إيلاف من عمان: تبحث رواية "المهندس" للكاتب الأردني سامر حيدر المجالي عميقاً في التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت مدارات وآفاق عاش في كنفها الشباب العربي على مدى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مقدمة في الوقت ذاته نظرة شاملة على النجاحات والإخفاقات التي يمنى بها الشبان والشابات في فضاءاتهم المهنية والإنسانية.

تدور أحداث الرواية في ثلاث دول عربية هي الأردن ومصر والإمارات، وإذ تنطلق القصة من عمان، حيث وُلد ونشأ "فراس" وأمضى سني شبابه الأول، إلا أنها سرعان ما تنقلنا إلى دبي، حيث هاجر البطل بحثاً عن عمل بعد التخرج في اختصاصه عنوان الرواية، وهو مطلب ومسعى كل أقرانه، نظراً لضيق سوق العمل المحلي، لنلقي بهذه القفزة التي تفصله عن المكان وتصله به في آن نظرة فاحصة على التحولات التي شهدها العصر، خاصة في عالم المال والأعمال. ونجد فراس يصف دبي بقوله: "المكان دائماً صاخب، تشعر فيه بأنك محاصر بالفخامة، تطل عليك الأبراج كما لو أنها كائنات علوية تحرس المكان، يتوقف الزمن متى خالجك هذا الشعور العلوي، وينتابك خليط من الرهبة والاستمتاع فتمنحك اللحظة رحيقها كاملاً.. على جانب الرصيف تقع عشرات المقاهي والمطاعم المزدحمة دائمًا ببشر من جميع الأعراق، يجد المرء عربا وغربيين وشرق آسيويين وأفارقة وأتراكا وكل ما قد يخطر بالبال من أمم الأرض.. يتجاورون على الطاولات وربما شكلوا مجموعة واحدة. الغالب على الناس هناك إلا قليلا منهم أن تتضاءل المسافات الثقافية والإثنية؛ ذاك أول ما يبدو للناظر، وهو ما يميز المدينة بوصفها مركزًا عالميًّا للأعمال والتسوق والسياحة".

الثيمة الهندسية
في هذا النص بالذات، كما في أماكن أخرى من الرواية، نجد حرص الراوي على إبراز الثيمة الهندسية التي يربطها بالإنسان، فيقدم رؤى مكانية ذات طابع هندسي، ويتحدث عن سمات العمران، ليذكرنا بأن الإنسان والمكان يرتبطان برابط لا فكاك لأثره. ويستذكر الراوي معماريين أعلاماً تركوا بصماتهم في الحضارة الإنسانية، ويعمد إلى المزج بين الهندسة والحالات النفسية التي يمر بها بطل الرواية، خالقة علاقة فريدة من نوعها بين الجانبين.

في تسجيلها للرؤية الموضوعية للزمان الذي لا تزال أحداثه حية، تحيلنا الرواية إلى تفاصيل يومية يعيشها الشباب العرب في مواقع متعددة، مع مراعاة التداخلات الجغرافية والزمنية في سياق الأحداث. إذ تعيد "المهندس" القارئ إلى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في الأردن، مع إلقاء الضوء على عهد الناصريين وفترة الانفتاح في مصر. تُظهِر السمات الفريدة لكل فترة للقارئ، رابطة الحاضر بالماضي بطريقة مثيرة. وهي تقدم لمحة متكاملة عن العقد الفائت، مركزة رؤاها على السنوات الرئيسية من 2010 إلى 2019، حيث شهدت هذه الفترة العديد من المحطات المهمة في تاريخ الشباب العربي المعاصر.

حصاد الهجرة
تركز الرواية على الجانب النفسي للهجرة، وهي وإن حدثت برغبة وتوق المهاجر، إلا أنه يحصد آثارها عميقاً في روحه ووجدانه. ونقرأ في الرواية: "يا إلهي، ما الذي يحدث! كيف يوجد الشيء في الوقت نفسه في مكانين؟! هذا لا يحدث أبدًا إلا خارج حدود المنطق. انهارت الأبعاد وتفتت الزمن، صار العالم هلامياً ولم يعد للهندسة من وجود البتة.. ماذا يبقى منّا إذا اختفت الهندسة وفقدنا اليقين؟". ولا نفتأ أن نقرأ أيضاً كتأثير لكل ذلك: "الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تنطبق فيه قوانين الروح على المادة، والمادة على الروح. روحي تعاني من حالة تشبه الإجهاد الفيزيائي. تعب ثم راحة، ثم تعب ثم راحة، ثم تعب ثم راحة، ثم خيبة فأمل، فخيبة فأمل، فخيبة فأمل، هذا هو الإجهاد بعينه، أو ما يسميه الخواجات (Fatigue). ونهايته دائما انهيار كامل في المنظومة".


لا تخلو الرواية من جانب صوفي فلسفي، لا سيما مع معاناة بطلها من كآبة شديدة لازمته طوال مراحل الرواية. يقول فراس واصفًا: "إن كل ثانية من الكآبة تمر بي في هذا العالم تعادل أبدية من السواد. إذا كان ربك قد أتقن صنعه فلا بد أنه أودع في هذا العالم أسباب سعادته، فلماذا نتخلى عنها بذريعة ننسبها إليه وهو الخالق؟! هذا ما أؤمن به، وأراه من حسن الظن بالله واليقين بعدالته ورحمته".

من هو سامر حيدر المجالي؟
روائي وباحث أردني في مجال التصوف والفلسفة، حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من الجامعة الأردنية، والماجستير في إدارة الأعمال من جامعة نورثامبتون البريطانية، صدر له "شياطين في حضرة الملكوت" (بحوث عرفانيَّة وفلسفيَّة - 2017)، "أكمام الحب والغضب" (نصوص - 2019)، "المؤابي" (رواية - 2020)، "شهود من أهلها" (جمع وتحرير - 2020)، "مع الحياة نظرات في صفاتها وأسرارها" (فلسفة - 2021). وقد صدرت روايته "المهندس" عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، في 192 صفحة من القطع المتوسط.