: آخر تحديث

مخرج "التانغو الأخير في باريس" يرحل عنا!

رحل المخرج السينمائي والسيناريست الإيطالي بيرناردو بيرتولوتشي (عاماً ٧٧) في الساعة روما في منزله في) الثاني تشرين ( نوفمبر ٢٦) الإثنين صباح من السابعة محاطاً بأفراد عائلته وبعض أحبائه. وقد ألقى جمهور المعجبين تحيتهم الأخيرة لمخرجهم الشهير يوم الثلاثاء في قاعة Sala della Protomoteca في مبنى Capitoline Hill في روما، وسيجري في الأسبوع القادم تنظيم حفل تذكاري مفتوح للجمهور.

«إنني غالباً ما أشّبه الفيلم بقرصان سفينة، فهو يجهل تماماً أين سترسي سفينته، لذا عليه أن يدعها طليقة تتبع رياح الإبداع، فما بالك بشخص مثلي يعشق التحليق في الاتجاه المعاكس». بيرتولوتشي


خلال مسيرته الفنية التي بدأت مطلع ستينات القرن الماضي نجح بيرتولوتشي في ممارسة عمله السينمائي كمخرج وسيناريست في كل من أوروبا والولايات المتحدة (هوليوود) على الرغم من العلاقات المضطربة التي شابت عمله في تلك الاستديوهات. وقد استطاع أن يشيّد شخصيته السينمائية المميزة بوصفه أحد المؤسسين الأوائل لموجة السينما الإيطالية الجديدة إلى جانب أنطونيوني، فيلليني وبازوليني، فضلاً عن أسلوبه البصري وكاميرته الجريئة التي تركت أثراً كبيراً على عمل أجيال كاملة من المخرجين السينمائيين. لقد عرفه الجميع في سبعينات القرن الماضي ثائراً مسعوراً متمرداًً، في تلك الأوقات المتفجرة الصاخبة التي أزهرت حينها باقة من أفضل أفلامه السياسية التحريضية الألقة. وإذا أردت توصيف برتولوتشي فإن المفردة الأولى التي تخطر في الذهن هي "الهدوء". كان الهدوء يشع من وجهه وعينيه حقاً، فقد كان يشعر وسط الناس بنوع من الفخر بشخصيته وأفلامه. يتذكره الكثيرون دائماً عبر فيلميه "التانغو الأخير في باريس" و "الإمبراطور الأخير" (اللذان نالا تسعة جوائز أوسكار). إلا إن فيلمه "الممتـثـل" هو بمثابة الأعظم من بين كل أفلامه، بسبب احتوائه على كل العناصر التي جعلت من أعماله ثرية، مؤثرة، ممتعة وقوية جداً، كالرؤية السياسية، المنظور التأريخي، مأساة الكائن البشري، التمثيل الفانتازي، ومحتمل أن الأفضل بين كل تلك العناصر هو قوة معالجاته الضوئية تلك التي كان تقف ورائها المخيلة الخلاقة لـ "فيتوريو ستورارو"، أحد أفضل مدراء التصوير في العالم حساً في الضوء واللون والتكوين والإيقاع، بل وأشهر المصورين السينمائيين معرفة بإمكانيات الكاميرا السينمائية وقدرتهاعلى إعادة خلق العالم التخيلي للفنان، وهو الذي عمل في كل أفلام بيرتولوتشي تقريباً.
لقد كان بيرتولوتشي يمارس كتابة الشعر قبل بدئه العمل في ميدان السينما، لذا كان ينظر إلى الكاميرا في البدء كما لو أنها ريشة كتابة ولكن غير تلك التي كان يخط بها قصائده على الورق.
لم يذهب بيرتولوتشي للدراسة في معهد أو كلية سينمائية لدراسة السينما على الإطلاق. لكنه كان محظوظاً جداً لأنه عمل في شبابه مساعداً في أفلام بيير باوزوليني، وهناك تعلم أسرار فن الإخراج حقاً. كان ولسنوات عديدة فخوراً بعدم حاجته للترشيد النظري فقد كان يعتقد أن: "أفضل معهد أو كلية لتعلم هذا النوع من أنواع الفنون هو موقع تصوير الفيلم، المكان الذي يتم فيه تصوير أحداث الفيلم". وإن دراسة كيفية عمل الأفلام والوصول إلى أسرار هذه المهنة الشاقة والشيقة، من وجهة نظره، هي «ليس فقط أن تعمل أفلاماً، إنما عليك أيضاً أن تشاهد الكثير والكثير من الأفلام. هذان الأمران يتماثلان في أهميتهما، وهذا ربما هو السبب الوحيد الذي يدعوني إلى دفع من يريد امتهان هذه المهنة هو أن يلتحق بمعهد أو كلية للسينما اليوم، فهي فرصة استكشاف لأسرار جميع أنواع الأفلام، تلك التي لا يمكن أن تشاهدها في الصالات العامة".
ولأنه لم يكن قد درس فن السينما بطريقة نظرية تقليدية، لذا فلغة الفيلم لا تعني له شيء على الأطلاق، أو، بمعنى آخر، إن لديه مفهوماً آخر غير تقليدي لهذه اللغة. ولتوضيح مفهومه للقواعد السينمائية يستشهد بيرتولوتشي بغودار قائلاً: "حين صّور غودار فيلمه (على آخر نفس)، كانت قواعد اللغة الفيلمية التي استخدمها في تحقيق فيلمه هي (قوة وقدرة التقطيع المونتاجي المفاجىء). بهذه الطريقة ينبغي أن تُبتكر وتُستنبط قواعد اللغة السينمائية".
إنه يشدد في أكثر من مكان على أنه ينبغي على المخرج أن يعرف كيف يترك فسحة لما هو غير متوقع، لما هو مفاجىء، ولما هو عفوي وتلقائي، طالما بوسع أمور كهذه أن تسهم غالباً في خلق سحر السينما. لذا فهو يسعى في أفلامه أن يُبقي الباب مفتوحاً على الدوام ليسمح للحياة أن تدخل إلى موقع تصوير الأحداث. وفي هذا الشأن يقول متذكراً: "أتذكر أن رينوار قال لي شيئاً ترك انطباعاً شديداً لديّ، بل كان أبلغ درس تعلمّته حول كيفية عمل الفيلم، والذي لم أتعلم مثله في كل مكان. قال: (ينبغي عليك على الدوام أن تترك باب موقع التصوير مشرعاً، لأنك لا تعرف ما الذي يمكن أن يدخل عليك)". من الواضح والبديهي أن الفيلم هو تحويل الفكرة إلى مجازات بصرية، لكن الشيء الأكثر سراً بالنسبة لبيرتولوتشي هو الطريقة التي يمكن بواسطتها استكشاف شيء ما، أكثر خصوصية، وأكثر تجريداً في ذات الوقت. فهو يعتقد إن القوة الدافعة وراء أي فيلم، أولاً وبشكل رئيسي، هي رغبة المخرج في اكتشاف لغز كل شخصية. كذلك الحال بشأن العمل مع الممثل واعطاءه التوجيهات، فهو يسعى إلى تطويع قواعد السينما الواقعية إلى عالم المخيلة على الدوام. مخيلته هو كمخرج بالطبع، مضافاً إليها مخيلة الممثل في حقل الارتجال. يورد بيرتولوتشي مثالاً يقول فيه: «في أحد مشاهد فيلم (التانغو الأخير في باريس) يضطجع بول (مارلون براندو) على سريره ويحكي لجين (ماري شنايدر) أشياء كثيرة تتعلق بحياته الماضيه. أن ما قام به براندو من سرد لحياته لماري شنايدر كان في الواقع كله اختلاقاً من مخيلته ولم يكن موجوداً في السيناريو أصلاً!. وهذا الشيء يدعوني للقول أن الارتجال هو محاولة لملامسة الحقيقة، وإظهار شيء ما صادق جداً، من الممكن أن يكون مخبّئاً خلف قناع الممثل. وقد كان هذا الأمر، في الواقع، الشيء الأول والجوهري من جملة الأمور التي أوضحتها لبراندو سلفاً. فقد طلبت منه أن يخلع عن وجهه قناع ممثل الإستديو، لأنني كنت أريد رؤية ما كان مخبّئاً وراء ذلك القناع. ما قلته له هو الجملة التالية: "مارلون .. ستقوم ماري شنايدر بطرح أسئلة عليك، فأجبها كما تشاء ومثلما تحب.". وهكذا ابتدأ يصف لها كل تلك الأشياء المزعجة والمشوشة، فيما كنت أقف أنا مصغياً إليه كالمتفرج، ناسياً تماماً أنني المخرج.
لا أستطيع الزعم، بالطبع، ما إذا كان مارلون يكذب أو يقول الحقيقة وهو يسرد أحداث حياته الماضية. لكن هذه هي مهمة الارتجال تماماً. ولكي يشيّد جسراً مع الآخر، يهتم بيرتولوتشي كثيراً بمهمة تبادل الأفكار وإقامة العلاقات مع طاقم العمل بوصفها عنصراً جوهري وحاسم لخلق مسار سلس ورشيق لمجرى العمل في موقع التصوير. وهو يؤسس لتلك المهمة بفترة تسبق تصوير الفيلم لأن خلاف لذلك، وفق رؤيته، سيكون الوقت متأخراً جداً وسيترك آثاراً سلبية على روحية العمل الذي يقوم به أثناء التصوير. وفي هذا الصدد يقول: «إنني غالباً ما استخدم لوحات الرسم كوسيلة لتبادل الأفكار وخلق الصلات مع الممثلين أو طاقم العمل، فهي بمثابة جسر لعبور الرؤى والأفكار ما بين الضفتين، أي، بينك وبين الآخر، وهي غالباً ما تكون أكثر تأثيراً بكثير من استخدام مئات الكلمات. وسأورد مثالاً على ذلك. حين قررت إخراج
فيلم (التانغو الأخير في باريس) أخذت مصّوري فيتوريو ستورارو لزيارة معرض الرسام فرانسيس بيكون في (Grand Palace) في باريس، وأريته لوحات بيكون موضحاً له أنني أردت استخدام هذه الأشياء مثل إيحاءات ملهمة لي في الفيلم. ولو دقق المتفرج النظر جيداً في الفيلم لاستطاع حقاً أن يلمح هناك درجات من اللون البرتقالي فيه وهي التي كانت بتأثير وإلهام مباشرين من بيكون.
بعدها أخذت معي مارلون براندو لرؤية المعرض نفسه، وأريته لوحة (الرجل اليائس الذي تحرر من جميع الأوهام) والتي ستظهر فيما بعد خلال التايتل في بداية الفيلم.
إنه بورتريه يبدو لك مجازياً تماماً حين تراه لأول مرة. لكن، لو تأملته لبعض الوقت، فإنه سيفقد نزعته الطبيعية تماماً ليصبح تعبيراً عما يحدث في لا وعي الرسام.
قلت لمارلون: "هل تأملت تلك اللوحة جيداً؟. حسناً، أريد منك أن تعيد خلق ذات الألم الرهيب الذي ينبعث منها". وقد كانت تلك الملاحظة الوحيدة، أو بالأحرى، التوجيه الرئيسي والوحيد الذي أعطيته لمارلون براندو في مجمل العمل في الفيلم.

قائمة بأفلامه:
1- The Crime Reaper .1962

2- Before the Revolution .1964

3- Partner .1968

4- Love and Anger .1969

5- The Spider's Stratagem .1971

6- The Conformist .1971

7- Last Tango in Paris. 1973

8- 1900.1977

9- La Luna .1979

10- The Tragedy of a Ridiculous Man .1982

11- The Last Emperor .1987

12- The Sheltering Sky .1990

13- Little Buddha .1993

14- Stealing Beauty .1996

15- Besieged .1998

16- Heaven and Hell .2001

Ten Minutes Older 2002 -17

18 The Dreams 2003 -

19 Me and you 2012 -


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. مجهود رائع وأختيارات مميزه
Khalid Al rubaye - GMT الأربعاء 28 نوفمبر 2018 05:04
بارك الله فيك أستاذ علي كامل مجهود رائع ،والتألق والابداع وحسن الاختيار هو ما تتصف به مواضيعك دائمآبالتوفيق وننتظر جديدك


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات