الفكـر المـريـر ومـا وراء الحركـة
هل فعلا تضمنت هذه laquo;الحقيبة السحريةraquo; كل هذه الكتابات وكل أولئك البدلاء الذين ما زالوا يتوافدون إلينا كل فترة؟ سؤال لا بد أن تطرحه laquo;الحالة بيسواraquo;، نظرا إلى اكتشاف
كتابات جديدة، في كل مرة نظن أن النصوص التي تركها الشاعر البرتغالي الكبير وراءه، تصل إلى حدودها الأخيرة. لكن في كل مرة نتفاجأ بوجه آخر من هذه الوجوه المتعددة التي لا تحصى. آخر هذه الوجوه laquo;بيسوا السينمائيraquo;، إذ تصدر له منشورات laquo;شاندينraquo; في فرنسا كتابا صغيرا يتضمن سيناريوهات لثلاثة أفلام قصيرة كان بيسوا كتبها في مطلع حياته، مثلما تعيد منشورات laquo;بورغواraquo; إصدار كتاب laquo;باختصارraquo;، والعنوان من وضع الناشر، حيث تجمع فيه بعض الأفكار الفلسفية التي تنشر للمرة الأولى بالفرنسية. أفكار تقترب كثيرا من laquo;الشذراتraquo; (الأفوريسم) ـ وهي تعود إلى بعض الأسماء المتفرقة التي كتب بيسوا عبرها ـ حيث تظهر لنا بدورها جوانب مختلفة من تفكير كل أولئك laquo;الذين كانوا غيره ونفسه في الوقت عينيهraquo;. حول هذين الكتابين، هذه المقالة.
هل يجب علينا أن نضع laquo;سينما باريسraquo;، الواقعة في حديقة laquo;الإيستريلاraquo;، حيث مبناها لا يزال صامدا لغاية اليوم، ضمن قائمة الأمكنة التي علينا زيارتها، إذا ما قررنا يوما laquo;الحجraquo; إلى هذه العوالم التي تشكل الذاكرة الحقيقية للشاعر البرتغالي الكبير؟ يرى الباحث باتريك كوييه، في تصديره للكتاب، أن بيسوا كان معتادا الذهاب إلى هناك، لأن هذه الصالة المعتمة، بألعابها السوداء والبيضاء، وبخيالاتها الساحرة والمدهشة ـ وهي خيالات صامتة لغاية العام 1927 وناطقة في السنوات الأخيرة من حياته، لكن الموسيقى كانت تصاحبها دوما، ليجد راحة بالاستماع إلى هذه الموسيقى كما متعة في هذه الشرائط التي تمر أمامه ـ تشكل له نوعا من مغارة سحرية، حيث قدمت له laquo;تعليما سرّياraquo; لم يتحدث عنه كثيرا خلال حياته، وإن كانت، في واقع الأمر، مرحلة خصبة من ضمن المراحل الأخرى التي استفاد منها.
من هنا، كيف لهذا الذي اخترع وحرك هذا laquo;الحشد الداخليraquo;، الأكثر دهشة من أي حشد آخر ـ وأقصد سيرة البدلاء أو هذه laquo;الدراماتورجيا الوجدانيةraquo; ـ أن لا يكون حساسا تجاه هذه laquo;الانمساخاتraquo; العديدة، (بالمعنى الديني الهندي)، التي يستعرض عبرها الإنسان نفسه من على الشاشة؟ كيف لهذا الشخص ـ الذي اعترف في مواقع متعددة، laquo;بمواهبه الوسيطةraquo; (الصلة بين البشر والأرواح في التنويم المغناطيسي)، والتي بفضلها كان يرى، في بعض الظروف المحددة، العديد من ندوب شخصيات معينة، وبخاصة ندوبه هو ـ كيف له أن يشاهد، وبدون اهتمام، لعبة هذه الأشكال المتحركة، وهذه الظلال وهذه الأنوار الدائرة أمام بصره في هذه laquo;المتاهةraquo; الخاصة بالاحتفالات الحديثة؟
ميراث الغنوصيين
من المعروف لقارئ سيرة بيسوا وأعماله، أنه laquo;شدّ عاليا وبقوة قوس روحهraquo; (بحسب تعبير فرانسواز لاي) حتى لا تخطئ السهام هدفها ما بين الحدين الأقصيين اللذين كان عليهما كل من ألبرتو كايرو من جهة، إذ كانت الرؤية بالنسبة إليه عبارة عن علم لم يتوقف عن اكتشافه في كل لحظة من حيث laquo;أن الأشياء هي الحس الخفي للأشياءraquo;، وما بين افتراضه التعليمي ـ من جهة أخرى ـ لغموض ميراث الغنوصيين، الذي كان يضعه في مواجهة مع ما يسميه quot;Alem - Deusquot; (ما وراء الله). لذلك هل من المعقول أن لا يكون شعر بأي laquo;ترانيم عميقةraquo; وهو ينظر إلى هذه الشارات المتحركة أو إلى هذه الوجوه التعبيرية ـ والمستغربة في الوقت عينه ـ التي كانت تضخها السينما في عصره؟ ماذا بإمكان مخترع laquo;الحسويةraquo; وlaquo;التقاطعيةraquo;، وهما علمان من علوم الجمال وقد شكلا بالنسبة للأدب ما شكلته التكعيبية والتوحشية للفن التشكيلي: نشوة أحاسيس ونسيج مقاطع مؤسسة ومترابطة بشكل مستمر على تقنية المونتاج؟ نعرف أن ألفارو دو كامبوش، في قصيدته laquo;نشيد الظفرraquo;، كان رتل وأنشد laquo;هذه الآلات الحديثةraquo; مثلما كان معجبا بالصور laquo;التي تتحركraquo;. أما مؤلف laquo;كتاب اللادعةraquo; (برناردو شواريش) فكان من جانبه رسام هذه المناظر البهية ذات التركيز غير المتوقع على هذه الشخصية أو على تلك مثلما كان يركز على تأثيرات تبدل الأنوار والأضواء، عبر زوايا نظر مختلفة، ذات اتساع كبير، وهي زوايا تركز بدورها رؤيتها على أبنية لشبونة كما على أناس هذه المدينة. وربما كان يمكننا أن نضيف إلى ذلك كله هذه المسحة المضحكة المستلة من الثقافة الإنكليزية، وبخاصة حين نتخيل هذه المواجهة ما بين باستر كيتون وشارلي شابلن، إذ أخذ من الأول هذه البرودة أو هذه اللاانفعالية ومن الثاني مهارته في تبديل شكله المستمر.
في أي حال، وعلى الرغم من الوثائق الكثيرة التي تركها بيسوا وراءه، إلا أنه لا يمكننا إلا أن نبقى عند هذه الفرضية في ما يخص بيسوا السينمائي: ثمة، بالتأكيد، عند الشاعر البرتغالي، تأمل متواتر حول الفن السابع، إذ، بداية وببساطة، كان عليه أن يجد في هذا الأمر وسيلة جديدة تزيد في إمكانيات laquo;الإحساس بكل شيء وبشتى الوسائلraquo;. من ثم نجد أنه كان منشغلا طيلة حياته بمسألة الإيقاع، من هنا قد يكون من المحتمل جدا أن تكون السينما قد قدمت له ـ حول هذا الموضوع ـ مادة تفكير قوية. أما أخيرا، وكما نعرف، فإن بيسوا حاول جاهدا، ومن دون أي كلل، أن يصبح ممثلا مسرحيا وحتى أنه حاول ـ مثلما تؤكد نصوص هذا الكتاب ـ على أن يصبح كاتب سيناريو.
لو عدنا إلى سيرة فرناندو بيسوا التي كتبها روبير بريشون لقرأنا أنه بعد رحيل بيسوا عُثر في مكتبته على بقايا كتاب بعنوان laquo;فكرة الإيقاعraquo; لكاتب يدعى ألفونس شايد، ونشر في العام .1905 كان هذا الكاتب يشكل امتدادا لتيار فكري ـ بدأ مع برغسون، واستمر مع بيسوا أيضا ـ يحاول إعادة إحياء مفهوم الحركة الحيوي. لم يغب هذا الأمر عن بال بيسوا كما عن بال بدلائه، إذ نجد عنده وعندهم هذه الأصداء القوية، وبخاصة في مواقفه كما في وحيه النيتشوي وبخاصة ضد ما أسماه ثبوت الأشكال والمفاهيم وذلك لصالح laquo;هذه اللادعة الذهنية غير المنتهيةraquo;. في الصفحات الخمسين التي بقيت من هذا الكتاب، وعلى قول بريشون، كانت غنية بالصيغ والتعابير التي كانت تشكل، بدون شك، نوعا من التحريض والاثارة. يخلص شايد في كتابه هذا، وبسرعة، إلى سيادة الحركة وقدرتها المطلقة، يقول: laquo;في كل مكان، وبفضل التحليلات، نصطدم اليوم بهذا الأمر الغامض... الحركة التي، وتحت شكلها الأسمى، قد تُغير الفكر...raquo;. من هذه الزاوية لا بد لنا أن نتذكر ما كتبه بيسوا نفسه، في الكتاب الوحيد والصغير الذي أصدره في حياته laquo;رسالةraquo;، حين يتحدث عن laquo;البهيمة التي تقف في أعماق البحرraquo;. ويضيف شايد متسائلا: laquo;وهكذا، لنبقي كل الحركة، هل علينا أن نلجأ إلى الصور المتحركة. يحدق السينمائي بالتذبذبات الحديثة، يبحث عن الوحش في أعمق أعماق المياه المظلمة حيث يختبئraquo;. بالتأكيد ثمة رنين لهذه الجملة في فضاء بيسوا، تماما مثل النوطة الموسيقية التي تبحث عن نغمتها فوق الأوتار لتصدح وتبتعد في ما بعد.
من هذا المنطلق يأتي السيناريوهان الموجودان في هذا الكتاب. سيناريوهان غير مكتملين، إنهما محاولة للوصول إلى صيغة فيلم. الأول بعنوان laquo;الطوابق الثلاثةraquo;، وكان بيسوا قد كتبه بالانكليزية، لكن الغريب في الأمر أن ثمة فكرة متشابهة مع ما كتبه ـ بعد عقود ـ الكاتب الفرنسي جورج بيريك في روايته quot;La vie mode dquot;emploiquot;، حيث نجد أن ثلاث عائلات تقطن في بناية واحدة وهي تمثل ثلاث طبقات اجتماعية، نتابع عبرها حيواتها المتعاقبة، في ما يبعدها عن بعضها البعض، كما في ما يقربها من بعضها أيضا. لكن ما يختلف عند بيسوا هو رغبته في أن تكون هذه البناية، هذا المكان الميتافيزيقي الذي يبدو أشبه بالثالوث المسيحي. أما السيناريو الآخر، وقد كتبه بالانكليزية أيضا، يحمل عنوان laquo;الأرستقراطي المتعددraquo;، حيث نجد أن غالبية شخصياته تنتمي إلى الطبقات الراقية، لكن عرضة لسخرية خدامهم، ما يتيح لبيسوا الفرصة في أن يفكر بهذه العلاقة الجدلية ما بين السيد وخادمه.
قد لا يكون وجه بيسوا السينمائي على درجة كبيرة من الشهرة، إذ نكتشف ذلك حاليا، لكن علينا أن نعترف أن هذا الوجه، وعلى الرغم من قلة أهميته في هذا البناء المتعدد الذي شيده، يتيح لنا أن ندخل إلى حياة أخرى، كانت مصنوعة من كل هذا القلق الذي لم يعرف دواء له، إلا محاولات كتابة بقيت رهينة هذه الحقيبة.
باختصار
إذا ما أتاح لنا الكتاب السابق في اكتشاف الوجه السينمائي لبيسوا، فإن كتاب بـlaquo;اختصارraquo; يتيح لنا أن نتعرف على laquo;الفكر الفلسفيraquo; لهذا الشاعر. صحيح أن laquo;الاختصارraquo; كان ضد طبيعة الشاعر، بالأحرى كان يعده ضد الطبيعة البشرية، على الأقل إذا كان يكتب نثرا. ألم يقل في laquo;كتاب اللادعةraquo;، وبسخرية: laquo;لم يتراء لي البتة أنه بين نقطتين أ. و ب. كان الخط المستقيم أقصر الطرقraquo; من هنا شكل الاختصار بالنسبة إليه أمرا أسوأ من اللامعنى أو من غيابه.
ومع ذلك، تقدم laquo;منشورات بورغواraquo; مختارات من الأفكار المختصرة العائدة لبيسوا التي كان قد رماها صدفة على الأوراق وبشكل متفرق، لتجمع في الطبعة الفرنسية للمرة الأولى. مثله مثل أوسكار وايلد أو مثل برنارد شو، كان بيسوا يتحكم بالسخرية بحرفنة كبيرة وإن جاءت بحجم مختلف. فما كان يتراءى لهذين الكاتبين البريطانيين بمثابة نزوة أو نتوء كان يشكل عند بيسوا تجربة خام، ومن دون أي استعداد، لفكر مرير، أليم في أغلب الأحيان، مولود من تجربة طويلة في التوحد والانعزال. هو توحد عاطفي، إذا جاز التعبير، لكنه أيضا توحد هذه الروح العليا التي ترغب في أن laquo;تقتلraquo; هذه التفاهة المسيطرة على كل شيء.
هذا الانعزال الموسوم بالقسوة، أو بالأحرى بعزة النفس المتطلبة، هو ما يشكل السمة المسيطرة على هذه التأملات والشـــذرات المتناقضة، التي يتضمنها كتاب المختارات هذا. غالبية الشذرات لم يسبق لها أن صـدرت بالفرنسية من قبل. وسيتعرف قراء بيسوا بالتأكيد على الموضوعات التي يقترب منها والتي جاءت عبر بيسوا نفسه كما عبر بدلائه وبخاصة برنارد شواريش أو ألفارو دو كامبوش أو حتى البـارون دو تيف. شذرات تخبرنا عن مكانة الإنسان في هذا الكون، عن مسألة وجود الله، مواجهة الوعي البشري مع الفن أو مع الحــــب... بالإضافة إلى العديد من الموضوعات التي سبق له أن عالجــــها وتحدث عنها في كتبه السابقة كل بيسوا الفكري هنــــا، لكنه بlaquo;اختــصارraquo;. ومع ذلك، اختصار يحدثنا بالكثير الكثير.








التعليقات