتي دخان حريقها المعاصر.

استاذ عفيفي: أنا لا أتحدث عن اتهام يحمل بعدا شخصيا لك أو لغيرك من الرواد، لكنني أتحدث عن طبيعة الوعي الذي أفرزته الدولة القومية في كافة الثقافات، فلماذا تلك الأوصاف بعدم الفهم والفاشية؟.
أنا أسألك أيضا: كيف تتجرأ أنت وجيلك ومن تلاه وسبقه علي نسيان وتجاهل ما كابدناه ونكابده حتي الساعة، فهل وجدت في شعري، وهو مجموع بكامله أمامك نصا واحدا برر شيئا لأحد أو وقف في صف ظلم أو ظلام أو كذلك وهل أضيفت علي أحد من الحكام السابقين أو اللاحقين وصف القداسة أو النبوة أو حتي فوق القانون والحساب؟!
أنا أجيبك: لا، لكنني كما قلت أتحدث عن العقل الجماعي الذي برز في إطار صيغة قومية كانت تدافع عن هويات لم يتم إنجازها بعد، هل أخطأت إذن؟
أنت تخلط ما بين الجماعة باعتبارها التجلي الأعظم لتاريخ الحياة والموت ولحظات الهزائم وحيوية الصمود والأمل والفعل، وبين اعتبارها قطيعا كنا نقدس تكتله الحيواني أو نتواطأ بلا شرف أو نزاهة مع ضلاله وتخلفه وانحطاطه، لقد كنا وما زلنا نقدس الحياة وننفخ في رمادها، وأسألك وأسأل العازفين علي هذه الأوتار، بمن امتلأت السجون والمعتقلات الظاهرة والخفية؟ وعلي من بدأت تواريخ التعذيب الوحشي، وبدم من رويت الأرض في أقبية من سرقوا روح الجماعة وأطفأوا في عقلها ومكامن الحياة في أعماقها نار الفعل ونور البصيرة؟، اننا أنا وغيري من شعراء الستينيات لم نكن نقدس القطيعية ولم ترد في شعري إشارة واحدة تنادي بذوبان الجماعة في فكرة واحدة أو زعيم ملهم أو حاكم واحد له صفة الأنبياء، بل كنت أفتش في حياتها اليومية المستذلة بالجوع والرعب وفي إبداعاتها وخرافاتها وتراثها الحي بحثا عن نفسي وأهلي ومصير إيماني بالحرية والعدل ونور البصيرة الخلاقة في قلب العتمة.

هذه مرافعة نادرة بحق، لكنها رد علي اتهام لم يوجهه إليك الحوار، وربما لا نختلف - بالأساس - حول موقفك من مفهوم العقل العام وتبني روح الجماعة.
يبدو من كلامك أن هناك شيئا من الخلل في محاولة التقسيم العدمي للتاريخ وحسابنا عليه بأثر رجعي، وذلك في اعتبار جيل الستينيات آخر التاريخ المنقطع المسدود، وأنتم أول التاريخ، شعركم هو أول الشعر، وأفكارهم هي أول الحقيقة والحق والصواب، تنصلا من القضايا التي تتصورون انها سقطت وماتت ولا بد من دفنها، وتنصلا تهكميا وانتهازيا من معارك آمنا بها ولكنها جاءت بالهزائم، وبشماتة ساخرة لا محل لها من خلق الرجولة والمسؤولية فيما جري ويجري في البلاد وعلي العباد.

دعنا ننتقل الي منطقة أخري، فليس ثمة أهمية لاتفاقنا حول تعريفات الشعر وتوابعه، وأود لو كان لديك تصور واضح عن المعني الكامل خلف نفي وإقصاء شعريتك لزمن طويل؟
هناك مستويان للتحقق والحضور للشعر والشاعر في الحياة الثقافية العامة، مستوي الحضور الإعلامي والتحقق النجومي والدعائي بما يصاحب ذلك من صخب وتضخيم زاعق ومستديم، في هذه الدائرة التي قد تسبب في أغلب الأحيان ترويجا وتسويقا للمباشرة والسهولة وتزييف القيم وإعلاء السطحية والخفة ومحاصرة الذوق العام بالنفخ في بالونات ما يرضي ويقف عند حدود القبول لما تعود عليه واستنام إليه هذا الذوق العام، بما روض عليه من نفور وامتعاض رافض يحرك سواكن مسلماته أو يهدم أساليب تلقيه، وهناك مستوي آخر للتحقيق والحضور هو مستوي الاشتباك الحي مع النصوص، فهماً وتلقيا مسؤولا وخلاقا، او تأثيرا واستئنافا لتحولات هذه النصوص في القراءة التكوينية، لذاكرة وأخيلة المبدعين الجدد، أو إثارة للجدل النقدي والأكاديمي في البحوث والدراسات، أو تقديما لعناصر ومعطيات محركة لمناهج النقد والتحليل والتنظير، وهذا مستوي أعمق وأحق بالاهتمام وأكثر حيوية وبقاء، وأنا أعرف ولا يقلقني نفي وإقصاء شعري من النجومية أو زفة الإعلام أو طاووسية الدعاية، فشعري صعب ومقلق للذائقة العامية، كما أنني - في أعماقي - شديد الحياء وأخجل من حركات الاستعراض والنفخة الكاذبة، أما في المستوي الثاني، فإن لي حضورا أو تحققا يتسعان يوما بعد يوم في رسائل الماجستير والدكتوراه والبحوث الجامعية، بالعربية وبغيرها، كما أنني أشهد حضورا حيا وحميما بين محبي الشعر وقرائه الجادين، وأسمعه يتلي من الذاكرة عبر شفاه لا تحصي ممن أقابلهم في كل مكان، وأنا في غاية الرضي عن هذا الحضور، ولا أبغي سواه.

أعتقد أننا - حتي لو نسينا - ذلك الوشم الذي خلفه كعب مسدس القهر والاعتقال اعلي أرنبة أنفك، فلن تنساه أنت، هل ما زالت تري بأن ما كنت تعتقد به ـ أيديولوجيا - وأدي الي اعتقالك صائبا؟
وهل كنت تظن أن قلبي سينخلع، أو أن فرائصي سترتعد؟!، أعرف أنك لفرط حيائك ودماثتك تتكتم وتتحفظ معي كلما قرأت عليك نصا جديدا لي، وتشير بطرف خفي الي أنني ما زلت مشدودا، عقلا وقلبا وإبداعا، الي أشياء أنت تراها ملوثة بالشمولية والإطلاقية والنزوع الي الماضي، وتكاد، أدبا واعتبارا للأخوة والعمر، تخفي صفة الرجعية أو النكوصية أو التشبث بالأوهام المهزومة، وأنا في الوقت ذاته، أكاد أكتم غضبي الصبياني المشاكس.

إطلاقا، هذا ليس واردا، فمحبتي لشعرك وتقديري له يدفعانني فحسب لمساءلته كلما كان ذلك متاحا لواحد مثلي ينتمي الي جيل مختلف وربما بعض القناعات المختلفة، وهنا أردت فقط أن أسألك عن ديمومة قناعاتك التي تأسس عليها ذلك المشروع الذي هو في عين التقدير؟
التشكيلية العقلية والوجدانية والايمانية التي تشير اليها تثبت كل يوم أن اعتقالي وأن العلامة الثابتة علي عظام أنفي، ويسعدني أن أذهب بها إلي القبر، كانت هي الصواب الوحيد في حياتي، هذه التشكيلة المتخلفة من انتماءاتي وأحلامي وتصوراتي للعالم تتكتل في ديمومة حية لا تكف عن تفتيق وعي وتفجير انفعالاتي وأخيلتي ولغتي، تحت مفهوم عجيب شامل هو: الكرامة أنا المصري العربي المسلم، وأنا المهووس بمحبة أهله من أقصي مكان يوجدون فيه ويلقون من العنت والأهوال ويتعرضون للإبادة والاجتثاث الي أقصي مكان، ولا يسيل علي أديم المعمورة إلا دمهم، ولا تنهب إلا أرضهم وأرزاقهم، كرامتهم مهدرة، وثقافتهم مهانة محتقرة وأجسادهم حشو جنازير الدبابات ومرمي آخر ما ابتدعته الأذهان الشريرة من رصاص وقنابل ومتفجرات ومثقفوهم محض جعجعة، وكل كلام إليهم محض مكائد ومخاتل وأحابيل، فبالله قل لي: أينخلع قلبي أو يتزعزع إيماني بصواب ما أدخلني المعتقل، وأنا لم أكن في كامل حريتي وعين يقيني، في حياتي كلها مثلما كنت في المعتقل؟!

وكيف تري الطرح الليبرالي التعددي الذي تزكيه الرأسماليه المتوحشة، متعدية الجنسية، في ثوبها ما بعد الحداثي. هل تعتقد - ما زلت - أنك ـ كرجل من رجالات القومية - قادر علي قول ما يتجاوز ذلك الطرح المدعوم بالمال والسلاح والمعرفة؟
نحن البرهان الفاضح لكل ما يقولون ويطرحون من أكاذيب، لقد انتهي المونولوج الدموي بانكشاف عنصريته ووحشيته، ولسنا ممن تجعلهم الهزائم والكوارث يرون الحق والحرية والكرامة في الفرار أو الرعب أمام القوة أو اليأس الذليل أمام الخسارات، إننا الآن طليعة من طلائع تحرير العالم من الوحش الأمريكي ووحوش العنصرية ومؤلهي القوة الغبية العمياء، وما كادت تلحق أيدينا بهم وننحت من لحمهم علامات الغضب والمقاومة واندحار الخوف من الموت حتي أصابهم الارتباط والهلع، وبدأ البحث عن الفرار، إننا الوحيدون الآن في العالم الذين يشقون الجراح في جلد الماموث المدرع ويغرسون الحراب في مقاتله، وسوف تمر العاصفة، لا الأرض فنيت ولا نحن نفني، ولا قول إلا ما يتردد من أصوات نفوسنا وعقولنا تحت أسمالنا وهلاهيل تاريخنا، القول قولنا والمعني ذوب حياتنا، نحن الجائعين البائسين المستضعفين.

رغم فوزك بالجائزة التقديرية وبأرفع الجوائز العربية لم تسع بالمطلق الي الدولة، هل لأنها كانت طاردة دائما، أم لأن موقفك منها كان راديكاليا بأكثر مما ينبغي، هل لو عادت بك الرحلة ستختار الطريق نفسها؟
لا بد من تحديد الفروق الدقيقة بين كلمات: الدولة، السلطة، النظام الحاكم، الحزب الحاكم، فالدولة كيان جغرافي تاريخي ثقافي، وهي منظومة لا بد منها ويجب الدفاع عنها بكل ما نملك، وبالطبع لا يوجد بيننا صراع إلا في غايات ووسائل الرقي بهذا الكيان وازدهاره، أما الذي كان بطبيعته طاردا ومعاديا ونقف منه موقفا جذريا فهو التمثيل الرمزي لكيان الدولة في هيئة نظام حكم ومؤسسات سلطة تستبدل الرمز بالكيان، وتستبدل مجموعة المهيمنين علي الحكم والسلطة، وهم عابرون ومؤقتون لا ثبات لهم، بالكيان الثابت الخالد، وبهذا المعني، يكون عملنا وإبداعنا لرقي وازدهار الكيان الثابت الممتد لأغوار التاريخ ومشارف المستقبل، أما السلطة ونظام الحكم ومؤسسات قلب الأدوار بين الثابت الخالد والمؤقت الزائل، فإنني لم ولن أسعي إليها وموقفي منها موقف راديكالي مستنير، ولو عادت بي الرحلة فلن أختار سوي نفس الطريق والطريقة.

كنت في ديوانيك والنهر يلبس الأقنعة ، ثم أنت واحدها، وهي أعضاؤك انتشرت في أعلي فيوضاتك الشعرية، وربما اعتقد البعض ان الديوانين سرة مشروعك الشعري، ثمة اتهام موجه لأعمالك التالية لهذين الديوانين بإعادة اجترار التجربة؟
للديوانين اللذين تشير إليهما قدر كبير من الاعتزاز في نفسي، وربما لأنهما كانا ذروة تجربة في اللغة والتأمل وتحرير الخيال، وأوصلاني الي تكثيف وجرأة في الصورة وتعقيد مجمل النص، ظننت وظن الآخرون أن تخطيهما أمر صعب، فإذا اعتبرناهما تجربة ذات خصوصية، فإن ما تلاهما ليس تكرارا أو اجترارا، فالأحوال تغيرت ودوافع القول تبدلت، واختلفت التجارب اختلافا كبيرا، ولكن ما يوهم بالتشابه هو أن المعجم اللغوي ومنهجية الكتابة قد انتقلت ملامح كثيرة منها لتنصهر في تجارب أخري غير مشابهة، وعلي أي حال، ما زلت أكتب وأجرب وأقترح علي نفسي سككا أخري لا أدري ما ستتمخض عنه، وربك كريم.

لا أعتقد كثيرا في تواضع الشاعر، رغم ما قرأته في هذا السياق لكثيرين أنجزوا مشروعات كبري بورخيس مثالا ، لماذا تضيع في رأيك تلك الفضيلة في ثقافتنا العربية؟
وإن كنت لا أعرف بالتحديد ما تقصده بفضيلة التواضع في الثقافة، فإن كنت تقصد عدم الغطرسة والاعتداد المبالغ فيه بالنفس، فسوف نلاحظ أنه كلما كانت كرامة المواطنين جميعا تلقي الاحترام والتقدير في الواقع الاجتماعي والسياسي، ومارست سيادة القانون دورها في المساواة والالتزام بالغايات والوسائل التي يؤطرها القانون بقواعده الشاملة الصارمة، فلا ضرورة ولا دوافع للاستقواء بمظاهر الكبر والغطرسة ولكن كما تري، حين تكون كرامة استاذ الجامعة والمفكر والفنان والعالم أهون وأحط من أن تصمد أو تتحقق في مواجهة مجند الأمن المركزي الجاهل الأمي، أو عسف شاويش المركز أو ضابط النقطة أو الموظف البيروقراطي الجلف، وحين يكون الحراك الاجتماعي محكوما بسطوة المال أو النفوذ الحزبي أو القرب والتخديم علي أهواء المتسلطين، تصبح فضيلة التواضع وصمة عجز ودليل ضعف وخنوع، ومن ثم ابتكر المثقفون والمبدعون وسائل وحيلا للدفاع عن الكرامة المهانة، بالتطاوس ونفخة الكبر وعنطزة المماليك، ولله في خلقه شجون وشؤون.

معظم شعراء جيلك، الذين أصبحوا ايقونات، لم يتوقفوا بالشكل الواجب أمام التجارب التي تلتهم، هل تكون من البطريركية، والأبوية سببا في التنكيل الدائم بالأبناء؟
ليتك وجيلك ومعك كل أجيال الشعراء تكفون عن إعلانات المعركة الوهمية التي تقفون خلف متاريسها، وأن تتعمقوا التأمل في المسألة بعيدا عن نزعات الكراهية وأطماع تقاسم كعكة لا وجود لها، وأن تردوا المسألة الي قوانين وسنن تغيرات الأزمنة والأذواق والثقافة. إن كل إنسان يملك حدودا ويتوقف عندما يستهويه من تجارب وما يستطيع تلقيه والتفاعل معه، ولا بد إذن من رحابة تتفهم أن من تسميهم الآباء ليسوا ملزمين وجوبيا بتغيير أذواقهم أو التفاعل مع كل جديد فور ظهوره ومع كل دعوة فور الإعلان عنها، هذا فوق الطاقة وفيه نزعة عنف وإجبار ممكنين وغير رحيمين، وأين رأيت آباء يقصدون التنكيل الدائم بالأبناء؟! إن من المعتاد أن نري همجية الأبناء، وهم يستقوون بكثرتهم وقوة غوغائيتهم وما وضعه العصر في أيديهم من أدوات وأجهزة وميديا تصرخ ليل نهار بإعلان العقوق والصراخ بصيحة الحرب وقتل الأب، إن جميع من أعرفهم وتعرفهم ممن تسميهم بالأبناء، يا ولداه، محررو أعمدة ومراسلو صحف ومشرفو أقسام ثقافية في الصحف والمجلات ورؤساء تحرير، فمن يستطيع التنكيل بمن ومن يريد ويستطيع قتل من، شوية رحمة يا شيخ وشوية إنصاف!!، وعلي كل فانني لا أملك أي نفوذ أو أي إمكانية، في الماضي والحاضر والمستقبل للتنكيل بأحد، والحمد لله، وإنني لأعجب غاية العجب ممن يريدون نزع صكوك الاعتراف بهم وتدليلهم وتكريس إنجازهم واستحقاقهم لكل الإرث ممن يكرهونهم ويعتبرونهم بقايا تستحق القتل!!.