سطام الرويلي من الرياض: سعدية مفرح شاعرة وكاتبة وأديبة كويتية وصاحبة تجربة طويلة مع الصحافة الأدبية.. متفائلة بما هو آت ومؤمنة بسلاح الكلمة وبأن المثقف الحر ما زال قادراً على التأثير بمحيطه، وترى في حوار مطول مع quot;إيلافquot;، أن الكويت هو وطنها الذي لم يغادرها ولو أنها لا تحمل جنسيته، وتعتقد أن ثقافة المطالبة أجدى من ثقافة الشكوى والاستعطاف.

* بداية حدثينا عن سعدية مفرح كما ترينها؟
ليتني أراها فعلا لكي أحدثك عنها.أحيانا أتخيلها كائنا افتراضيا، لا يتحقق وجوده على أرض الواقع إلا بالمزيد من الغياب. وفي المرات القليلة التي نجحت في اصطيادها كان مندسة في زوايا القصيدة تفتش عن معنى شارد.
حتى وأنا أنظر لوجهي في المرآة أكاد لا أراني أحيانا. كل ما في الأمر أرى كلماتي وقصائدي، وهي متاحة للجميع بما فيهم أنا. أحاول أن استحضر ذاتي من خلال ما أكتب، وأتمنى أن أصل في النهاية لاستكشاف هذه الذات، والتعرف عليها بشكل جدي. وعندها ربما أنجح في الحديث عنها إن كان ذلك الحديث سيفيد أحدا.

* من يبحث بإنتاجك الأدبي يجد نفسه أمام سيرة ذاتية عريضة ويجد نفسه أمام دواوين ومؤلفات كثيرة.. كيف تلخصين لنا تلك التجربة؟
أقف على عتبة ما أشتهي، وأتطلع لما وراء الباب بفضول وطموح. أرى الضوء البعيد في النهاية، ومصممة على الوصول إليه من دون أن أستعجل أو أهمل ما أنا فيه وما سأمر عليه.
نعم ما زلت في بداياتي الأولى، والكتب الكثيرة التي صدرت لي كلها مجرد خطوة كانت أداتي فيها الكلمة وحدها. أعرف بالتأكيد أهمية الكلمة، ومؤمنة أنها احد أهم أسلحة هذا العصر، لكنني لا أتطلع لاستخدامها كسلاح. لا أريد أن أتخيل نفسي في حرب مع العالم وأن سلاحي في هذه الحرب هو الكلمة. كلمتي هي أنا غالبا. وهي هويتي أيضا، وبالتالي علي أن أرسخها بالمزيد من الكتابة.
أنت ترى سيرتي عريضة، وتعتقد أن كتبي كثيرة، لكنني لا أراها كذلك. بل أعتبر نفسي مقصرة جدا. نعم.. أسرفت كثيرا في الكسل الذي أسميه التأمل والانتظار كلما حانت لحظة عتاب ذاتي، لكنني أتمنى أن أستطيع السيطرة على هذا الإسراف قريبا. وأسرفت كثيرا في الحلم أيضا، الذي أسميه حياتي، ولا أتمنى أبدا أن أوقف هذا الإسراف بل مصرة عليه وعلى تعزيزه ونشر ثقافته بقدر ما استطيع بين الجميع من حولي.
تجربتي المتواضعة هي تجربة في الحلم وفي الأمل.. وهما ما أجيده حاليا أكثر من أي شيء آخر في الحياة.
أما الكتب فهي محاولات مستمرة ولا نهائية لترسيخ تجربتي في الحلم والأمل. أحيانا يفلت مني الأمر، فأنساق وراء كآبات تحيطني بأجوائها القاتمة نتيجة تراكم مشاكل أجدني عاجزة عن حلها أو حتى التعامل معها بأي شكل من الأشكال، لكني سرعان ما أنتفض عليها، وأثور على كل من يسحق تحت وطأتها ممن حولي من أهل وأصدقاء. وفي كتبي التي صدرت لي حتى الآن الكثير من هذه الثورات المتعاقبة.

* :مؤلفات ودواوين مَن مِن الأدباء والشعراء تحرصين على وجودها في مكتبتك؟
كل الشعراء والأدباء موجودون في غرفتي الخاصة، ويشاركونني معيشتي بين جدرانها. أقرأ للجميع بانفتاح شديد، ليس للشعراء العرب بل لكل شاعر استطيع الحصول على نصوصه. أقرأ بلذة، وانساق وراء سحر الشعر ودهشته المضاعفة في وجودي.
صحيح أن لشعراء بعينهم نصيب كبير فيما أقرأ، وهو نصيب يتصاعد تدريجيا وفقا لتصاعد حجم موهبتهم واقترابهم من عوالمي، الا ان هذا لا يعني أنني لا أقرأ الا لمن أحب. أقرأ لكل شاعر، لا أريد أن اقول أنني اقرأ لكل شاعر حقيقي، لأنني أصلا لا أعترف بشاعر غير حقيقي. ولا أصنف الشعراء بهذه التصنيفات المهينة لقيمة الشعر ومعنى الموهبة. وحتى التصنيفات النوعية والاكاديمية التي يحفل بها النقاد ومؤرخو الأدب عادة لا تعنيني كثيرا في لحظات القراءة. لا أصنف القصيدة التي تعجبني بأنها قصيدة كلاسيكية أو قصيدة نثر أو قصيدة تفعيلة أو قصيدة شعبية أو نبطية. هي قصيدة وحسب.

* بعد تجربتك الطويلة في الصحافة ما الذي يضيفه العمل الصحفي للشاعر والأديب؟
الصحافة عمل مثل أي عمل أخر، ولكن لأنها تتعامل بالكلمة أيضا فالجميع ينظر لعلاقتها مع الشعر والأدب نظرة خاصة. وربما للصحافة فعلا خصوصية بالنسبة للعاملين فيها من الشعراء والأدباء لأنها تتيح لهم سهول نشر ما يكتبون، وتساهم في توسيع شبكة العلاقات الانسانية.
علاوة على العلاقات المهنية والاجتماعية، التي يحظون بها. بالنسبة لي كانت الصحافة عشقي الأول، وحلمي الطفولي الصغير، والذي صار واقعا منذ أن كنت في الثامنة عشرة من عمري. أي أنني أصبحت صحفية قبل أن أنشر أول قصيدة لي، وبالتالي لا أستطيع تكرار تلك التهمة التي يرددها الكثير من الأدباء لها بأنها تستهلك وقت الأديب، وربما لغته أيضا.
فما حدث معي العكس تماما، لأنها ساهمت في توصيل تجربتي الشعرية للمتلقي بشكل سهيل وسريع ومبكر جدا، واختصرت بعض الخطوات في بداياتي. وبالنسبة لمجتمع محافظ مثل مجتمعي، وأسرة منغلقة مثل أسرتي كانت الصحافة خير عون لي لأتجاوز الحدود والقيود، إذ وفرت لي مناخا مناسبا للكتابة والنشر والتعرف بالآخرين مما ساهم في تعزيز التجربة الثقافية عموما. أما التجربة الشعرية فلا تحتاج، كما أرى لكل هذا. أعني لا تحتاج لأي عون خارجي مهما كان. فالمرء إما أن يكون شاعرا أو لا... وكفى.

* يلاحظ في الآونة الأخيرة التواجد المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي لنخب كثيرة من الأدباء والشعراء.. برأيك هل تخدم تلك المواقع الإبداع والمبدعين؟
قبل أيام مرت الذكرى السنوية الأولى لانضمامي الى موقع تويتر، وقبله بأعوام كنت منضمة لموقع الفيس بوك، وبالتالي أستطيع أن أتحدث عن تجربتي الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي من خلال هاتين التجربتين اللتين أعتبرهاما من أهم تجارب التواصل مع الأخر في حياتي ليس على صعيد الكتابة وحسب ولكن أيضا على الصعيد الانساني أيضا.
أنا مثلا أصف نفسي دائما بأنني منحازة لكل جديد على صعيد التكنولوجيا، وأحاول الاستفادة من كل إضافة تضيفها لنا التكنولوجيا في سبيل تيسير مهامنا في الحياة. وكل التجارب التي مررت بها من خلال فضاء الانترنت على سبيل المثال تجارب ناجحة جدا. ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مواقع للتواصل الاجتماعي بل تعدت ذلك لتصير منابر اعلامية حرة وتعددية أيضا، بالاضافة الى تميزها بالسرعة وملاحقة الأحداث والأخبار وهذه ميزة مهمة جدا بالنسبة لي. كما ان ميز عدم وجود رقيب لصيق ومباشر على ما يمكننا نشره على مواقع التواصل هذه يمكن أن يجعلنا نقبل عليها بشكل كبير في ظل واقع عربي ما زالت الرقابة تلعب فيها دورا كبيرا.
ولموقع تويتر تحديدا ميز أخرى تتمثل في محدودية عدد الأحرف التي يمكننا استخدامها في كل تدوينة. وهذه الميزة التي يراها البعض عيبا ساهمت في تخليص الجملة العربية من الكثير من ترهلاتها الزائدة.
أما بالنسبة للإفادة الخاصة التي تضيفها للمبدعين تحديدا فأرى أنها تساهم في الترويج لكتبهم وابداعاتهم. أنا شخصيا لمست هذا عند صدور كتابي الأخير quot;سينquot;، والذي أعلنت عنه وعن منافذ بيعه وحفلات توقيعه عبر الفيس بوك وتويتر مستغنية عن الأخبار التقليدية في الصحف الورقية، وفعلا لاحظت أن الإقبال على الكتاب تضاعف مقارنة بكتبي السابقة..

* قلتِ في أحد حواراتك السابقة أن المد الإسلاموي كان من أسباب تراجع الحياة الثقافية في الكويت والعالم العربي.. كيف ترين الآن مستقبل الحياة الثقافية والإسلاميون أوصلتهم الجماهير في عدة أقطار عربية تعيش ربيعها عبر صناديق الاقتراع إلى أعلى أماكن صنع القرار السياسي؟
الجماهير أوصلت هؤلاء عن طريق الصناديق الانتخابية، أي عن طريق الديمقراطية وحدها، وهذا يعني ان هؤلاء الذين وصلوا خضعوا للشرط الديمقراطي إما إيمانا منهم بالديمقراطية، أو لأنهم تأكدوا أنها طريقهم الأسهل والأفضل للوصول. وفي كل الحالات أرى أن النظام الديمقراطي قادر تماما على احتواء مخرجاته مهما كانت. لا خوف من مدة إسلاموي ان كان وصل عن طريق الانتخابات الحرة والمباشرة. ولا أمان مع نظام ليبرالي مثلا وصل عن طريق انقلاب واستمر عبر حكم شمولي.
الإسلاميون الذين وصلوا تخلوا عن شعاراتهم الفضفاضة التي تقول أن الإسلام هو الحل، وتبنوا شعارات أخرى تنادي بالتعددية. وحتى أن كان الأمر غير دقيق أو أنهم استغلوا الديمقراطية للوصول الى أهدافهم أنا اعتقد أنهم الآن أصبحوا تحت المحك الجماهيري، وتحت رحمة الأصوات التي انتخبتهم، وبالتالي عليهم أن يكملوا سيرهم الديمقراطي. وهي بالمناسبة تجربة جديدة بالنسبة لهم وللشعوب العربية بشكل عام. ولا نريد استباق الأمور ومصادرة الافكار المستقبلية حولها.. لننتظر ونرى.. فميادين التحرير التي أسقطت الديكتاتوريات ستظل دائما موجودة، والجماهير العربية عرفت الطريق الى حريتها.. ولا أظن انها ستتخلى عنها بسهولة، ولن تسمح لأحد بالاقتراب منها أو تهميشها تحت أي شعار.

*عام 2011 ستتناقل الأجيال أحداثه فهو عام ربيع العرب..وكونك مبدعة راقبت الأحداث..ما الذي تفجر وتغير بداخلك؟
الكثير جدا. أستطيع أن أسمي هذا العام عام عودة الروح. صحيح أنني متفائلة بطبيعتي ودائما أردد قول الطغرائي: quot;ما أضيق العيش لولا فسحة الأملquot; لكنني في السنوات الاخيرة، وقبل هبوب رياح التغيير كان العيش قد ضاق كثيرا، والفسحة لم تعد تكفي لكي ننظر من خلالها الى الافق، ولهذا فقد كان ما حدث بمثابة عاصفة من الاوكسجين الذي أنعش الروح العربية.
كنت مع التغيير منذ لحظاته الاولى، وكنت أرقبهم ليس باعجاب وحسب بل ربما بمشاركة فعلية من خلال ما أملكه وهو الكتابة. خاصة وأن الكتابة، بنوافذها المختلفة ورقيا والكترونيا، لم تعد أضعف الايمان بل صارت داعما اساسيا للتغير ومحرضا عليه أيضا.

* الكثير يقول ان الشارع أصبح هو من يقود ويسير المجتمع بما فيهم المثقفون..لماذا لم يعد المثقف يقوم بدور قيادي وفكري في مجتمعه..؟
المثقف الحر مازال مؤثرا وسيظل كذلك للأبد. ولكن أين هو المثقف الحر؟ في معظم بلادنا العربية المثقفون الاحرار ملاحقون ومضطهدون وممنوعون من الكتابة والنشر وحتى الكلام. وربما من ممارسة العيش الكريم أيضا. ومعظم المثقفون الاحرار في الاوطان العربية امام في السجون أو في الخارج أو تحت المراقبة التي لا توفر لقمتهم ولقمة عيالهم أيضا. ومع هذا فهناك الكثير من الاصوات التي ارتفعت رغم كل العراقيل التي وضعت أمامها، وما زالت ترتفع، ولعل في المناخات الجديدة في ظلال الربيع العربي ما شجع الكثيرين منهم على خوض غمار الكلمة الحرة والشجاعة.. في مصر الثورة مثلا.. المثقفون يقودون المشهد في وسط الجمهور. أي انهم في هذه الحالة لم يعودوا مثقفين وحسب بل هم أصلا quot;شعبquot;، وبالتالي يقودون الحراك بقوة مضاعفة.
,هنا لا بد لنا أن نسترجع أدوارا كبيرة لعبها مثقفون عرب كبار في التحضير لربيع الحريات بكتاباتهم التي تراكمت على مدى سنوات طويلة وساهمت في تشكيل الوعي الديمقراطي والحقوقي لدى كثير من الشباب العربي. فهذا الثورات على الرغم من وجهها العفوي الا انها نتيجة اراهاصات ساهم المثقفون الاحرار في التحضير لها.
ومع هذا طبعا نذكر بأن بعض المثقفين العرب، وربما علينا أن نقول بعض مدعي الثقافة العرب مما تروج أسماؤهم كمثقفين كبار قد سقطوا في امتحان الثورات، وأنا هنا لا أعني من انحاز منهم للسلطة وحسب، بل أعني أيضا أولئك الذين انقلبوا على أعقابهم وحاولوا اللحاق بقطار الثورة والاستفادة من بعض وهجها الجماهيري والاعلامي. ولعل الفريق الأخير هو الأسوأ لأنه يمارس الدجل والخداع مستغلا ما تتوفر أمامه من منابر صحفية واعلامية قد لا تتوفر للآخرين.

* هل مازلت بلا جنسيه؟
نعم

* للبدون معاناة إنسانية طويلة في كل مناحي الحياة ولا يشعر بألم هذه المعاناة إلا من عاشها او يعيشها.. كيف تصفين لنا تلك المعاناة؟
بصراحة لا أعرف كيف أصفها، وربما لم أدرب نفسي على وصفها على الرغم من أنني أقع تحت طائلتها بشكل يومي. أنا ضد ثقافة الشكوى والاستعطاف، ومع ثقافة المطالبة. أطالب بحقي بكل كرامة من دون أن أستجدي تعاطفا مؤقتا سرعان ما يزول بزوال السبب أو بقلة الإلحاح. فربط حل مشكلة البدون في الكويت بعِظَم معاناتهم الانسانية في مختلف مناحي الحياة لا يعنيني ولا يعني لي الكثير. ولا يمكن لأسباب العيش الكريم والحقوق الانسانية الأخرى أن تغنيني عن حقي بشعوري بمواطنتي مثلا عندما تتوفر.

أرى أن حقي في المواطنة ليس مرتبطا بدرجة معاناتي مهما كانت.. زادت أو قلّت، وجدت أم انعدمت.. فأنا أستحق أن أحمل جنسية وطني في كل حالاتي.. عانيت من هذا الوضع كما يحدث الآن أو لم أعانِ.
وليس من المهم الآن أن أكرر ما اصبح الجميع يعلمه من معاناة البدون في الكويت، فالمهم أن تنتهي هذه المعاناة قريبا، وأن يعود الحق لأهله. أعني بالتأكيد حق المواطنة بشكل رسمي، أما الوطن فلن يعود إلينا ولا نطالب بعودته لأنه لم يغادرنا لحظة واحدة. نحن منه وهو منا. وأنا مثلا ليس كشاعرة فقط بل كإنسان لا أساوي شيئا من غير إحساسي بوطني الكويت.

* ماذا قدمتِ لهذه الفئة وأنت واحده منها؟
أنا امرأة بضاعتي الأمل، وصناعتي التفاؤل، ولن أملَّ أبدا من ممارسة الأمل والتفاؤل وإشاعتهما في نفوس أخواني البدون وخصوصا الشباب، ليس في مقالاتي أو قصائدي وحدها ولا في مشاركاتي في مواقع التواصل الاجتماعي مثلا، بل أيضا في كل أحاديثي وحواراتي المباشرة معهم. لا أطيق أن أراهم غارقين في بحار الأسى والتشاؤم. أكتم حزني في كثير من الاحيان وابتسم لعلهم يستمدون من ابتسامتي شيئا من الأمل. وأشعر انني مقصرة دائما لكن ما حيلتي سوى أن استمر وأحثهم على الاستمرار؟

* ما أبرز الأمنيات التي تحلمين بتحقيقها؟
تختلط أمنياتي الخاصة بالعامة دائما، وأرى أن ما يتحقق على من نجاحات على المستوى العام لابد وانه سينعكس علي.وان أمنياتي الشخصية سأكون أكثر قدرة على تحقيقها في مناخات صحية عامة. ولذلك اتمنى الخير لوطني ولأمتي..وارى ان الخير هذا يتمثل في الحرية و العدل والمساواة بين جميع البشر بغض النظر عن دياناتهم أو طوائفهم او اعراقهم او اصولهم او اجناسهم أو جنسياتهم.. أو حتى درجة إنسانيتهم.