مواطنٌ عالمي

عن معرض ريان عبد الله quot;بناء الخطquot; (Typobau) الذي افتتح في برلين في العشرين من نيسان و استمر حتى السابع و العشرين من ايار على قاعة كورنر بارك كتبت برفسور اولي ماير يوهانسن مستعرضة جانبا من حياته العملية و انجازاته فتوصلت إلى أنه تأسيسا على ذلك quot; لم تعد صورة اليوم مفاجئة حين نعرف بأن ريان عبد الله بجانب شغله مركز الاستاذية في الجامعة و الكثير من المشاريع التي عمل فيها أو قادها، قد بات يجوب البلدان بانيا جسورا بين فن الكتابة العربي و اللاتيني. إنه حبه للخط العربي هو ما جعله يُفعّل التأثير المتبادل بين الثقافتينquot;.
و في كلمتها في افتتاح المعرض ذاته تتبعت برفسور دكتور شتيفاني ايندلش الأستاذةُ في جامعة الفنون في برلين المسارَ الذي ادى إلى هذا المواطن العالمي: quot;طفولتُه ويفاعته و دروسه في الخط العربي في المدينة متعددةِ القوميات و الاديان و المذاهب، الموصل...، اقامته للدراسة في بوخارست ثم في برلين الغربية ثم في برلين الموحدة، اكمال دراسته كمايستر شولر(Meisterschuler)، شغله مركز الاستاذية في الجامعة، ممارسته لعمله كمصمم في العديد من المؤسسات الألمانية، في اوربا و العديد من دول العالم و خصوصا في بلدان الشرق الاوسط و اخيرا عمله كبروفسور لمادة الـ (Typographie) في المدرسة العليا للتصميم و فن الكتب و مساهمته في بناء الجامعة الألمانية في القاهرة ـ كل هذا جعل من ريان عبد الله مواطنا عالميا بالمعني الانساني للكلمةquot;.
و في كلمتها الواردة في الكتاب المكرس للمعرض أشارت السيدة د. دوروثي كولاند مسئولة النشاط الثقافي في حي نوي كولن البرليني: quot; ريان عبد الله هو مواطن عالمي تتوزع اقامته بين لايبزغ و القاهرة، و يحدونا الامل في بغداد في يوم ما ايضاquot;.
اتفق أكاديميون و متخصصون بارزون في مجال التصميم و الثقافة في ألمانيا على عالمية ريان عبد الله. تجده متنقلا في المكان بين العديد

طريقة العرض
من الدول (حضور اجتماعات هيئة الجامعة الألمانية في القاهرة كمؤسسٍ و أول عميدٍ للأكاديمية التابعة للجامعة مثلا)، أو في لايبزغ كبرفسور في كلية التصميم و فن الكتب، أو حاطّاً الرحال في برلين مكرسا وقته لمد الجسور بين الثقافتين العربية و الالمانية في دور قل نظيره. خصوصية عمله الذي كرسه، ضمن امور أخرى، للحرف، الكلمة، العبارة و الملصق و دروه الثقافي و السياسي، أي كل ما يمكنه أن يخطفَ بصركَ، شكلا و لونا و تكوينا، في مدينة تعج بملايين من تكوينات اللون و الشكل و ملايين العروض التي لا تنتهي، هو المجال الارحب الذي نشط فيه.

رحلةٌ في عالمه
بالنسبة لي كانت الرحلةُ في عالم ريان عبد الله محاولةً لاكتشاف مغاليق التذوق الالماني و موقفهِ من العمل الابداعي. محاولة الاكتشاف هذه لم تحقق أهدافها تماما بالرغم من العديد من المعارض التي اقمتها و العشرات من معارض الآخرين التي زرتها و تمعنت بروية في خطابها البصري و الكثير من الجهد الذي بذلته للتعرف على تاريخ الفن الالماني الحديث. كيف فعلها هذا القادم من ثقافة اخرى فأسر قلوبَ و عقول الألمان معيدا بناء شكل الحرف و الجملة واضعا مقاربة بين الحرف اللاتيني و العربي واصلا بهذا الأخير الى العالمية بعد ان كان مثالا لجمالياتنا الفخورة المنعزلة؟ كيف استطاع ذلك معتمدا أشكالا مستمدة من عمق حضارتنا، أشكالا واجهتِ العسف بسبب اسقاطات سياسية بحتة؟
الفرنسيون عاطفيون، لا يترددون في ابداء الاعجاب التلقائي المتولد عن الانطباع الأول. الالمان عقلانيون و اكثر تحفظا. تصريحهم بأن عملا ما (interessant) و هو اقصى ما يمكن ان يسمع منهم من كلمات الاعجاب، يُؤَسس على فترة تطول من التأمل. بنية تاريخ الفن هنا اكثر انغلاقا و اكثر اعتمادا على المنجز الذاتي. تأثيراتٌ واضحة الاثر لطريقة رسم الآخرين، طريقة الرسم الياباني التي ادهشت الانطباعيين و ما بعد الانطباعيين الفرنسيين في منتصف القرن التاسع و أثرت في بنية اللوحة و لونها، قناعٌ افريقي يلهم الفضول البيكاسوي لرسم quot;آنسات آفنيونquot; التي فتحت الطريق لمرحلة لاحقة من تطور الفن على سبيل المثال لا الحصر، هي امور أقل حدوثا و اقل اثرا هنا.
بالرغم من انني أعرفه منذ أكثر من عشرين عاما الا انني وجدت نفسي لأول مرة أمام ريان عبد الله، ذلك انني طرحت السؤال على نفسي لأول مرة بطريقة المتقصي الباحث. و في طريقي من و الى مشغلي كان كتابه الأخير quot;بناء الخطquot; مرافقي و شاغلي حتى تجاوزت المحطات التي كان علي ان اترجل فيها و عدت ادراجي. تقصيت فيه كلَّ شاردة و كل واردة بما في ذلك طريقة ترقيم الصفحات، الصور و الالوان، فضاءات الصفحة المجاورة للنص، ظلال الحروف و احجامها.
أقولها بصراحة : هذه كانت المرةَ الاولى الذي يكون فيها شكلُ الكتاب شاغلي. كنت دائبا على قراءة الكتاب مهتما بالمحتوى دون ان أتأمل الشكل، هذه المرة تأملت الشكل ربما بقدر المحتوى ، بل ربما بقدر أكبر منه، و هنا طرحت اسئلة لم أطرحها أبدا: لماذا الحرف بهذه الشكل أو ذاك، بهذا اللون أو ذاك، بهذا الحجم أو ذاك؟ فن الكتب؟؟ هل يوجد فن للكتب؟؟ لم افكر بذلك ابدا! ناهيك عن أني اعرف لأول مرة أن هناك جامعة بهذا الاسم، رغم ان ريان في حديث شخصي قال انها الوحيدة في العالم.

معرضه بناء الخط (Typobau)
مثّل معرضُ ريان عبد الله المقام في برلين حدثاً ثقافيا مميزا و لكنه أثار الكثير من التساؤلات، فهو من جهة و دون أدني شك معرضٌ فريد من نوعه مثل فنا رفيعا بكل ما ينطوي عليه فن الكتابة من جماليات الايقاع و الأنساق الخاصة و العامة، أي ما يُعنى به كلُ فن. لكن أغلب المنجزات التشكيلية المعروضة نجدها، من جهة أخرى، قد وُضعت بتكليف من شركات كبرى أو مؤسسات دولة، هذا ما دفع ريان عبد الله الى التصريح بأنه لا يعتبر نفسه فنانا.
من المسلم به حقا أنه بسيادة شكل الانتاج السلعي فإن الاعمال الفنية لم تعدِ تنجز عموما بموجب تكليف، فهي تنتج دون معرفة من سيكون المقتني و تكون استجابةً لمتطلبات التعبير الشخصي للفنان. حمل العملُ الفنيُ خصائصَ البضاعة، قيمتَها الاستهلاكية و قيمتها التبادلية. و

الصفحة 116 من كتاب quot;بناء الخطquot;
لكن حتى في العصر السلعي، فإن التكليف، أي الانتاج لمستهلك معلوم، لا تمنع المُنتَج من يكون فناً، فالكثير من الدول و المؤسسات تقوم بتكليف فنانين معروفين بوضع اعمالٍ فنية أو نصبٍ. نفذ رمبراندت أو هنري مور و كثيرٌ غيرهم من الفنانين العديد من اعمالهم الابداعية بتكليف من جهة ما. هذه الاعمال هي اعمال فنية رفيعة بكل ما في الكلمة من معنى، و انتاجُها بموجب توصية لا يحجب عنها خصائصَها الفنية.
و عليه فقد أعتبر المتحدثون في المعرض و كاتبو المقالات التي وردت في كتابه (Typobau) ريان عبد الله فنانا يتعامل مع جمالية الحرف العربي و اللاتيني و كان الكتاب الذي صدر على هامش المعرض، ناهيك عن المعرض نفسه، قطعةَ عملٍ فني تستحق صفحاته التأمل و التحليل.

فالنصوص المكتوبة وُضعت على الصفحة بشكل عرضي بعمودين متجاورين و كُرّست فضاءاتُ الصفحة و اجزاؤها الفارغة لطباعة حروفٍ عربية منفردة متناثرة بأحجام مختلفة. الحرف العربي المنفرد الكبير يحمل درجةً اخفَّ من لون حافة الورقة حيث وُضع رقم الصفحة. الحروف العربية الأخرى التي تتناثر (بعشوائية؟) و بحجم اصغر، نجد أن ألوانَها مخففةٌ عن لون النص، و تخفيف الاسود يعادل الرمادي أو الفضي. في الصفحة يوجد لونان فقط و درجات تخف أو تتكثف منه، و لكن الصفحة ثرية شكلا و لونا، لولا هذا، و لو أن الحروف اخذت نفس الدرجة اللونية لمصدر اشتقاقها، لزاحمت النص و اثقلت الصفحة.
في التحليل النهائي لشكل الصفحة و ألوانِها، نجد نفس مبادئ تكوين اللوحة. فالنص ـ الثيمة الرئيسية ينبغي لها أن لا تزحم الصفحة ـ قماشة اللوحة و الفضاءات تُوّظف من أجل أن تعطي القارئَ أو المشاهدَ شعوراً بالارتياح و الاسترخاء، وسواء اخذنا شكل الصفحة جماليا كعمل تصميمي وفني قائمٍ بذاته أو كنا اكثر برغماتية فاعتبرنا شكلَ الصفحة يعطي القارئ دافعا اضافيا للقراءة في جو من الاسترخاء، فإن الامر سواء.
في اللوحة تلعب التفاصيلُ دائما دورا رافدا للثيمة الرئيسية و هو الامر نفسُه في الموسيقى ، فالانغام الثانوية تبقى في خلفية اللحن الرئيسي خافتة داعمة، و لا يصار الى جعلها موازية له متعالية عليه.
و في التحليل النهائي فإن اسم الكلية quot;فن الكتابquot; أو quot;فن تصميم الكتابquot; لم يكن اعتباطا.

فريان عبد الله هو برفسور فن تصميم الحرف في كلية الفنون و فن الكتاب في لايبزغ في المانيا و هي الكلية الوحيدة في العالم التي تُعنى بهذا التخصص. و عدا كونها واحدة من اقدم الكليات في المانيا، فإنها احتلت المركزَ الاول في فن تصميم الحرف و انتاجه، حين كانت مدينة لايبزغ قبل الحرب العالمية الثانية تحوي على 90 بالمائة من دور النشر و المطابع في المانيا بما يمكن مقارنته بسوق الوراقين في بغداد العباسيين، حيث توفرت لايبزغ على حي كامل تخصص بالطباعة و النشر، ثم انتقل المركز الى الغرب بعد تقسيم المانيا في اعقاب الحرب العالمية و الى مدينتي فرانكفورت و بيلفيلد على وجه التحديد. و لكن لايبزغ احتفظت بموقع متقدم من صناعة الحرف بما في ذلك صناعة حروف الرصاص بمختلف اللغات و بضمنها صناعة الحرف العربي و لغات أخرى، فصحيفة البرافدا الروسية التي صُنعت حروفها في لايبزغ لم تتخل عن حروف الرصاص المنضد الا في عام 1993.

خصائص ملازمة
يقول ريان عبد الله انه اعتمد الانضباطَ و الصبرَ و الفضول. وفي لقاء معه نشر بالانكليزية في موقع (paper ideas) ذكر ردا على سؤال quot;بماذا تنصح الدارسين لديك؟quot;: quot;انا اشجع تلاميذي على الفضول، فالفضول هو ام العلومquot;. و اذا ما كان من الصعب لغير الألمان ان يشقوا طريقهم بدون خصائص لا جدال فيها و امكانياتٍ تفوق المعدل، فإن سيرته تشي بأنه قد وظف الصفات التي تحدث عنها لشق طريقٍ وعر وشاق و لكنه ملئ بالانجازات و العلامات المضيئة.
فهذا المولود في مدينة الموصل العراقية في عام 1957 لم يحصل على أية منحة دراسية انما بدأ طريقه بـ 100 دولار و جواز سفر مغادرا العراق. و لما لم يكن بمستطاعه الجمع بين العمل و الدراسة في رومانيا لعدم توفر فرص العمل هناك، فإنه انتقل إلى المانيا حيث بامكانه الدراسة و العمل معا. هنا انهى دراسته في جامعة الفنون في برلين عام 1984 ثم واصل دراسته في نفس الجامعة ليدرس هذه المرة quot;الاتصالات البصريةquot; على يد البرفسور كابتسكي حيث حصل على دبلوم عالٍ في التصميم في موضوعة فن الكتابة العربية (الخط العربي). و في عام 1991 انهى دراسة أخرى كمايستر شولر (Meisterschuuml;ler) في مجال تطوير و استنباط خطوط عربية جديدة . (يحصل على لقب المايستر شولر اولئك الدارسين الذين يحققون مستويات تفوق المعدل العام و يُشترط من اجل الحصول على اللقب موافقة لجنة خاصة).
بين 1990 و 2001 عمل ريان عبد الله في العديد من المكاتب المتخصصة في وضع التصاميم بعضها ذائع الصيت مثل (MetaDesign) حيث وضع مع آخرين تصميما لخارطة خطوط قطار الانفاق في برلين ثم عمل مصمما رئيسيا في (Diverse Projekte) حيث وضع مع آخرين شعار جمهورية المانيا الاتحادية و ماركات لشركات السيارات الشهيرة فولكس واكن و بوغاتي. و في مجال التدريس فقد عمل برفسورا في كلية التصميم و فن الكتاب في مدينة لايبزغ الألمانية و كما ورد في كلمة برفسور دكتور شتيفاني ايندلش فقد قام بتكليف من الحكومة الالمانية بتأسيس كلية التصميم في الجامعة الالمانية في القاهرة و هو عميدها الأول.
الف العديد من الكتب في مجال اختصاصه و ساهم في التأسيس لرؤية جمالية جديدة.

طريقة العرض (Prauml;sentation)
ان وجود اعمال فنية منجزة بدقة و بحرفية لا يكفي لوحده لاقامة معرض ناجح، فالمعرض هو العرض الجماعي لاعمال منفردة، ينبغي أن

ريان عبد الله يوقع كتابة quot;بناء الخطquot;
يصار إلى عرضها بحيث تتلائم مع بعضها البعض، توفر لزائر المعرض رحلة سلسلة بين المعروضات و هذا ما وضع تحت مصطلح الـ (Prauml;sentation) أي طريقة العرض وعلاقة الاعمال المعروضة ببعضها البعض. طريقة العرض قد تراعي حجم الاعمال، الوانها، موضوعها، شكل القاعة و فضاءات العرض او كل هذه العناصر مجتمعة.
قاعة كورنر بارك، التي أقيم فيها معرض ريان عبد الله في برلين، كبيرة و طولية الشكل، واجهتها التي تشرف على حديقة كبيرة، مكونة من شبابيك زجاجية كبيرة الحجم. يبلغ ارتفاع سقف القاعة اكثر من 6 امتار. مثّل شكل القاعة لوحده تحديا للفنان حيث سيكون الفراغ كبيرا، و ستصغر الأعمال المعروضة و تتضائل اذا لم يتم استغلال الفضاء بطريقة مبتكرة. قام ريان عبد الله بطبع لوحات ذات شكل طولي بلغ طول الواحدة منها 6 أمثار و عرضها المتر الواحد تشبه اللافتات (Banner) عُلّقت في سقف القاعة. نظمت اللوحات المتدلية من السقف على امتداد القاعة ليس بطريقة متعاقبة و بخط واحد و انما بإنحراف نحو اليمين او نحو اليسار بخط متعرج، فيما وفرت شفافية المادة التي صنعت منها اللافتات امكانية رؤية مريحة من الجانبين و بهذه الطريقة حُلت قضية الفراغ الهائل الذي تسبب به امتداد القاعة الطولي و ارتفاع سقفها. أما الجدار المقابل للواجهة الزجاجية فقد غُطّي بلوحات تمثل اعمالا تصميمية و كذلك مخطوطات تمثل طريقة عمل خاصة طورها لنفسه ريان عبد الله فيما احتوت حاويات زجاجية ادوات خط تقليدية و مؤلفات و تصماميم خطوط لشركات معروفة.

يكتب ريان عبد الله في كتابه بناء الخط: quot;اللافتات قامت بالمهمة التالية، توضيح و عرض الأوجه المتعددة و الوحدات الحروفية المتواجدة ضمنها. كان على هذه السطوح أن تساعد على الإبقاء على اسلوبي التصميمي الذي بموجبه استعملت العديد من المستويات المتعاقبة من التصاميم الحروفية. فالمستويات الستون المعروضة ترينا خليطا مثيرا و مشوقا يربط بين أنماط الخطوط المستعملة و يعرض علينا تركيبات متغايرة لها، لاشكالها و اشاراتهاquot;.
quot;من خلال تعدد المستويات تُبرز نفسَها معطياتٌ مقروءةٌ بوضوح. تفيد هذه في نفس الوقت على أنها مؤشراتٌ و علامات متباينة تميز بين اللافتات المختلفة و تقود إلى القيام برحلة بين المعروضات المختلفة. تبدو اللافتاتُ للمشاهد لأول وهلة متشابهةً بل و حتى متطابقة، الا انها تتمايز عن بعضها في عالمها المهجري بشكل جليquot;.
quot;الاستعمالُ المدرك للرموز الكتابية بواسطة خطها الخارجي أضفى قدرا كبيرا من شبه ـ الشفافية على فضاء العرض. كان على اللافتات أن تملأ فضاء العرض دون أن تزحمَه، مما يتيح لزائر المعرض أن يُقاد بسلاسة بين المعروضات.quot;.