حلل مأزق الثقافة العربية وكشف أسبابه
الناقد د.صلاح فضل : شعوبنا لا ينقصها الوعي ولا العقليات
لكن نظمنا تخنق وتقتل وتحبط وتفسد طاقات أبنائها
محمد الحمامصي من القاهرة: يعد الناقد الكبير د. صلاح فضل واحدا من النقاد الكبار القلائل الذين يتمتعون بحيوية وفعالية الحضور علي الساحة النقدية العربية، فهو يواصل قراءاته ومتابعاته وتحليلاته حاضرا بقوة داخل فعاليات حركة النقد والإبداع والثقافة، شغل العديد من المواقع الثقافية المهمة حيث تولي رئيس دار الكتب والوثائق القومية،
ومنصب المستشار الثقافي لمصر في أسبانيا ومدير المعهد المصري للدراسات الإسلامية لمدة خمس سنوات، وعمل عميداً للمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، ورئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة عين شمس، وهو خريج كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1962 وحاصل علي الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة مدريد المركزية عام 1972 ، ودرس فيها ثمّ في جامعة عين شمس منذ عام 1979، وساهم بالكتابة في العديد من الدوريات العربية، واشترك في تأسيس مجلة quot;فصولquot; وعمل نائباً لرئيس تحريرها، كما اشترك في تأسيس الجمعية المصرية للنقد الأدبي وعمل رئيسا مناوبا لها منذ عام 1989 .
وتحتل مؤلفاته في المجال النقدي مكانة متميزة حيث تجمع بين التنظير النقدي والتطبيق، ومن أهم هذه المؤلفات: نظرية البنائية في النقد الأدبي، منهج الواقعية في الإبداع الأدبي، تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، إنتاج الدلالة الأدبية، بلاغة الخطاب وعلم النص، تحولات الشعرية العربية، مناهج النقد المعاصر، لذة التجريب الروائي . وقد حصل د. صلاح فضل علي عدة جوائز مصرية وعربية منها جائزة البابطين للإبداع في نقد الشعر في عام 1997م ، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب في عام 2000م . عضو مجمع اللغة العربية. وفي هذا الحوار معه نتعرف علي رؤيته في الواقع الحالي للثقافة في عالمنا العربي .
** هل الثقافة العربية في ظل تحديات كثيرة ومعقدة سواء داخلية أو نتيجة ضغوط خارجية؟
** في تقديري أن النصف الأول من القرن العشرين الذي كان يشهد طفرة ثقافية في مراكز الإنتاج الثقافي حينئذ في مصر والشام والعراق كان يضمر كثيرا من التفاؤل بالنسبة للمستقبل، ولم يكن يتصور آن مجرد شيوع حركة التحديث المجتمعي في الأبنية السياسية والاقتصادية والثقافية وفي أسس الدولة الحديثة والذي كان يتخذ بؤرته في هدفه الأساسي في استقلال هذه الدول عن المحتل الأجنبي سواء كان الإنجليزي أو الفرنسي يجعل حلمه في الجلاء والاستقلال غاية المني ونقطة الانطلاق لمستقبل مشرق ، مازلت مثلا أتذكر قصيدة شوقي التي غنتها أم كلثوم و مطلعها الغزلي الفاتن:
بأبي وروحي الناعمات الغيدا الباسمات عن التيم نضيدا
الرانيات بكل أحور فاتر يذر الخلي من القلوب عميدا
إلى أن يقول شوقي :
و الله ما دون الجلاء ويومه يوم تسميه الكنانة عيدا
كان هذا في العشرينيات من القرن الماضي يجعل تحقيق الاستقلال بداية الأعياد لا السياسية ولا الاقتصادية ولا الاجتماعية ولكن الكونية للوطن العربي بأكمله، ثم جاء النصف الثاني ليشهد تعقيدات وتحديات في غاية الخطورة، تصورنا أن الحركة الثورية التي استهلها الضباط الأحرار في مصر العام الثاني والخمسين سوف تضع هذا الحلم للدولة القوية المستقبلية موضع التحقيق خاصة و قد عملت آلة دعائية جهنمية وحاجة المجتمع العربي إلي صناعة البطولات علي تجسيد هذا الحلم في شخص عبد الناصر الذي أترع وجدانات الجماهير بالأمل لكن لم نلبث وأبناء جيلي علي وجه التحديد الذين شهدوا ذلك أن سقطت فوق رؤوسنا جميعا مطرقة السابع والستين ، أفقنا مذهولين من الصدمة، لم تكن صدمة بهزيمة القوي العربية أمام الكيان الصهيوني فقط ، لم تكن صدمة عسكرية، ولكنها كانت في جذرها صدمة الحلم وإفلاس ثقافة الغوغائية وجفاف البحيرة ووضوح ما فيها من أسماك ميته، كانت الزعامة المحصلة الأخيرة تسير في غير الطريق الأساسي الذي لابد أن تسير عليه الدول التي تبني ذاتها ، كانت هذه الزعامة زعامة عبد الناصر علي افتتاننا بها أيامها أمامها تجربة مرافقة وهي تجربة نهرو في الهند مثلا ، وكان نهرو وتيتو رفيقا عبد الناصر، لكن نهرو اختار للهند طريق البناء العلمي في الثقافة والديمقراطية المتوازنة بين آلاف الطوائف والأعراق واللغات الذي يشكلها الهند وبحر الفقر المتقع ، وأسفرت اختيارات الهند منذ نهرو حتي الآن عن استمرار الهند كقوة عظمي نتيجة للعلم وللفكر وللثقافة وللطاقة الذرية وللصناعات الدقيقة ، وأما نحن فحتي دولة الوحدة التي لم نكد نهنأ بها سنتين أو ثلاثة تفتت وهي تتشكل لأن العقلية عسكرية ، والاستقلال أصعب من الاحتلال ، وبناء الدول لا يتم إلا بالحرية و الديمقراطية ، وهذا هو الحلم الحقيقي الذي يتعين علي كل الأجيال الحالية والقادمة أن تؤمن به وأن تستهدفه ، كان المثقفون وأركز هنا وضعهم في غاية الغرابة في الخمسينيات و الستينيات ، لا أريد أن أستعيده كثيرا ، لكن أدلجة الوعي وفقدان البوصلة الحقيقية جعلهم لا يقوون علي قيادة الفكر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ، تركوا للسياسيين هذه القيادة العشوائية فتخبطنا تخبطا شديدا في عواصف عدة ، من اتجاهات اشتراكية بذلنا في خلاصة طاقتنا وتحالف مع الكتلة الشرقية عبر العقدين السادس و السابع من القرن العشرين إلي اول السبعينيات ، ثم الاتجاهات المضادة تماما الأوروامريكية والموالية للغرب إلي درجة التبعية ، والتي نقضت كل غزل البناء الاشتراكي السابق علي يد السادات ، ثم كانت فترة التجميد الكبري في العقود الثلاثة الماضية علي يد مبارك . ما أريد أن أقوله فيما يتصل بالثقافة ألخصه في ثلاث نقاط : النقطة الأولى هي أن عدم وضوح الرؤية اللبرالية المتحررة التي تؤمن بالدولة المدنية و بحتمية الوصول إلي التجربة الديمقراطية وسيادة التفكير العلمي أدي إلي تأرجح الشراع العربي ـ خاصة في المراكز ذات الثقل الحقيقي في توجيه السفينة العربية ـ بين تيارين متناقضين التيار الماركسي الذي كان مؤدلجا إلي درجة كبيرة والتيار المناقض له والذي اشتعل لمقاومته وهو التيار الإسلامي ، هذه التقلصات الأيديولوجية الحادة هي الوجع الحقيقي للثقافة العربية ، لم نكد نبرأ من العصف الأيديولوجي الماركسي والذي هدأ بعد سقوط نموذج الاتحاد السوفيتي حتي بدأنا نتعرض لعواصف أشد ضراوة تريد ان تعيد التاريخ إلي الماضي ، وتتصور أن هذا الماضي هو الذي ينبغي أن ينتصب حلما للمستقبل وهو تصور مستحيل لا يصح في أي فهم صحيح ، وهذا التصور يغفل أن كل الشعوب التي سبقتنا الي التنمية و الي التقدم والأخذ بأسباب القوة لابد أن تمر من الباب الواسع لمقدس العصر الحديث وهو الحريات في مستوياتها السياسية و الديمقراطية و في مستوياتها الاقتصادية .
هذا المأزق الذي نواجهه يضاف إليه مأزق آخر لا نستطيع أن نتجاهله وهو أن المنظور العام لوحدة اللغة العربية وتجانس العقيدة بين الإسلام والمسيحية في الوطن العربي يوهم للوهلة الأولى أننا بالفعل أمة واحدة لكن التمايزات والاختلافات القطرية الحادة في درجة نمو المجتمعات وتطورها بين المشرق العربي والمغرب العربي وفي الإمكانات الاقتصادية بين الدول النفطية وغير النفطية خلقت توترات بالغة الحدة والخطورة في جسد العقل العربي ، لو صح هذا التعبير من ناحية فإن المجتمعات التي سبقت إلي حركة النهضة مثل المجتمع المصري والشامي والعراقي والمجتمعات التي أفادها قربها من البلاد الغربية في تجربتها المتوسطية مثل الشمال الأفريقي تختلف جذريا في درجة نموها المجتمعي عن مجتمعات الخليج العربي ، لكن المفارقة أن هذه المجتمعات الخليجية التي كانت تسير في نموها تعيش عصورا أخري مختلفة عن عصور المناطق الأخرى العربية قفزت فجأة إلي مركز القيادة في العقدين الأخيرين ، واستشرت فيها الأفكار السلفية ، وتصورت أنها بامتلاكها للقوة المادية أصبح من حقها أن تفرض نموذجها الفكري والمجتمعي علي بقية الأقطار المجاورة لا عن طريق الزعامة السياسية و لكن عن طريق النموذج الاقتصادي ، العمالة مثلا المصرية والشامية تذهب إلي هذه البلاد ولا تلبث أن تعود مشبعة بأفكارها ، فلم يتح لمجتمعاتنا أن تحافظ علي ما أحرزته من درجة وعي وتقدم مدني في العقود السابقة ، بل انتكست لكي تتواءم مع هذه المجتمعات القائدة .. انقلبت العربة وأصبحت القاطرة هي المقودة ، وهذا أدي الي تأزم داخلي في بنية الثقافة العربية .
الظاهرة الثانية التي أتوقف عندها مليا هي أنه علي ضخامة رؤوس الأموال المتوفرة في الوطن العربي ، فكلها مكدسة وغير فاعلة ، والمراكز المالية الغربية والأجنبية لا يستثمر أي شئ منها لتنمية العقل ولا الثقافة ولا العلم ، في ظل غيبة الإبداع العلمي عن الخارطة الإنتاجية للثقافة العربية ، الأمر الذي جعلها ثقافة تابعة وهامشية وغير مؤثرة علي الإطلاق في حركة الحضارة الحديثة .
الظاهرة الثالثة والفاجعة أنها ثقافة شديدة الاغترار بذاتها وشديدة الاستحضار لماضيها والفخر به ، وبالتالي مصابة بنوع من حساسية الشعور الحاد بالذات وتضخم الاعتداد إلي درجة خطيرة ، وأخذ هذا طابعا أيديولوجيا يتصل بالعقيدة علي وجه التحديد ، فبالرغم من أننا قد أفرزنا في العقود الأخيرة نتيجة للعوامل التي أشرت إليها من قبل تيارات إرهابية هددت أمن العالم إلا أننا لا نزال نشكو وبملء صوتنا إذا وجه أحد إلينا الاتهام بهذا الصدد ، وتصورنا أن هناك حربا ضروسا علي معتقداتنا وعلي ديننا ، وربما أدي بعض الحمق السياسي للقوي الأحادية الغاشمة التي تتحكم في مصير العالم الآن ، وهي قوة الولايات المتحدة التي تشهد أغبي إدارة يمكن أن تتولاها ويقودها المحافظون الجدد ، أدي حمق هذه الإدارة إلي تفاقم مشكلة ما يسمي بالإرهاب السياسي الذي أصبح تهمة لا نستطيع أن ندعيها ولا نستطيع أن ننفيها في الوقت ذاته ، لأنه بالفعل يستخدم الدين لدي فرقاء كثيرين منا يتوهمون أن بوسعهم إصلاح العالم وأنهم مفوضون بنشر الإسلام بالقوة أو علي الأقل بردع القوي المعادية لهم و، أغرب ما في هذا السياق هو أنهم يرون بأم أعينهم أن مصادر القوة تتجسد الآن في العلم والمعلومات ، تملك علما ومعلومات في عصر المعرفة الحديث يمكن أن تمتلك قوة تستطيع أن تجعلك ندا للآخرين ، ومع ذلك لا يبذلون أي جهد لامتلاك العلم أو المعرفة ولا امتلاك المعلومات ويكتفون بوضعهم الاستهلاكي والمهمش ، ويعادون العالم معتقدين أنهم قادرون علي تغييره ، وهم في حقيقة الأمر لا يستطيعون إلا تهديده بالدمار ، وإذا أضفنا إلي كل هذه العوامل السرطان المتمكن من الجسد العربي والذي استزرع فيه منذ منتصف القرن المتمثل في إسرائيل أدركنا بشاعة الوضع الكلي للثقافة العربية الآن ، حيث أنها ترضي الأعداء لكنها لا ينبغي ان ترضي أهلها أو ترضي الغيورين عليها ، لأنها تفتقد العناصر الأساسية التالية : أولا سيادة التفكير العلمي حيث مازلنا محكومين في معظم تصرفاتنا بالتفكير الغيبي إلي درجة كبيرة ، وثانيا تفتقد المؤشر / البوصلة الحقيقية لتقدم كل الشعوب حتي الآن وهي اعتبار أن الديمقراطية هي المنطلق الحقيقي للنمو والتقدم وعلي الأقل إذا كانت النخبة المثقفة قد آمنت أخيرا بذلك فلازالت الأغلبية العظمي لا تؤمن بذلك من أبناء الشعب العربي في مختلف الأقطار ، وتكتفي بحلم رغيف الخبز القريب أو مشاغل الحياة اليومية البسيطة ، وتفتقد المشروع الحقيقي في التنمية الفكرية العلمية ، الشيء الوحيد الذي يعزي قليلا وضع الثقافة العربية هو أن الإبداع الأدبي فيها يتنامي بقدر اتساع موجات التعليم .
إن دخول مراكز إنتاج أدبي و ثقافي جديدة علي خارطة الثقافة العربية إلي جانب المراكز القديمة، وبروز مواهب حقيقية في مختلف مجالات الفنون الأدبية ، السبب في ذلك في تقديري أن الإبداع الأدبي جهد مشروعات فردية ، يمكن بجهدك الشخصي أن تصبح شاعرا عظيما لو كنت موهوبا ، وأن تصبح روائيا أو كاتبا ، لكن لا يمكن بجهدك الشخصي أن تصبح عالما كبيرا في مجالات الفلك أو الطب أو غير ذلك لأن هذا يرتبط ببنية مجتمع علمي لابد من تكوينها و بتضافر اختصاصات متعددة وباستثمارات مادية وبشرية وبمؤسسات علمية وبمناخ نفتقده في كل أرجاء الوطن العربي دون استثناء .
* هل يعني كلامك هذا أنه لم يكن هناك ثمة بوادر لمشروع نهضوي فكري عربي ؟
- بالتأكيد كانت هناك موجات وبوادر عديدة وليست بادرة واحدة لمشروعات نهضوية عربية ابتداء من القرن التاسع عشر لمطلع القرن العشرين لمنتصف القرن العشرين ، كلها موجات وذات زخم قوي جدا نهضويا ، لكن المشكلة هي هذه التوترات والتقلصات والانحرافات التي ضلت غاياتها ، يعني كنا في الاتجاه الصحيح كما أسلفت طالما كنا دولا محتلة وهدفنا الأساسي هو الاستقلال ، حصلنا علي هذا الاستقلال الشكلي ، ثم لم نعرف كيف ندير مجتمعاتنا بعد ذلك كما تدار المجتمعات الحديثة ، ظللنا نحكم بطريقة قبلية وبطريقة ديكتاتورية ، وعلي أحسن الفروض بطرق فاشية عسكرية ، وهذا لا يبني مستقبلا للشعوب علي الإطلاق إلي أن نخرج من هذه الدائرة ، وندرك أن الخط الاستراتيجي والبوصلة الحقيقية التي توجه طاقاتنا نحو المستقبل لابد أن تعبر من باب الديمقراطية الحقيقية ، وليست تلك الأشكال المزيفة التي تفننا في تجميلها وصناعتها كأوهام ضخمة نتشدق بها وهي غير ماثلة في الواقع ، جمهوريتنا تتحول إلي ملكيات وهذا مسار سخرية في العالم كله ، لم يحدث في أي منطقة في العالم أن تحولت الجمهوريات إلي ملكيات ، لكنه يهدد بان يصبح هو القاعدة لدينا ، فمعني ذلك أننا حتي الآن في مجموع الرأي العام ، ودعك من النخب الطليعية مع أنها هي القائدة في إحساس المواطن العادي بضروراته المستقبلية ، لم نكد نستوعب هذه الضرورة ، وما أتمناه أن تصبح هذه الضرورة هي البديل الحقيقي والمشروع للحلم القومي في الخمسينيات ، مثلا quot;حلم الوحدة العربية الكبرىquot; التي تغني الناس بها تحت زعامة عبد الناصر تبين أنها كانت وهما ، لأنها لم تدرك التحديات الحقيقية الداخلية والخارجية ، وبنية المجتمعات المفككة كانت تحتاج إلي توحيد اقتصادي وتوحيد ثقافي وتوحيد في درجة النمو المدني ومفهوم الدولة ذاته قبل أن تقفز علي التوحيد السياسي ، لم نأخذ هذا الطريق وبالتالي لو جعلنا حلم الديمقراطية وأعتقد أن هذا هو التحدي الذي يواجه المثقفين الآن ، وليسوا جميعا مجمعين عليه لأن فريقا كبيرا منهم خاصة من يتخفون وراء الخطاب الديني يظهرون ويرفعون شعار الديمقراطية كما يرفع قميص عثمان وسيلة للقفز علي الحكم لذبح وإجهاض أي محاولة ديمقراطية، لأنهم عندئذ سيحكمون باسم الله ومن يحكم باسم الله فرض وصايته علي البشر وانتهت فرصة تداول السلطة والديمقراطيات ، إذن القوي السياسية الحقيقية في العالم العربي لم تتجذر لدي عامة الناس ولدي الشعوب ذاتها حتي يمكن أن تقوي علي فرض إرادتها في تبادل السلطة و تداولها وفي المشروع الديمقراطي والتنموي الحقيقي .
*في ضوء مفهوم المثقف القائد و حامل رسالة الوعي والتنوير في المجتمع .. هل هناك مثقفون في الوطن العربي الآن أم هناك خدام سلطة؟
-لا ينبغي أن نكون قساة علي أنفسنا ، لاشك أن الوطن العربي ارتفعت فيه نسبة التعليم وارتفعت فيه نسبة الوعي ونسبة الثقافة ، وبينما كان المثقفون في العقود الماضية أفرادا معدودين أصبحوا الآن فيالق وأعدادا كبيرة، منهم بطبيعة الحال الموالون للسلطة والانتهازيون وترزية القوانين وغير ذلك من الأصناف التي تشير إليها لكن منهم أيضا مخلصون حقيقيون وأنا أؤمن أن هؤلاء المخلصين لو واتتهم الفرصة أو عندما تتاح لهم الظروف سيظهرون طاقات وإمكانيات مدهشة، لقد عاصرت حالة مثل ذلك عندما كنت في أسبانيا حيث شهدت فترتين الأولى كانت فترة فرانكو وقد طالت ديكتاتوريته أعواما طويلة دخلت في أربعة عقود، ومن كان يعيش في أيام فرانكو لم يكن يتصور أبدا أن هذا الشعب المقموع بالقوة الفاشية لفرانكو يمكن أن يكون فيه مفكرون ومبدعون وساسة من الطراز الأول، لكن عندما مات فرانكو واختار الملك خيار الديمقراطية علي عكس ما كان يعده له فرانكو ، إذا بالمفاجئة المدهشة أنه من بين صفوف آلاف المحامين والمهندسين ورجال الإدارة والتجار برزت إمكانيات سياسية وزعامات فرضت نفسها علي المناخ الأوربي بعد ذلك كعقليات مدهشة ، فما أريد اأن أقوله هو أن الديمقراطية تصنع وهجها وبطولاتها وزعاماتها فقط لترفع الديكتاتورية والقمع والسلطات الأبدية المتحكمة يدها عن قامات أبناء أي شعب في المنطقة العربية ، وستجد أن عدد النابغين في مجالات الممارسة السياسية والاقتصادية والعلمية والإبداعية يفوق ما كنت تتصوره بمراحل ، أنا أؤمن أن شعوبنا لا ينقصها علي الإطلاق الوعي ولا تنقصها العقليات بدليل أن معظم المؤسسات الناجحة في العالم الغربي حافلة بالعناصر العربية المهاجرة، وهي تبدع وتنتج وتثمر علي أعلي مستوي لأن النظام الذي يعملون في نطاقه ويندرجون ضمن تروسه يستخرج فيهم أجمل ما لديهم ويبرز أعظم مواهبهم ، بينما نظمنا تخنق وتقتل وتحبط وتفسد طاقات أبنائنا ، كيف يمكن لنا أن نصل في الوطن العربي ـ ولو في عدة دول تبدأ هي بذلك ثم تكر المسبحة بعد ذلك وتتعبها بقية الدول ـ إلي تهيئة الجو لخلق هذا النظام الذي يحل التنافس الحر الخلاق والإبداع الحقيقي محل القمع والفساد والسيطرة والديكتاتورية ؟ هذا هو المنطلق.









التعليقات