قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

أن يعشق المرء مكاناً ولد فيه ونشأ وترعرع، أو أن يفاخر به باعتباره "الجنّة" ذاتها على الأرض، لا شكّ دلالته العالية هذا التمسّك بالناس وبالأرض، والمفارقة أشدّ حين نعرف أنّ صاحب هذا العشق وهذا الفخر هو طبيب جرّاح، جنوبي لبناني، تابع دراسته الجامعيّة في فرنسا، ورأى بلداناً هي رمز في النهضة والتقدّم، وعلى الرغم يفضّل عليها وطنه الأصلي المنكوب بمجاورة الإحتلال الصهيوني لفلسطين، وبسلطات متعاقبة ليست جديّة، وبمجاميع مذهبيّات ضيّقة، أو قبائل أو عشائر أو أُسر أضيق.
والطبيب الجراح ـ أمراض ثدي ـ هو د. عبد المجيد وهبي النموذج في مؤلّفه الجديد" الخروج من الجنّة ـ الخروج الأوّل" ـ دار روافد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان ـ 2019. وها هو يرجع بالذاكرة ستّة عقود تقريباً، ويستعرض طفولته وشبابه الأوّل في جبال عاملة ـ جنوب لبنان بصيغة استعراض حياة "صديق"، إمّا لأنّه يريد أن يلمّح أكثر منه يريد أن يصرِّح، وإمّا إنّ حياته تختصر أعماراً تتشابه بالنشأة والمشاغل والإهتمامات في قرى "نائية" لم تعرف الكهرباء حتى أواخر الستينات من القرن الفائت، والمدارس فيها من صفّين ـ غرفتين أو ثلاثة، في بيت، والألعاب بدائيّة في أزقّة ضيّقة أو على البيادر. ولم يكن في القرية ربّما سوى "راديو" واحد يتحلّق حوله الناس قبل ثورة "الترانزستور"، وهو راديو صغير بحجم الكفّ، يمكن الإستفراد به، ومع المطربة صباح، مثالاً لا حصراً، و"عطشان يا صبابا \ دلّوني على السبيل".
ومن هذه القرى إلى بنت جبيل ـ مركز القضاء، يقصد ثانويتها تلامذة المنطقة، والتي منها: عيناثا، رميش، عين إبل، بليدة، عيترون، مارون الراس، كونين، الطيري، بيت ياحون، عين إبل، رميش، مشياً تحت المطر، أو في الريح العاصف. كذلك الكثير من تلك الأيّام لا يزال يتشبّث بالذاكرة منها "المعارك" التي طالما نشبت بسبب ومن دون سبب بين الطلاّب بعد انتهاء دوام الدرس، وقبيل الإفتراق كلٌّ إلى حيث أتى، والتفوّق في الشجاعة لأبناء "مارون الراس"، ثمّ لأبناء عيترون، والتفضيل لأبناء مارون الراس لأنّهم تمثّلوا جغرافيّة ضيعتهم صعوداً أكثر من 900 متر عن سطح البحر، وتشرف على الجليل الفلسطيني المحتلّ، ومكابدات أبنائها في "الهبوط" إلى مدرسة بنت جبيل، و"تسلّقاً" إلى بيوتهم.
وحتى الدولة اللبنانيّة وافقت أخيراً على إرسال معلّمين إثنين بشرط أن يؤثّث أبناء مارون الراس أنفسهم مدرسة، ما اضطرّهم للتسلّل إلى مستعمرة "أفيفيم"، ذاتها التي ضرب فيها حزب الله ردّاً على إغارة إسرائيليّة بمسيّرة مفخّخة بالمتفجّرات مكتباً له في العاصمة بيروت. وقصدوا مدرسة المستعمرة ليلاً، ونهبوا منها مقاعد ومكاتب وطباشير ونوافذ، وجهّزوا مدرستهم الإبتدائيّة. وترجع الذاكرة إلى "سوق الخميس"، هو سوق عمره مئات السنين، يتمّ التحوّج منه ولقاء أبناء القضاء على وقع نداءات باعة الخضروات والأسماك والملابس والحلويات واللحّامين: "فستق مش لحمة"، و"عجّل عالعجل".
هذا وأكثر ما تتميّز به حياة القرية في ذلك العصر والأوان سهرات السمر على إسم الشعر، ونوادر حاضرهم، والأفراح ـ الأعراس، وزلاغيط: "آويها اسم الله عليك \ آويها وعين الله عليك \ آويها وعين الحاسده تعمى \ آويها ما تعدّي عليك"، ومجوز المسلماني الكونيني للدبكة أيّاماً متّصلة، إلى زمن الإنفتاح على المدن مثل صور وصيدا والعاصمة بيروت بالبوسطة ـ الحافلة، وتحديداً "بوسطة أبو حيدر" وصاحبها عبد الكريم بيضون وسائقها حسين تقّو، أو الثانية لا غير، وهي "بوسطة نعيم شرارة".
ومن جمالات صور بحرها الساحر: "شاطئه الرملي الناعم، ومياهه التي تمتدّ إلى ما لا نهاية، ولونه الأزرق الذي يلامس الشفق، فيختلط الأزرقان في النهاية في خطّ دائري يتقاطع مع أشعّة الشمس الذهبيّة التي تنعكس متلألئة كأساور الذهب في معصم حسناء، كحوريّة البحر.." ص96. ثمّ إلى صيدا، فالعاصمة بيروت، فإلى الكويت عبر سوريا والعراق برّاً "بالأوتوبيس"، والصحراء: "الممتدّة حولك في جميع الإتّجاهات.. هذا العالم الغريب المتّسع أمامك حتى يلاصق السماء.. أنت الإنسان الكبير بعقله وعلمه واختراعاته تجد نفسك حبّة رمل، من هذه الرمال التي لا تحصى، أو لنقل ذرّة تراب من نجم يسطع أمامك من بين هذه النجوم التي تتلألأ في هذا الكون.." الفسيح ص178، فإلى فرنسا والعالم الأوروبّي، حيث لقاء الحاضر المشعّ بالمستقبل والأحلام التي تُرى بالعين المجرّدة.
"الخروج من الجنّة ـ الخروج الأوّل" سيتبعه على ما يبدو خروج آخر، سيكتب لنا عنه د. عبد المجيد وهبي وقد صارت له أسرة ناجحة مع زوجة رائعة هي د. رجاء. والكتاب هو حقّاً في الحنين المتأصّل، ولأيّام بِكر، وفيه تفاصيل عن الفقر والأرواح القويّة والصامدة بوجه الخطر الصهيوني. وإذا كلمة فالتمنّي أن يحذو حذو د. عبد المجيد وهبي الكثيرون من كتّاب جبل عامل، لتسجيل تواريخ شعبيّة، فمن لا تاريخ له أبداً لا وجود له.
[email protected]