طلال سلامة من برن (سويسرا): اصطدم الخبراء فجأة بحقائق جديدة مريرة برزت على السطح، لتظهر وجهاً آخر حساساً للغاية للاقتصاد العالمي. على سبيل المثال، احتلت هنغاريا، المرشحة الجديدة للإفلاس في دول الاتحاد الأوروبي، ساحة المستجدات الاقتصادية، يوم أمس، ما آل إلى تدهور اليورو إلى حد أبعد.
يشكل ما يحصل في هنغاريا إنذار لانتقال أزمة الدول الأوروبية المفلسة، أو الموشكة على الإفلاس، إلى دول أوروبا الشرقية بسرعة. علاوة على ذلك، تدور الشبهات الآن حول وجود ثقوب سوداء في موازنات بعض المصارف الإيطالية والفرنسية (على رأسها مصرف سوسيتيه جنرال) التي ساهمت في تدهور البورصات العالمية في حالة من الذعر واليأس.
على صعيد أميركا، فإن الشكوك عادت لتحوم مجدداً حول مدى صلابة الانتعاش الاقتصادي هناك. صحيح أن حكومة باراك أوباما نجحت في توفير حوالي 430 ألف وظيفة، في الشهر الماضي، إنما يجب احتساب ما تم تدميره، من وظائف، في العامين الأخيرين، بلغ مجموعها حوالي 8 مليون وظيفة.
كما إن نوعية الوظائف الجديدة مخيبة للآمال. إذ إن معظمها قصير الأمد، ويتركز في قطاع الإحصائيات الديموغرافية. وبرغم توجه حكومة واشنطن نحو تخصيص 100 بليون دولار، لمساعدة العاطلين عن العمل والشركات الصغيرة، إلا أن أميركا تواجه الآن عائقاً يتمثل بقوة الدولار الأميركي، الذي بدأ يؤثّر على حركة الصادرات الأميركية. وبما أن الاقتصاد الأميركي ما زال في مرحلة نمو quot;جنينيةquot;، فإن رياح الخوف ما زالت تسيطر على أوروبا. على صعيد المستهلكين الأميركيين، المجبرين على تخفيض ديونهم بقدر المستطاع، فإن التقلبات المالية، التي تتخذ من أسواق الاتحاد الأوروبي مقراً لها، لا تبشّر بالخير.
على غرار ما حدث في اليونان، كشفت حكومة بوادبست النقاب، فجأة، عن أن موازناتها العامة تعرضت لعمليات غش. ما يعني أن الائتلاف الجديد، الحاكم في هنغاريا، تملكته الشجاعة لتمزيق غشاء الأكاذيب، الذي لف موازناتها العامة لسنوات طويلة.
في سياق متصل، يشير البروفيسور ألدو رامبيني، في قسم العلوم الاقتصادية في جامعة لوغانو السويسرية، لصحيفة quot;إيلافquot; إلى أن الوقت ما زال باكراً كي تعلن هنغاريا عن إفلاسها. مع ذلك، ثمة العديد من المصارف الأوروبية والسويسرية التي لها درجة انكشاف مهمة، تختلف بين مصرف وآخر، على دول أوروبا الشرقية. وفي الوقت الحاضر، تعاني بعض الأنظمة المصرفية الأوروبية من وضع سيء، لا سيما النظام المصرفي الأسباني.
على صعيد موجة الذعر، الناتجة من تصريحات حكومة بودابست الجديدة، فإن تداعياتها، وفق رأي البروفيسور رامبيني، انعكست فوراً على عودة ارتفاع الفوائد على تبادلات المخاطر السيادية quot;سي دي اسquot;. ومرة أخرى، برز الشرخ الذي يفصل بين أسواق الدول الأوروبية القوية، مثل ألمانيا، والدول الأوروبية الجنوبية البحرمتوسطية.
هذا ويتوقف البروفيسور للإشارة إلى أن الفرنك السويسري، الذي يعتبر الملجأ التقليدي المضاد للعواصف التي تضرب أسواق تبادل العملات، حقق تقدماً قياسياً أمام اليورو (اليورو الواحد يعادل 1.39 فرنك سويسري). ما يمهد الطريق أمام جولة أخرى من المضاربات في قلب البورصات.
ويلفت البروفيسور رامبيني الانتباه إلى أن بعض صناديق التقاعد، الحكومية الأميركية، بدأت الانسحاب من بعض الدول الأوروبية من جراء معطيات أوروبية غير رسمية، مقلقة جداً. وفي ما يتعلق بالهروب الجماعي للمستثمرين، نحو سندات الخزينة، الأميركية والألمانية، ينوه البروفيسور بأن هذه الظاهرة ستسبب تكلفة أعلى لإعادة تمويل الديون العامة الأوروبية.
بالنسبة إلى قمة العشرين في كوريا الجنوبية، يبرر البروفيسور رامبيني فشلها بعدم قدرة رؤوساء هذه الدول على صوغ قواعد مصرفية ترمي إلى تقليص المخاطر وتوطيد البنى التحتية لمؤسسات الائتمان، حول العالم. فأوروبا وأميركا لا تسيران على الدرب نفسه. في حين تضع أميركا أمامها أولوية النمو الاقتصادي، وهاهي أوروبا تسعى إلى تشديد سياساتها الضريبية. لذلك، يجد قباطنة الاقتصاد العالمي أنفسهم اليوم.. من دون بوصلة.









التعليقات