عبدالجبار العتابي من بغداد:أهدتنا السيدة الدكتورة خيال الجواهري ابنة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري كتابها الصادر حديثا الذي يحمل عنوان (الجواهري.. النهر الثالث) الذي افتتحته برسم للجواهري كتبت تحته (سلاما ايها الباقي.. واعمار الطغاة قصار)، وهو ما يتواءم مع عنوان الكتاب، فالنهر باق لاسيما اذا كان مثل الجواهري المتدفق ابدا، وفي صفحة لاحقة يكون الاهداء (الى المرأة العراقية الصامدة الصابرة)، وهو تعبير عن نفس الدكتورة خيال التي واكبت الظروف التي عاشتها المرأة العراقية عبر عقود طويلة، فركزت على صفتي الصمود والصبر، ثم تأتي المقدمة التي تقول فيها: (مرة اخرى ومن وسط اكداس المقالات والشهادات والدراسات المتنوعة التي نشرت عن الجواهري الكبير بعد رحيله في الصحف اليومية والمجلات والانترنت.. اقتطف وانتخب باقة منها لتكون بين دفتي كتابي المعنون (الجواهري.. النهر الثالث) وليضاف الى ما سبقه من كتب حملت عناوين: (الجواهري.. سيمفونية الرحيل) و (الجواهري.. مسيرة قرن)، ولتكون بمجموعها مصادر لا تخلو من الفائدة والمعرفة والتحليل وبما تنطوي على جديد ومبتكر وربما للتعريف بجوانب تكاد تكون مجهولة للقاريء، واذا اخذنا بنظر الاعتبار الحصار الفكري المجحف الذي مورس من قبل النظام الدكتاتوري الدموي على شخصية الجواهري والابحاث التي تتناول شعره وحياته وعلى مدى عقود عدة).

وتضيف: (كلي امل وثقة في ان يلعب مثل هذا التوثيق والتجميع لما ينشر عن الجواهري وطبعه في مطبوع له دوره الايجابي والفاعل لالقاء الضوء على محطات ومنعطفات جديدة في حياة الشاعر وشعره وبما يجعل منه معينا ومنهلا للباحثين والدارسين لعالمه الشعري والابداعي ورؤاه المستقبلية وارتباطه الحميم بقضايا شعبنا العراقي والعربي والانساني.. فضلا عن البيئة التي نشأ فيها وتمرد عليها، وكل ما له علاقة او صلة بمراحل حياته المتنوعة والزاخرة بالتناقضات والتعارضات).

وهذا يؤكد ان العمل الذي قامت به ليس سهلا، فالامر يحتاج الى انتقاء وحرص ودراسة ايضا كي لاتتشابه الافكار والرؤى ولا تؤدي مهمتها، وكانت الاختيارات ذكية، لان الحديث عن الجواهري الانسان والشاعر لم ينقطع على الرغم من مرور نحو 13 عاما على رحيله الذي كان في 17 /7 / 1997 في دمشق.

الكتاب الذي يقع في (350) صفحة من الحجم الكبير، يضم بين طياته (54) موضوعا ما بين لقاء ومقالة وقصيدة شعرية مما قيل بحق الجواهري، فضلا عن ببلوغرافيا عن الكتب التي صدرت عن الجواهري، اما اطلاق تسمية (النهر الثالث) على الجواهري فكان تماهيا مع النهرين الخالدين في العراق (دجلة والفرات)، والعنوان بالطبع ليس من عنديات الدكتورة خيال، وانما هي نقلته عن رأي للشاعر الفلسطيني الراحل (محمود درويش) بالجواهري، الذي هو (اعتبره احد انهار العراق الثلاثة، فهناك دجلة والفرات والجواهري)،وهي تسمية مميزة لاسيما انها صادرة من شاعر مرموق، كما ان الدكتورة خيال في الكتاب لا ينطبق عليها المثل القائل (كل بنت بأبيها معجبة)، لانها لم تكن المعجبة الوحيدة به، بل انها لم تكتب سوى تلك المقدمة التي وجدت نفسها مضطرة اليها لتبيان وتوضيح عملها، وهي هنا مارست مهنتها في (علم المكتبات)، كما ان الدكنورة خيال افردت صفحة واحدة في اخر الكتاب ضمت اقوال اربعة من الشعراء العرب الكبار في الجواهري ومنهم محمود درويش فضلا عن كاتب لروائي كبير، فنزار قباني يقول فيه (الجواهري هو ذلك المعمار السومري البابلي العباسي الذي اثبت فقرات القصيدة العربية، ولولاه لبقي ظهر القصيدة العربية مكسورا حتى اليأس)، اما ادونيس فيقول (القرن العشرون، القرن الذي احتضن الجواهري وافرد له مكانا بارزا فيه)، كما يقول سعدي يوسف (الجواهري لايرثى بل يمتدح، فالجواهري علم الحرية وشهيدها، باني البلد والمنفي عنه) كما هناك رأي للروائي عبد الرحمن منيف يقول (يصعب ان نجد شاعرا عربيا انخرط في قضايا عصره كالجواهري، انه لا يقارن بأي من معاصريه)، وهذه الاختيارات كانت ذكية كونها لشخصيات ادبية لا غبار عليها وممن تحترم اراءهم.

ومواضيع الكتاب هذه في مجملها تتناول حياة الشاعر ودراسات وقراءات وانطباعات عن شعره والذكريات معه عبر سنوات طويلة من حياته، والتي تفتح بابا للحكايات وكشف الاسرار للذين عاشوا معه وواكبوه وهو جهد يعطي صورة واضحة ومقربة عن الجواهري، يبدو ان الدكتورة خيال جمعتها بدقة وعناية لتشكل عالما من عوالم شخصية الجواهري ان لم نقل انها دخلت عوالمه كافة من خلال وجهات النظر العديدة لهؤلاء المثقفين المميزين طبعا والذين ذهبوا في تأمل ما ابدعه الجواهري، وتتمثل قيمة الكتاب في تلك الاراء التي جاءت من زوايا متعددة لاناس عاشوا مع الجواهري وقرأوه ودرسوه.

يفتتح الكتاب بحوار للرئيس العراقي جلال طالباني، كانت قناة الحرية قد عرضته اجراه الدكتور برهان الشاوي، وحمل الحوار عنوان (الجواهري شخصية تميزت بمواقفها الوطنية الثابتة) وطالباني كما يعلن انه (احد دراويش الجواهري)، كاشفا عن علاقته بشعر الجواهري وشخصه، ومن ثم تأتي المواضيع الاخرى التي منها: شاعر يرفض مقاعد الذهب ويختار قمة الشعر لاحسان شمران الياسري، وبيكاسو يرسم الجواهري لموفق مكي، الجواهري بين الاسلام والماركسية للدكتور محمد حسين الاعرجي، واطلالة على مطولة تنويمة الجياع / الكلمات جوهر في ميزان شاعر العرب لغزاي درع الطائي، والجواهري.. الاتفاق العراقي لحنون مجيد، وقوة الاحالة واشتغالها في شعر الجواهري للدكتور مالك المطلبي، الى غير ذلك من الكتاب الذين استلقوا تحت خيمة الجواهري، فضلا عن قصائد في الجواهري هي: الى اعز الناس الجواهري العظيم للمحامي عبد الرحمن الصفار، وقصيدة (ياشيخ شعري) للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، وقصيدة (كأنك موجود تروز المعاليا) للشاعرة لميعة عباس عمارة، وقصيدة (شعراء القيام) للشاعر محمد علي الخفاجي، وقصيدة (رحلت ابا فرات) للشاعر محمد الصيداوي.