: آخر تحديث

حسونة المصباحي: كتاباتي عن الأدب التونسي أثارت غضب الفاعلين فيه من شعراء وكتاب وفنانين

مواضيع ذات صلة

في عددها الأخير الصادر في مطلع شهر أكتوبر من العام الحالي، نشرت مجلة "كارافان" السويدية ملفا عن الأدب التونسي تضمن  قصائد لشعراء شبان هم ر فيقة المرواني، وسفيان رجب، ومحمود الطارقي. كما تضمن قصيدة للشاعر آدم فتحي، وقصة لحسونة المصباحي بعنوان" القتلة، وحوارا معه عن تجربته الأدبية... هنا نص الحوار  

ما هي الملامح الأساسية لتجربتك الأدبية؟
بدأت مسيرتي الأدبية بكتابة القصة القصيرة وأنا في السابعة عشرة من عمري . وكنت في تلك الفترة متأثرا بكل من ألبير كامو، وجان بول سارتر.  وإحدى القصص التي كتبتها، وكانت مستوحاة من وفاة والدي، نالت جائزة القصة القصيرة التي  كان يمنحها برنامج أدبي تقدمه الاذاعة  التونسية. بعدها انقطعت عن الكتابة لسنوات طويلة لأنشغل بالنشاط السياسي في الحركة الطلابية. وبسبب ذلك دخلت السجن. وبعد إطلاق سراحي،  عشت  تجارب مريرة عرفت خلالها التشرد والجوع . وفي نهاية السبعينات  من القرن الماضي، انقطعت عن النشاط السياسي، وابتعدت  نهائيا عن الحركات اليسارية لأعود إلى الكتابة بحماس كبير وأنا على يقين بأنه-أي الكتابة-ستكون مصيري حتى النهاية. وفي هذه المرة، لم أكتب فقط قصصا قصيرة، بل كتبت أيضا مقالات نقدية عن جوانب مختلفة من الثقافة  التونسية والعربية،  منتقدا بالخصوص الواقعية الاشتراكية التي كان قد تأثر بها الكثيرون من أبناء جيلي. كما كتبتُ  مقالات عن أدباء وشعراء ومفكرين غربيين أمثال دستويفسكي، وألبير كامو، وباسترناك، وآخرين. وفي بداية الثمانينات، انطلقت إلى أوروبا، وزرت بلدانا عديدة مثل فرنسا، وإيطاليا، وسويسرا، وإسبانبا، وبريطانيا، والسويد .  وعن رحلاتي كتبت تحقيقات  نشرتها في صحف ومجلات عربية تصدر  في باريس ولندن. وقد لاقت تلك التحقيقات تجاوبا كبيرا مع القراء العرب.  في الآن نفسه، شرعت في ترجمة قصائد ونصوص  لكتاب كبار للتعريف  بهم في العالم العربي. وهذا ما فعلته  مع الياس كانبتي الذي ترجمت كتابه الرائع :" أصوات مراكش" على سبيل المثال لا الحصر. وفي ميونيخ التي اخترت الاستقرار فيها انطلاقا من عام 1985،  كتبت  روايتي الأولى :"العودة الى ترشيش" التي أحرزت على جائزة "توكان"،وهي جائزة تمنحها مدينة ميونيخ  لأفضل كتاب . وهي رواية تروي  خيبة أبناء جيلي، وتهشم أحلامهم أمام واقع سياسي  وثقافي عنيف. بعدها أصبح تنوع الكتابات عندي  أساسيا.  بل أني أجد في هذا التنوّع  مُتعة  كبيرة إذ  أنه يحررنني من الارتباط بنوع أدبي معين، ويتيح لي الانتقال اليسير  بين مختلف أشكال التعبير من دون أن تفقد لغتي نضارتها وقوتها.  وأنا أكتب أيضا مقالات سياسية عن الأوضاع في تونس، وفي العالم العربي لأحَذّرَ من مخاطر الأصولية الإسلامية، ومن  أفكارها الظلامية ، ومن  أطروحاتها المحرضة على العنف، وعلى الإرهاب . كما كتبت سيرة الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة  لا كمؤرخ بل كمثقف عاش  كامل فترة حكمه... وفعلت الشيء  ذاته مع القديس أغسطين لأن الحركات الأصولية تحاول أن تهمل  كل المراحل  التي سبقت ظهور الإسلام  لكي يكون التاريخ "إسلاميا" فقط. فلا تاريخ غيره...

كيف عشتك تجربتك الأدبية  في المهجر؟ وكيف كانت عودتك إلى الوطن؟
عندما غادرت بلادي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، كنت  أرغب في أن أعيش تجارب تسمح لي بأن أتحرر من الأجواء  السياسية والثقافية الخانقة  التي كنت أعيشها في  تلك الفترة .كما كنت أرغب في التعرف على ثقافات أخرى. ولم أجد في فرنسا ما يُغريني  بالاستقرار  فيها مثلما يفعل جل المثقفين التونسيين. بل  كنت أشعر أن الاستقرار في فرنسا لن يكسبني التجارب  التي  كنت ابتغي أن  أعيشها. وعندما زرت ميونيخ في نهاية عام 1984،  أحسست منذ البداية أنها  المدينة التي  تستجيب لطموحاتي ولأحلامي  الأدبية. ورغم أني لم أكن أتكلم اللغة الألمانية إلاّ أنني قررت أن أخوض  تجربة الإقامة في تلك  المدينة. وكانت البداية صعبة وقاسية جدا. مع ذلك صمدت. ويعود الفضل في ذلك إلى الصديقات والأصدقاء الألمان   الذين لم يترددوا أبدا في مساعدتي والاعتناء بي في الأوقات الحرجة والصعبة. وقد وجدت في الأدب الألماني متمثلا بالخصوص في  الادباء الذين برزوا  بعد الحرب الكونية الثانية وقبلها أيضا أمثال توماس مان، والفريد دوبلن، وهاينريش بل، وغونتر غراس،  وهانس ماغنوس انسنسبرغر،  وغوتفريد بن، وآخرين  ما حفزني  على إعادة النظر بخصوص العديد من القضايا الفكرية والأدبية والسياسية التي كانت تشغلني. وقد تميزت أعمال الكتاب الذين ذكرت بالجرأة  على الحفر  في الذاكرة الألمانية، ونقد التاريخ الألماني  الموسوم بالجراح والعنف . كما اكتشفت  وأنا في ميونيخ كتابا من  أوروبا الوسطى خصوصا الصربي دانيلو كيش، والمجري جورج كونراد، وكتابا من إيطاليا أمثال ايتالو كافينو، وايتالو سفيفو، وكلاوديو ماغريس  ومن السويد أمثال ستيغ داجرمان،  وتوماس ترانسترومر، وأوغست ستراندبارغ، ومن النرويج أمثال كنوت هامسون،  ومن  سويسرا أمثال  روبرت فالسر. وفي ميونيخ تعمقت  معرفتي  بالموسيقى الكلاسيكية، وبمختلف أنواع الفنون. واجمالا يمكن القول بأن  التجارب  التي عشتها في ميونيخ  هي التي جعلت مني كاتبا حقيقيا...
وكانت  العودة الى بلادي صعبة إذ أنني وجدت نفسي أمام واقع ثقافي فيه تكثر الضغائن والأحقاد والصراعات  التافهة.  لذلك اخترت   في هذه  المرة أن أعيش المنفى الداخلي، بعيدا عن العاصمة مُحْتَميا بعالمي الداخلي الذي عمّقته تجارب  سنوات الغربة الطويلة.  وفي الوحدة والصمت أواصل الكتابة .وأظن أن الواقع السياسي  والاجتماعي أثرى تجربتي  الأدبية . وهذا  ما انعكس  في جل  الروايات التي كتبتها اثر عودتي  الى البلاد . في الآن نفسه، أواصل  كتابة مقالات أ دبية وسياسية ضد التطرف والعنف  الأصولي الذي يهدد راهنا المسار الديمقراطي في تونس ...

ما هي  الخلفية الاجتماعية لروايتك "حكاية تونسية"؟
روايتي "حكاية تونسية" مستوحاة من جريمة  فظيعة تعود الى أول السبعينات من القرن الماضي. وتتمثل هذه  الجريمة في اقدام  شاب في العشرين من عمره على حرق  والدته تحت ضغط  الشائعات الرائجة في  حي شعبي  في ضواحي تونس العاصمة. وقد تعرفت  على هذا الشاب  في السجن، ودار بيني وبينه حديث قصير. وقد ظلت  صورة ذلك الشاب القصير،   شاحب الوجه  راسخة في ذهني على مدى  سنوات طويلة. وعندما عدت الى تونس في صيف عام 2004، شرعت في التخطيط لكتابة رواية مستوحاة من تلك الجريمة. ومنذ البداية عاينت أن الحياة في الأحياء الشعبية في ضواحي العاصمة ازدادت قسوة وعنفا. وفي هذه الأحياء كثرت جرائم الاغتصاب والنزاعات بين الجيران وبين أبناء العائلة الواحدة. وقد نشرت الصحف أخبارا عن جرائم قتل كان ضحيتها آباء أو أمّهات. لذلك اخترت  أن تدور  أحداث الرواية  في بداية الألفية الجديدة وليس في السبعينات من القرن الماضي. وكان عليّ أن أبتكر طرقا فنية حتى لا تكون روايتي مجرد  تحقيق  صحفي. وأظن  أني عثرت  على الطريقة الفنية الملائمة حيث  جعلت  الأم تروي قصتها من العالم الآخر، في حين يروي الابن قصته  وهو ينتظر حكم الإعدام. والرواية تعكس واقعَ الحياة  في الأحياء الشعبية  بالعاصمة، وهو واقع يتميز بالعنف والقسوة .

كيف  تقيم المشهد الثقافي  التونسي راهنا؟  
أنا أتابع  المشهد الثقافي التونسي من بعيد، وعنه أكتب بين الحين والحين. وجل المقالات التي  كتبتها عنه أثارت غضب الفاعلين فيه من شعراء وكتاب وفنانين. وما هو ملفت للنظر في هذا المشهد هو كثرة الصراعات التافهة بين المثقفين، وحرْص كلّ واحد منهم  على الظهور على حساب الآخرين. أما الأمر الآخر فهو سيطرة الجامعيين على المشهد الثقافي. ويعتقد هؤلاء الجامعيون  أن شهاداتهم تخول لهم أن يكونوا روائيين وشعراء ونقادا. والحال أن الأعمال  التي  ينتجونها سواء في الشعر أو في الرواية أو في النقد سطحية، وضعيفة، ودالة على فقرهم المعرفي والفكري  وخوائهم الأدبي وجهلهم  بآداب العالم القديمة والحديثة . وقد تجد بين هؤلاء  من يكتب  الرواية من دون أن يكلف نفسه قراءة أعمال  دستويقسكي أو فلوبير أو فوكنر أو همنغواي أو كواباتا أو ماركيز...بالاضافة الى ذلك، لا يهتم جل الجامعيين  بالقضايا الحقيقية بل بالقشور. وهم يسعون دائما إلى فرض الحصار على كل المبدعين الحقيقين، وحرمانهم من الجوائز الأدبية، ومن حضور التظاهرات الثقافية، ومن المشاركة فيها...


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات