الى محمود البياتي

ذاكرةُ المرء وطنٌ، له فيه عشٌّ وخِلٌّ وأملٌ، وفُقدانُها قلقٌ وترّقبٌ ومنفى.
من قاعها البعيد نستلُّ كنوزَابداعنا، نجمعُها خيطاً فخيطاً، نُحقّقُ بها مآربَنا الإبداعية، من قصص وشعر ورسم، كما يُمكننا أنْ نستدعي صورَها الكابية، بل المُنطفئة، من منظورها البعيد، نُطفيء بها ما عرانا من لظى الأحزان والخيبة والفشل. وخصبُ الذاكرة يعني اليقظة الفكرية وحضورَ الغائب من متاهه المستتر. وما نتذكّرُه من متون أيامنا الغابرة نُسغٌ يُثري أوانَنا الذي نعيشُ. وكذا نستقدَمُ من خلاله بقايا أحلامنا، وبدرجات متفاوتة، من مكامنها المُغيّبة عن النظر نمتاحُ منها ما نُبدعُ من فنّ وعلم، نُكرّسُه / كلاً حسبَ طبيعته / لُانجاز ما يُمدُ حياتنا بالطاقات المتجدّدة والإبتكارات التي تُغني ديمومتها وفقَ متطلبات القفزات النوعية لولوج المستقبل من أوسع الأبواب. اليس جُلُّ ما اخترعَه الإنسانُ حُلماً في مبتدئه، راوَدَ العلماء، بل ظلّ مخزوناً طيّ الذاكرة، ثُمّ استُقدمَ ليتحوّل من فكرة / حلم / الى حقيقة. فلو كان ما في قاع الذاكرة ممسوحةً وشاحبةً حدَّ الضمور لما كان الإنجازُ وتحقّق المُنجزُ العلمي. قوةُ الذاكرة، حتى ولو كانت شظية َخيال، وألقُ حضورها هما زادُ المعرفة والدمُ الذي يُجدّدُ مناحي الحياة. وكلُّ مُنجز علمي كان مثلَ شرارة كامنة طيّ الحجر، / أعني مُخيلة المُبدع / ثمّ استقدمها وفجّرها وأحالها الى مُعطى يُقرّب المستقبل، ويمنحنا ما كان مطوياً في أرحام الغيوب. فمن أينَ يجيءُ مخترعُ الحاسوب بفكرته، والفنانُ بكائنات لوحتة، والقاصُّ بعوالمه القصصية.. (1).. و... و... اذا لم يعتمدوا ما يكمُنُ في أصقاع ذاكرتهم / احلامهم؟ / والنسيانُ، أيّاً كان مردُّه، آفةٌ تقتل الإنسان وهو حيٌّ، يقطعُ صلاته بما حوله، ويُميتُ أبداعه. وكلّ امريءٍ هو مبدِعٌ في حقل ما، وعلى طريقته الخاصّة. وثمةَ ابداعٌ شمولي يخدمُ البشرية، وآخرُ يُسعفُ على تخطّي المصاعب، وثالثٌ يُشبعُ رغبة آنية. ومَنْ يُبتلَ بفقدان الذاكرة ينسَ كلّ شيء / أهله، أصدقاءه، عمله، اختصاصه، شوارع مدينته / وقد تتفاوتُ مدياتُ النسيان عنده. حيناً تبلغُ درجة الصفر حدّ إلغاء كلّ مُعطى فكري، وتُشكّلُ كارثةً لديه، وقد تأتيه ومضاتٌ تذكّرٍ مُتقطّعة بين حين وآخر، تُسعفُه على أداء بعض حاجاته. وقد يكونُ النسيانُ موقتاً ينتهي بانتهاء أسبابه، وقد يطولُ مع امتداد العمر. وفي أكثر الأحيان يُنهي طموحَ المرء / مشاريعَ وآمالاً / الّا إذا تدخّل الطبُّ النفسي وأخضعَه لعلاج يطولُ أو يقصر، أو يبوءُ بالفشل..................................

فاقدُ الذاكرة غريبٌ في وطنه، مُثارُ قلق وترقّب لمَنْ حوله. عبءٌ مستديمٌ ثقيل. وقد يُفلحُ، لكنْ بصعوبة، حين يبدأ مسيرته من نقطة الصفر كما لو كان طفلاً عليه أنْ يمرّ بمراحل النمو العقلي، وربّتما لا تُجدي معه أيّةُ مبادرة، فيظلُّ مشلولَ الكينونة يفتقدُ صحوة ارادته، عالةًعلى سواه. منفيّاً بين أهل زمنه. هنا، في هذا المفترق يتوقفُ الإبداعُ والجهدُ الخلّاقُ والتضحية والبذلُ المقترنُ بالوعي والإرادة.

المبدعون ينهلون خبراتهم من مخزون الذاكرة، من قراءاتٍ رسختْ لديهم، من وعيّ يكتملُ عموديّاً واُفقيّاً ويتنامى على مرّ الأيام. وزادُهم المعرفي هو الذاكرة،انْ فقدوها افتقدوا التواصلَ مع غيرهم ومع الحياة بكلّ أجنحتها المتشابكة. أنا أكتبُ القصة حين استقدم خيوطَ ذكرياتي ومشاهداتي اليومية، أستلُّ منها أدواتي الكتابية، وما تُعينني عليه الذاكرةُ ليس محصوراً بسلسلة الأحداث المُتراكمة في الواعية، بل بكلّ التجارب والخبرات المطلوبة في كتابة القصة، فمن أين أجيء بها وأقبضُ عليها؟ إنها الذاكرةُ، هذا المعينُ السحري الذي لا ينضبُ أبداً. وما يتوفرّ لي يتوفرُّ للرسام التشكيلي والشاعر والمهندس والكيمياوي والطبيب النفسي وكلّ منشغل بحقل علميّ ,.. و... و.. سأذكرُ في هذا السياق أنّني حين صعدتُ الى مكتبة ييرفيللا، لأتصفحَ الصحيفة العربية الوحيدة التي تجيءُ يوميّاً، وجدتُ على ميمنة صالة المطالعة معرضاُ لمنحوتات قاتمة الألوان من الخشب الصُلد والحجر وخيوط الفولاذ والصُمغ، وبأحجام صغيرة تقف على مساند خشب / إمرأةٌ حامل، راهبة تصلّي، ثور هائج، مُهرج، منحوتٌ بعنوان quot;ألمquot; / ثمّ ستُ لوحات لنساء وقفن موديلات للدرس عاريات أو أشباه عاريات رسمت بالفحم على الورق ذات خطوط وايقاعات باهرة في غاية الدقة. فمن أين جاء الفنانُ / هانس اساكسون / بهذه الأشكال، ومن غير المعقول أنْ يقف الى جوار ثور هائج ساعات ليُنجزَ رائعته هذه، وكذا المرأة الحامل وبقية المنحوتات. فهذه الكائنات مخزونة في ذاكرته، فاستقدمها إبّان العمل. وكذا لوحاته الست عن النساء. الذاكرة ُ أمينة ودقيقة ٌ في استعادة أدق التفصيلات، فقد التقطها الفنان منها كما تلتقطُ الكاميرا ما يتمرأى لها بدقة متناهية.

اذاً، لولا الذاكرةُ وما تمنحه إيانا لما كان الفنُ بكلّ فروعه الإبداعية، ولما كان المُنجزُ العلمي الذي نُكرّسُه لديمومة بقائنا وسعادتنا وصحتنا وما يُغذي أجسادنا وعقولنا. ففاقدُ الذاكرة كائنُ بلا هُوية ولا عنوان، يأخذُ ولا يُعطي، يضرّ ولا ينفعُ. أنّه شيءٌ حيٌّ ولا شيءَ في الآن نفسه......

1 - وساُعزّزُ ما قلتُ بمثال : ليلةَ أمسِ رأيتُ حلما يصلحُ أن يكون قصّة، ما زالت بقيةٌ منه مركونةً في ذاكرتي. فأغلبُ معارفي وأصدقائي ينسون أحلامهم، لكني أتذكرها :
( مبنى دائري هَرِمٌ، تزدحمُ واجهتُه الخارجية،أينما تقفُ قبالتها، بأبوابٍ ونوافذ مفتوحة متداعية، وشرفات متآكلة بلا أسيجة حديد، وتحتها دكاكين لبيع الخضار والأحذية والأقمشة والأواني المنزلية والجزارين والمطاعم والمقاهي الصغيرة.. أكادُ أرى خلائقها الداخلية من بشر وأثاث. وربّما كان ذا المبنى صرحاً دائريّاً كبيراً، تتوسطه ساحةُ للرياضة من حولها مقاعد حجريّة، هكذا تخيلتُ، فأنا لم ألجْه من أحد أبوابه، بل تمرأتْ لي قشرتُه الخارجية ذات فوهات درداء فاغرة عراها البِلى والصدوع. كان الوقت مساءً، يغشى مدياته ظلمة ٌ ضبابيّة. وكنتُ أرى اُناسها يتحرّكون، يدخلون ويخرجون من الأبواب، بل كانت باصرتي حادة اسعفتني على رؤيتهم بجلاء. وثمة قبالتي شققٌ، رأيتُ في احداها أمرأة ً عجوزاً تساعدُ رجلاً في مثل سنّها لإعادته الى فراشه، هي تُمسكُ بيده اليسرى تلفّها حول عنقها، وبيدها اليمنى تُطوّقُ خصره مُتحمّلة ً عبأه، كنتُ أرى من مكاني/ وأنا جالسٌ على الأرض، مُسنداً ظهري الى جدار، ماداً رجليً الى الأمام على شكل زواية منفرجة / ظهريهما ومُعاناتَهما حتى وصلا الى السرير، فألقى العجوزُ جسدَه فوق سرير متداع سمعتُ أنينه، قالت له :/ أأنتَ مرتاح ٌ / هزّ رأسه بصمت. عجبتُ من أمري : كيف يتسنى لي أنْ أرى أشياء البيت المُبعثرة هناك وهناك قد غشيتها العَتَمة ُ؟ لم اُدمِ النظر في هذ ا المشهد، بل انتقل بصري الى شقة اخرى، فثمة مهدٌ خشبي في الصالة، ينامُ فيه طفلٌ يبكي، كنتُ أرى قدميه ويديه تضرب الهواء، واسمع بكاءه، اندلقت من فوهة باب احدى الغرف اُمّه، وخفّت تُجاهه، حملته، ولسانُها يترنّمُ باُغنية نسيتُ كلماتها، جلست لصقَ المهد متكئة الى الجدار، أخرجت ثديها ووضعت حُلمتها في فيه وسكتُ صُراخُه. بعدئذ ٍعمّ السكون. ولم أكد أحاولُ أن اُسدّدَ باصرتي نحو شقة اُخرى حتى اكتظّ المرأى /الممتدّ بيني وبين المبنى المُتداعى / بالناس، غبئذ ٍ عرفتُ أنه موكبُ عرس يرسو في أحدى الشقق القريبة أو البعيدة في هذا المبنى، يتقدّم الموكب امرأة عجوز تحمل ُ ثوباً أبيض. لم يكن جديداً، بل ثوبٌ عادي، قلتُ مع نفسي : انه ثوبُ العروسة. ثمّ تتالى المشهد، فتاة تحملُ مرآة، وفتيانٌ يحملون فوانيس، وآخرون بيد هم دفوفٌ وصنوج نُحاس ومزامير. ولم تكن أصواتُها عالية تزعجُ راحة الناس وتخدش واجهة المساء. وبصعوبة لمحتُ العروسين وسط الأحبة والأصداقاء وقطع الأثاث يحملها أشخاصٌ يتبرعون في المساعدة في مثل هذه المناسبة. حتماً كلاهما سعيد حين التقيا أخيراً في هذه المحطة التي تنطلقُ منها حياتُهما الجديدة. وقبلَ أنْ أشيح بنظرى مرتْ الى جواري أمرأةٌ فارعة الطول، وجهُها أنورُ وأبهي من القمر ألذي اشرأبَ تواً على هذا المرأى الغرائبي. كانت تلتفتُ نحوي وتبتسمُ. تباطأت في السير، وربّما تباطأ موكبُ العرس، لكنْ تصاعد صوتُ الموسيقى، ظلت واقفةً قُبالتي ترمي عليّ شرراً من نظراتها النارية. اختلط عليّ أمرى. عندئذ وقف الى جواري صاحبُ المقهى وناولني استكانة الشاي، واذ هو ينحني عليّ همسَ: / انها شغفةٌ بك وتُريدك، فقمْ تأبط ْ خصرَها وامضيا الى أيّ مكان، فلمَ تُبدّدُ وقتك هنا أمام هذا البنيان الخرب، لا تُفوّتْ عليك هذه الفرصة التي لا تجيءُ الا مرّة واحدة .. / كان كمَنْ يتحدّثُ الى صخرة، قلت بعشواية بليدة :/ لستُ مستعداً، ولا رغبةَ لديّ في مصاحبة أحد. سأشربُ الشاي وانصرف / اللعنةُ عليك، لو كنتُ في مثل شبابك لخطفتها وطرتُ بها بجناحين الى أيّ مكان /.. بعدئذ تضببتْ رؤيتي، ووجدتُني في مكان آخرَ أشتري لحماً وخضاراً، وبيدي قائمة دوّنت فيها زوجتي طلباتِها، وعليّ تلبيتُها. ثُمّ...استيقظتُ من دون أنْ اشتريَ شيئاً، كما لم أستطعْ أنْ اُلبّي رغبةً صاحب المقهى. ربّما كنتُ أعرفُ أني أحلم ُ وتركتُ شريط َحلمي يجري على سجيته...........)