: آخر تحديث

رواية الحديثي : "ارفعوا صوت التلفاز": الموت حينما يستوطن الوطن

"ارفعوا صوت التلفاز" رواية الروائي العراقي علي الحديثي الصادرة عام 2017، قد يُنظر إليها في كثير من الأحيان على أنها قصة من أدب الحرب ، لكننا لو تأملنا عناوين أقسامها العشرين بدءا من " مناصرة الخرفان " حتى " الجريدة " سنكون أمام عدة أصوات ترددت في زحام أحداثها، فهو بإهدائه : 
"إلى 
موت 
استوطن بلدي"
جعلنا نفهم كل شيء فيها، شخوصها، أماكنها، مجموعة أحزانها، وعندما نقلب أوراقها الأولى نتعرف على " كريم القصاب " الذي سيأخذنا في جولة طويلة فيها والثيمة التي يمكن ملاحظتها هنا توزعت بين الحرب التي عاشتها البلاد من جهة وبين من اصطلى بها كريم، مهدي، وحتى سجى التي أحبها كريم هي جزء من ذلك الاصطلاء من جهة أخرى، وبعدد صفحات بلغت 139 صفحة لاحظنا في رواية الحديثي توافقا مدهشا في إيقاع ووحدة بناء لا خلل فيها حيث جمع اهتماما بالسرد الروائي وبين انتقالات أبطاله وبين زمان ومكان حدوثها، ومن خلال ذلك الاصطفاف وجدت أن هناك حالة لخلق " تصميمات داخلية " توزعت بين فصول الرواية زاد من جمالية قراءتها خاصة في " الساعة السابعة " التي يصور فيها ترقب المرأة الستينية لابنها العسكري الذي تأخر عن المجيء وما إن سمعت صوت قرقعته حتى ضمته : " في حضنها، ومن حضنه انطلقت بخطواتها المتعبة إلى المطبخ لتعد له العشاء، لم تكن تبالي بسبب تأخره ، المهم عندها أنه بخير، عيناه تراقبان الهاتف وهو يجلس مع أبيه وأخوته يحدثهم عن نقلهم إلى مركز تدريب النجف ، وكيف كانت ساعات الرعب التي التفت حولهم كالأفعى وهم يظنون أنهم متجهون إلى الكويت "، أو في " أنا صمونة "، أو " أنا والكلاب "، أو " كلانا يأكل الآخر "، لكنه في " جسور " يرسم لنا حروفا حزينة لما شاهده في مدينته " المحمودية " بعد أن عاد إليها مجازا من وحدته العسكرية فوجد أن لا أحد من أسرته هناك، رحلوا إلى بغداد خوفا من القصف الجوي لها :
" أحاول أن أستوعب أنها المحمودية مدينتي الشعبية، المدينة التي لا تعرف عينها كيف تنام ليلها، عند الفلكة القديمة التي أزيحت منذ سنوات وقفت أمام شارعي الحزين كما اعتدت أن أسميه، أصابع الظلام تنهش قبور الخوف في داخلي، أخبرتني الساعة أن الوقت هو الثامنة مساءا، لكن من سيخبرني أن هذه هي المحمودية ؟ ".
وتتوالى أحداث الرواية وفي كل انتقالة عبر
عناوينها المتعددة يعلو " صوت التلفاز " ليطغي على باقي الأصوات في محاولة للهروب منها كما يبدو له ذلك حتى وهو يدخل بيت العاهرات ليختتم منه سلسلة مشاويره الحزينة بأن يحاول قتل ذكرى حبيبته سجى مع إحدى بنات الهوى، فهل حقا سيتناسى حبهما ؟ وإذا كان كذلك لم صدم وهو يقرأ خبر دخولها المستشفى لإصابتها بعجز كلوي تطلب استبدال إحدى كليتيها فكان أن طلب من صديقه الكربلائي الذي تعرف إليه ترتيب تبرعه لها بكليته ومن دون علمها أو علم أهلها تاركا لها رسالة ختم بها حكايته الطويلة التي رواها لنا بكل ما فيها من حزن وألم :
" منذ ذهبت إلى كربلاء وأنا أنتظرك ، وبعدما طال غيابك أخذت أبحث عنك ، لم تمت الساعة السابعة في خطواتي، ولكني كنت أبحث عن الليل برحيلك، كل يوم أمر أمام بيتكم وأقول لنفسي لعلها تعود، تعرفت على جندي كربلائي فكان الأخ الذي وقف معي في كل ألم، مع كل دمعة، وعن طريقه عرفت أنك مصابة بال ( كِلْية ).. فجئت من دون تردد لأضع عضوا من أعضاء جسدي في جسدك.. عشت بحبك وستعيشين ب ( كليتي ).. كلانا يعيش بلآخر، لا أريد أن يعرف أحد بما حصل، وإذا جمعتنا الأيام فسأحدثك بالتفاصيل..
أحبك...
أعطيت هذه الرسالة للطبيب، وطلبت منه أن يعطيها لها من دون علم أحد من أهلها، ولا أدري بعد ذلك هل بقي التلفاز مفتوحا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات