باسم النبريص: ليس أبلغ من كتاب quot;خيانات اللغة والصمتquot; نقرأه الآن، لنعرف حقيقة وخبايا النظام السوري. وحسناً فعلت دار الجديد ببيروت، حين أصدرت طبعة ثانية منه، ليكون في وسع القارئ العربي قراءته، فيعرف لمَ اجترح الشعب السوري البطل معجزته الكبرى منذ ثمانية شهور، ولمَ لن يعود عنها، مهما كلّف الثمن، حتى يزيل هذا الاستبداد البربريّ من جذوره.

إنه كتاب فادح ومرّ. كتاب مُقبض للنفس والروح. خرجت بهذا الانطباع، بعدما أكملت القراءة. والحق، أنني لم أستطع النوم، في ليلتي الطويلة تلك.
استلقيت على السرير، وقد أزف الفجر، وغصت في عوالم الرعب التي صوّرها الشاعر والمناضل العربي من أجل الحرية: فرج بيرقدار.
فرج، الذي قضى أربعة عشر عاماً بكاملها في زنازين وأقبية تعذيب المخابرات السورية، معزولاً عن الدنيا، وعن عائلته الصغيرة وطفلته.
كتاب فادح بل جارح في فداحته. كتاب، أعادني إلى تجربة الاعتقال المريرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأجبرني على المقارنة، رغم أنفي، وتفضيل أهون الشرّين: شرّ سجون الاحتلال!

أعرف رثاثة الحكم السوري بالقراءة والسماع، وكنت من قبل قرأت روايتَي عبد الرحمن منيف quot;شرق المتوسطquot; و quot;شرق المتوسط هنا والآنquot;. لكنني لم أكن أتصوّر أن ينحطّ نظام عربي إلى هذا الدرك، في تعامله مع أبناء شعبه. فهم ndash; في الأول والأخير ndash; أبناء شعبه، وليسوا مثلنا نحن: شعب محتل أمام جلاوزة احتلال.

كتاب quot;خيانات اللغة والصمتquot;، ليس رواية فيها ما فيها من جدل التخييل الروائي، كما في روايتَي منيف السابقتين، يا ليت! (لكنّا حينها، قلنا :عمل فنّي، يمزج الوقائع بالخيال، ويبالغ، فليس عليه من حرج). ولكنه كتابُ تجربة، لا مكان للخيال الروائي بين سطوره. كتابُ وقائع وأحداث عارية حصلت، وليس لكاتبها، إلا دور شاهد العيان الذي يتذكّر ويكتب.

هنا أنت وجهاً لوجه مع أخسّ وأحقر ما أفرزه الاستبداد العربي، من بشاعات. بشاعات لا تكتفي بميراثها الشرقي المرعب، في النظر إلى المعتقل السياسي، على أنه حيوان لا إنسان ولا حتى آدمي، بل تستعين بأحدث ما ابتكر الغرب من تكنولوجيا تعذيب حداثية، كالكرسي الألماني النازي، والكلبشات الإسبانية الرهيبة. وكأنّ الجلاد العربي البدائي في ساديّته، لا يكفيه ما لديه من ميراث ورثهُ كابراً عن كابر، بل يطمح لمواكبة آخر حداثات تكنولوجيا القمع والتعذيب، ومن بلاد quot;المنشأquot; الأوروبي مباشرةً!

أربعة عشر عاماً أمضاها فرج، ولولا تدخل الغرب بمؤسساته الحقوقية والإنسانية وبعض سياسيه، لكان ربما لهذه اللحظة، قابعاً خلف الأسوار.
يكتب الشاعر بعد انتهاء الكابوس ووصوله لبلاد السويد التالي:

[على كل حال ذهب الأمس ولو مؤقتاً، ولم يعد مِن هناك.
لم يعد اسمي: السجين رقم 13، ولا أبو البيجامة البنية.
أنا الآن فرج بيرقدار.. شاعر وصحفي سوري من مواليد حمص 1951.
أبي أحمد، وأمي خدوج. لي خمسة أخوة وثلاث أخوات، بودي لو أكتبهم جميعاً بحبر الضوء.
عند اعتقالي تركت ورائي طفلة وحيدة، كانت في الثالثة من العمر، وحين عدت إليها وجدتها على مشارف الجامعة. أمها اعتقلت قبلي بأحد عشر شهراً، وأفرج عنها بعد حوالي أربع سنوات، إذ تأكد لهم من خلال اللجان الطبية والمراقبة الأمنية، أنها لا تمثِّل ولا تدَّعي الجنون، بل هي تعاني حقاً من حالة انفصام.]

ويكتب في مقطع آخر هذا المشهد الذي أسال دموعي: [quot; أنتم لم تشاهدوا كيف تتكسَّر البروق في عيني أمٍّ تزور ولدها بعد أكثر من خمس سنوات على اعتقاله، ولم تعرفوا ما يعنيه بكاء تلك المرأة، التي زارت ذلك السجين بعد أكثر من عشر سنوات على وجوده في ذلك البرزخ الملعون. كان هو لا يتمالك نفسه من تكرار ندائه:
يمَّا..كيفك يمَّا.. مالك يمَّا..جاوبيني إيش في يما..؟!
وكانت هي تختنق بالنشيج، وتظل عاجزة عن إخباره بأنها أخته.. وأن أمَّهُhellip;!]
أمه قد ماتت، والأخت ركبها الهمّ والغمّ حتى شاخت وصارت أشبه بأمها المتوفاة! فظنّها الأخ أمه. يا للهول.

أكتفي بهذين المقطعين، من كتاب كله على هذه الشاكلة. كله ألم في ألم. وأشكر الله أن قُيّضَ لهذه التجربة الرهيبة قلمٌ بحجم قلم وقلب شاعرٍ مرهف ومناضلٍ عنيد من أجل الحرية اسمه فرج بيرقدار.
ويا فرج!
أبشر يا أخي. شعبك قام من بين الأموات، ولن يعود بعد اليوم للموت مرة أخرى.
أما جلاد الشعب السوري، المجرم ابناً عن أبّ، فنقول له ما قال سركون بولص:


quot;أيــهــا الــجلاد
عُـــد إلى قــريـتـك الـصـغـيـرة
لــقــد طــردنــاكَ الــيــوم، و ألــغـيـنـا هــذه الوظـيـفـةquot;.