قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كما في كل رمضان، كثيرة هي الأعمال التي تعرض سنويًا خلال أيامه الثلاثين، والتي قيل بأنها قد وصلت في هذا العام إلى حوالي 150 عمل، لكن قليل منها هي التي يمكن للمرء متابعتها دون أن يشعُر بضياع وقته، وقد يأخذ الأمر عِدة أيام مِن المتابعة لعِدة حلقات، لكي يخرج منها المرء بواحدة أو إثنتان تستحقان المشاهدة. لكن في هذا العام كان إسم الأديب الراحل أسامة أنور عكاشة كافيًا للملايين لدفعهم إلى مشاهدة عمل كتبه كقصة، لكن وضَع له السيناريو والحوار الكاتب محمد سليمان عبد المالك، وبالفعل كان العمل إستثنائيًا، ولم يُضَيّع وقت مشاهديه.

الشخصية المحورية في المسلسل، والتي تدور حولها أحداثه، هو بليغ أبو الهنا، الذي كان يعيش بإحدى الدول الأوروبية، لكنه يُقرر العودة إلى مصر لاستعادة حَقه في ميراث والده، بعدما خسر أمواله في صفقة فاشلة، أصبح بسببها مدينا بمبلغ كبير لأحد رجال المافيا. لكن بعد عودته إلى القاهرة، إكتشف بأن إستعادته لإرثه ليس بالسهولة التي كان يتصورها. فقد وجد أن زوجتي أخويه بشخصيتيهما المتناقضتين تعيشان حالة حرب بكل معنى الكلمة، إلى درجة تقسيم القصر الذي كان يضُم أسرتيهما بجدار فاصل، وزَرع العداوة والتفرقة بين أبنائهما بسبب المال. هنا قرّر بليغ أن يأخذ على عاتقه مهمة إصلاح ذات البين بين العائلتين، لكن مهمته هذه واجهت مقاومة عنيفة مِن أغلب أفرادهما، بإستثناء الشابين الأصغر سنًا، وهما ولاء إبنة أخيه فطين، وإبن عمها طارق إبن أخيه أمين، اللذان تتطور بينهما علاقة حب تذكرنا بقصة حب علي وزُهرة في ليالي الحلمية، لكن بأجواء عصرية أقل رومانسية، وبنهاية سعيدة أكثر واقعية.

بليغ فيه من حَسن أرابيسك، بشخصيته الغامضة القلقة التي جذبت إليه أكثر من إمرأة، وبعبثيته وضياع بوصلته، وبتأجيله للأشياء وإدخاله لنفسه، وأحيانًا من حوله، بمشاكل هو في غنى عنها لرغبته بمساعدة الآخرين. وفيه من أبو العلا البشري بمثاليته، ومحاربته لطواحين الهواء، عِبر محاولته إصلاح العالم الذي حوله، من خلال لم شَمل عائلتي أخويه الذين بينهم ما صَنَع الحداد، كما حاول البشري ترتيب أوضاع عوائل أقاربه وإصلاح حالهم. وفيه من بِشر عامر في زيزينيا بفلسفته الخاصة في فهم الحياة المبنية على المجازفة وعدم الخوف من أي شي وعزوفه عن الزواج. لكن بليغ يبقى شخصية جديدة أصيلة فيها فقط مَلامِح عكاشية من كل هؤلاء. لذلك ربما إختلفت نهايته عنهم، فكانت أفضل من نهاية البشري الذي إنتهى به الأمر في مَصَح للأمراض العقلية، ومن نهاية حَسن وبِشر التي أبقاها مفتوحة. أو ربما كان الراحل عكاشة متقصدًا في إختزالهم بأبو الهنا، لكي يعَوّض لهُم عن النهايات المأساوية أو المجهولة والمفتوحة الإحتمالات، التي رسمها لهم سابقًا وكان أحلاها مُر، وليزرع بعض الأمل في نفوس مَن تأثروا بهم حينها؟ أو ربما هي صُدفة؟

طبعا شخصية المثقف المُعتكف عَن العالم، الذي يَنصَح البطل، حينما يقع في مأزق أو تتعدد خياراته، كانت حاضرة في العمل، كما في أغلب أعمال عكاشة، وتمثلت في شخصية عَم بليغ، أستاذ الفلسفة جابر أبو الهنا، التي جسّدها الفنان القدير أحمد بدير بأستاذيته المعهودة، كما تمثلت بشخصية شيخ عبد الفتاح التي جسّدها بدير أيضًا في زيزينيا، أو شخصية الرسّام وفائي التي جسّدها الفنان الراحل حسن حسني في أرابيسك، أو شخصية مصطفى سعفان التي جسّدها الفنان القدير صبري عبد المنعم في أبو العلا البشري، أو شخصية الموسيقي وحيد التي جسّدها الفنان القدير عبد العزيز مخيون في الشهد والدموع.

لقد أثبت خالد النبوي في هذا المسلسل بأنه على عكس ما يصفه به أغلب منتقديه، الذين يرى بعضهم بأنه ليس نجم شباك بسبب أداءه الكلاسيكي كما يدعون، فيما يتهمه البعض الآخر بالنرجسية والتعالي. فقد أثبت أنه نجم شباك بعد أن أشارت إستطلاعات الرأي إلى أن مسلسله رقم1 في نسبة المشاهدة، وأن هناك جمهور واسع ينتظر أعماله التلفزيونية والسينمائية سنويًا لأنه واثق من قيمتها وفحواها، بالإضافة طبعًا إلى تلقائية أداءه وحرفيته التي جسدها على مدى ثلاثين حلقة من المسلسل. أما وصفه بالنرجسية والتعالي، فدحَضته تصريحات أغلب زملاءه في العمل، الذين تحدثوا عَن تواضعه ودَعمه للشباب منهم تحديدًا. مشكلة خالد النبوي غالبًا، هي أنه فنان بارع وشاطر وملتزم ومتمكن من موهبته وإمكانياته، يسعى للحِرفية في مجال لا يزال أغلب العاملين فيه يفكرون ويتصرفون بطريقة الهواة، وهو ما يدفعهم إلى رؤيته بالصورة التي يصفونه به. إلى جانب خالد النبوي، كان إختيار بقية الكادر مُوفقًا جدًا، والذي لم يكن لينجح بدونه، بدئًا بالنجوم الشباب، وعلى رأسهم ولده نور النبوي وسلمى أبو ضيف اللذان شكّلا ثنايًا رائعًا، بالإضافة إلى آية سماحة، إسلام إبراهيم، ريم الشنواني وشريف حافظ وغيرهم. طبعًا إلى جانب الأداء المُتمَيّز لنخبة من النجوم، على رأسهم أنوشكا التي تثبت يومًا بعد آخر أن براعتها في التمثيل لا تقل عن الغناء، بعد أن أدّت دور سيدة أرستقراطية بإحتراف، كما أدّت وفاء عامر دور السِت البلدي بإبداع، بالإضافة إلى هلا شيحة، نور، عمرو مهدي وصبحي خليل. وطبعًا ما كان العمل ليخرج بهذا الألق لولا مشاركة نخبة من الفناين الكبار، حَلّوا ضيوفًا على العمل وأغنوه بحضورهم، في مقدمتهم كمال أبو رية، صبري فواز، محمد الصاوي، سلوى محمد علي، هناء الشوربجي، لطفي لبيب، تميم عبده ومصطفى حشيش وآخرين.

روح العمل ذكرتنا بمسلسلات الزمن الجميل والفن الأنيق، والتي يبدو أنها روح الغائب الحاضر أسامة أنور عكاشة التي رفرَفت على العمل، وأضفَت عليه، إلى جانب رؤية المخرج الشاب المبدع محمد سلامة، وحوار السينارست محمد سليمان عبد المالك، الكثير مِن الجَمال والتلقائية والواقعية التي باتت تفتقدها أغلب الأعمال الرمضانية، التي أصبح معتادًا أن يتم سلقها قبل أيام من رمضان لحَشو البرنامج الرمضاني وتحقيق المشاهدة لغرض الإعلانات. فأجمل ما في العمل هو أنه يشعرك بأنه حقيقي غير مفتعل بقصته وأجواءه وشخصياته. ربما لغة الحوار إختلفت، لأن الزمان والمجتمع إختلف، وكان على المؤلف والمخرج أن يعكسا هذا الأمر، وهو تحدي لم يكن سهلًا، ربما لم ينجحا فيه 100%، لكنهما نجحا فيه إلى حد بعيد. فليس من السهل إن تعيد صياغة حوار قصة لأسامة أنور عكاشة لتُخرِجها وكأنها تحصل في 2022 وليس في الثمانينات، وهو الذي لطالما كان في رواياته محللًا للمجتمع، ولطالما كانت مسلسلاته تعكس تحديات زمنها.

حتى إختيار تترات العمل كان موفقًا جدًا، فمع بداية كل حلقة كان مدحت صالح يشجينا بأغنيته الرائعة "جايلكم ياللي وحشتونا"، التي كانت تشوِّقنا وتبعث فينا بعضًا من روح التفاؤل بنجاح بليغ في مهمته، في زمن لم تعد أخلاق ناسه وطباعهم تدعو إلى التفاؤل، وهو ما تشعرنا به أوتار الشيلو في موسيقى تتر النهاية، التي تدفعنا إلى التعاطف مع بليغ والخشية عليه من غدر هؤلاء الناس، وترَقّب ما سيحدث معه في الحلقة القادمة، والتي كان المخرج موفقًا في الإستغناء عنها في تتر نهاية الحلقة الأخيرة، وإستبدالها بأغنية فرايحي تناسب نهاية العمل.

طبعًا كل هذا لا يعني أن العمل لم يخلو من بعض السلبيات، منها، وهي مُشكلة أغلب أعمال رمضان، هي مَط الأحداث والإمعان في تكرار تفاصيلها، كعلاقة الكُره والعداء بين ابناء العمومة من العائلتين، التي إستهلكت جزئًا كبيرًا من أحداث المُسلسل، بالإضافة إلى الإعلانات المتكررة التي تخللت مَشاهِده، والتي إستغرقت عادة وقتًا أطول من وقت المَشاهد التي تسبقها أو تليها، مما تسَبّب بإدخال المَلل إلى نفوس مشاهديه.