حسين السكّاف: عن دار quot;الزنبق للنشر والتوزيعquot; صدرت للطبيب العراقي المقيم في الأمارات العربية، أكرم الحمداني، مجموعته القصصية الأولى التي حملت عنوان quot;بغداد والأربعين حراميquot;... العنوان لا يحتمل الدعابة، فهو في الحقيقة مجموعة آلام وحرقة على ما كان يجري في زمن الديكتاتور وما لحقتها من مشاهد وأحداث كارثية بعد زواله بفعل الاحتلال. يلاحظ القارئ هذا من خلال تتابع مضامين قصص المجموعة التي يفتتحها مؤلفها بقصة quot;السفر على حصان حميدquot; الفائزة بجائزة غانم غباش التقديرية في الأمارت العربية لعام 2004، والتي تحكي قصص الهروب من جحيم كان أسمه quot;بلد الديكتاتورquot; والذي تمثل في أغلب قصص الحمداني على أنه بلد: quot;الموت وأشباح الحصار والتهديد والبطالة، يغلفه احساس القهر العميق وانعدام الثقة بالمستقبل المجهول وشعور بالعجز والحرمانّquot; قصة تحكي تبعات الحصار والعوز اليومي الذي كان يعاني منه المواطن العراقي البسيط، الذي اختار مجبراً ترك حبيبته وأهله وموطن ذكرياته ليلتحف سموات أخرى غير سماء العراق طلباً للخلاص. أما القصة التي أختير عنوانها ليكون عنوان المجموعة quot;بغداد والأربعين حراميquot; فيه تحكي عن quot;أميرةquot;، العراقية التي تجاوزت الأربعين منذ أيام دون أن تتزوج، والتي يطرح الحمداني من خلالها تلك الحسرة الواضحة quot;على ما حل بمدينة بغداد من خراب قبل وبعد سقوط الصنم.quot; ليرتبط حديث شخوصها بمقارنة بين حرامية علي بابا وحرامية هذا الزمان: quot;الحرامية صاروا مو بس أربعين، هسا أربعين الف، وبغداد حايرة!quot;... شخوص القصة ربطهم أسفهم ودموعهم وهم يشاهدون جسر الصرافية حطاماً... quot;انهارت الدموع حينما شاهدوا جسر الصرافية يهوي بين أحضان دجلة مضرجاً بدمائه... كانت تلك اللحظات المؤلمة صدمة عنيفة للبغداديين، أحسوا أن هزة أصابت التاريخ، وأصابت قلوبهم...quot; وعلى الرغم من السرد المبسّط الذي اعتمده المؤلف والذي يأخذ أحياناً شكل الخبر في صياغته، إلا أنه عمد إلى إلتقاط صورة الألم والحيرة وحتى الجزع داخل الروح العراقية، يتجلى هذا بوضوح في قصة quot;سلام ودموعquot; حيث تحكي قصة الارهاب الذي تفشى في العراق... quot;منذ تفجيرات سامراء ورائحة البارود تزكم الأنوف، ورائحة الجثث المحترقة تعتصر القلوب والأجساد تتطاير أشلاء هنا وهناك.quot; القصة تذهب إلى التهديدات والخطف الذي بات يهدد حياة العراقيين وأموالهم، لذا فقد جاءت على شكل معاناة لعائلة تريد أن تبعث ابنها إلى الخارج بغرض الدراسة ولكنها في الحقيقة تريد له ضمان الحياة.
quot;بغداد والأربعين حراميquot; مجموعة قصصية مهداة quot;إلى كل الأمهات اللاتي لم ينعمن بلقاء أحبتهن قسراً، رضوخاً لسلطة ظالمة...quot; وفي مقدمة الإهداء نقرأ: quot;إلى روح أمي الغالية التي أفتقدها دوماً، الأم التي مضت عن الدنيا دون أن أرى وجهها الجميل وأنا أسير الاعتقال...quot; هذا الاهداء الخاص نتلمس خصوصيته وأوجاعة من خلال قصة quot;لن أعيش بلا قمرquot; التي تحكي لنا قصة اعتقال أكرم الحمداني الذي استمر قرابة العام في مديرية الأمن العامة ببغداد... اعتقال راحت ضحيته، والدته التي فارقت الحياة جزعاً على أصغر أولادها، المعتقل وهو في سنته الأخيرة من دراسته في كلية الطب... القارئ للقصة يتلمس ذلك البغض العامر داخل روح الشاب تجاه أزلام السلطة ونظامها خلال الحديث الداخلي الذي كان يدور بذهن الشاب المفرج عنه والذي ظل يحلم بالقمر طيلة فترة الاعتقال... ومن القمر ينتقل بنا المؤلف إلى البحر حين نقرأ في قصة quot;طلعت الشميسةquot;... quot;بلونها الذهبي الممتع تخترق أشعة الشمس نافذة غرفتي المطلة على البحر...quot; كلمة البحر هذه تأخذنا بشكل مباشر إلى الغربة، غربة العراقي الذي لا بحر في بلاده، الغربة التي ما زال الحمداني يعيشها بكل تفاصيلها، والتي على ما يبدو منحته ذاكرة خصبة دفعته إلى جمع قصصه التي كتبها بفترات زمنية مختلفة لتأخذ شكل المجموعة القصصية. هذه المجموعة التي خرجت بصورة احتفالية قد تسبب بعض الارباك للقارئ، حيث الورق الصقيل اللماع الذي يسرق أحياناً متعة القراءة بالاضافة إلى الصور الفوتوغرافية الكثيرة التي كان بالإمكان الاستغناء عنها كي لا يأخذ الكتاب شكل مجلة تعليمية، وهذا بالتأكيد لا يتحمله الكاتب، بل دار النشر التي كان عليها الانتباه لها جيداً.
المجموعة تضمنت كذلك قصص زاخرة بحكايات شعبية لا تخلو من روح الفكاهة، كقصص لاعبي كرة القدم وشخصيات حالمة رغم أميتها وسطحيتها.. وهناك من القصص التي لا ينقصها التفاخر والاطراء بحق شخصيات اختارها الحمداني لقربها منه ورسوخها في ذاكرته. وقصص أخرى تحدثنا عن أطفال الشوارع أو quot;الباعة الشحاذونquot; الذين صار منظرهم المؤلم يشاهد بشكل يومي في شوارع بغداد...
يثبت أكرم الحمداني في مجموعته هذه، أن الذاكرة الخصبة التي يتمتع بها أبناء المنفى العراقي، تبرهن في كل مرة، أن العراقي كلما ابتعد جغرافياً عن وطنه أصبح أكثر التصاقاً به، وهذا ما أشارت به العديد من قصص المجموعة التي أظهر فيها الحمداني حنينه إلى بلده، موطن الذكرى وأرض الأحلام التي تقمّصت طبيعة وخصوصية السراب تحت وطأة الواقع المر.


[email protected]