في زمننا هذا، زمن القرية الكونية، وزمن انكسار الحدود، تصبح نزعة الكوزموبيلتان، ضرورية للكاتب، ضرورة الخبز. فلا كاتب بلا هذه النزعة. حيث انتهى زمن الكُتاب المحليين، بالمعنى الضيق للكلمة. وليس معنى هذا، أن يتخلى الكاتب عن خصوصيته المحلية، وإنما، بالعكس: أن يُثريها بفتحها على إنسانويتها وكونيتها. وبما أن الكاتب، يتعامل مع الأفكار بالدرجة الأولى، فهو أولى، إذاً، بتلك النزعة، من غيره - ممن يعمل في مجالات أخرى. ذلك أن الأفكار، مادة الكاتب الخام، قابلة أكثر وأطوع من غيرها، على التعميم والتجريد، ووصل ما انقطع بين البشر. لعل هذا المدخل يكون ضرورياً، للحديث عن نوع من الكُتاب العرب، وبالأخص الورقيين منهم، الذين ما زالوا يتشبثون بورقهم، وبأفقهم الضيق، وكأنهم لاعبو هذا العالم الوحيدون!

تجلس مع الواحد منهم، فتشعر، بعد ربع أو نصف ساعة، بالاختناق! إنه يتكلم، كما لو كان هو المركز، وكل العالم: أطراف! تبتسم إذا قدرت على هذا الفعل الكبير، وتختنق إذا لم تقدر. يقول لك إن كتابات الإنترنت والمواقع الصحفية والثقافية فيه، ما هي إلا صحافة صفراء. تسأل لماذا؟ فلا يكون الردّ سوى نوع من المزاج الأناني، المغترب عن عصره والمتعالي على مستجدات هذا العصر.
تقول له: إن الإنترنت، على الأقلّ، يعزز النزعة النسبية لدى المطلع عليه، فيعود يخجل من الأحكام المطلقة والتعميمات الجائرة. لا يفهم الرجل، ويواصل هجومه على صحافة الإنترنت الصفراء، بما هي صحافة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ. تقول له ليس هذا صحيحاً، بالمجمل، فثمة مواقع ممتازة ومهنية، وتفوق كثيراً مستوى النشر الورقي. إنما لا يصدق الرجل! فهو بعقليته الديماغوجية، الإطلاقية، ونزعته التبسيطية، لا يرى غير ما يريد أن يراه. بعد وقت ما، تصل إلى قناعة، بأن مجرد الحوار، كان خطئاً من الأصل. فأنت كمن ينفخ في قربة مقطوعة. ثم إن فاقد الشيء لا يعطيه! تبتسم [ هأنتذا فعلتها أخيراً! ] وتقوم، مشفقاً على انحطاط وعي الرجل، ومؤمناً بالمقولة الخالدة: الحياة أقوى من كل هؤلاء!
لماذا؟ لأن الحياة أكبر وأوسع من الكهوف. وهؤلاء الكُتاب: كائنات تعيش تقاليد الكهف، وتخلص لها، إخلاصها لنزعة البقاء المتأصلة فيها كغريزة. [ هل نسترجع، أمثولة كهف أفلاطون، في هذا السياق؟ ]. أظنّها تظبط! ومع ذلك، فالحياة كما قلنا منذ قليل، أقوى. ولن يتأخر الزمن كثيراً، حتى يصبح هؤلاء الكّتاب الورقيون، مثل عازفي سيمفونية هايدن الوداعية الشهيرة: حيث يقوم كل عازف منهم، وواحداً بعد الآخر، بمغادرة خشبة المسرح، مطفئاً شمعة!

إن الزمن أقوى من الأشخاص. وكثيرون من البشر، مَن كانوا يؤمنون بأن لا بدائل عنهم، ومع هذا، ها هي المقابر تغصّ بهم، مثلما تفعل مع غيرهم! ذلك أن من لا يتغيّر يتحجّر. ومن يتحجّر، سوف تلقيه الحياة من علٍ. ذلك هو درس الحياة والموت معاً. فكيف لكاتب محسوب على الكُتاب أن يقع فيما يقع فيه العاديون من الناس؟

أظنّ أن السبب هو عدم وجود نزعة كوزموبوليتانية لدى هذا النوع من الكُتاب. فالنزعة تلك، تفتح أمامه الأفق واسعاً شاسعاً، لكي يرى برحابة لا من خلال خرم إبرة. لكن هذه النزعة، لن تُوجد، ما لم تتوفر لها بنية ثقافية تحتية، أساسها الاطلاع على الثقافة العالمية، كثراث بشري ملك لجميع البشر، بغض النظر عن لغاتهم أو أماكن تواجدهم في هذه الدولة أو تلك. أي التعامل مع التراث العالمي للبشرية، وكأنه تراثك الخاص والأصيل. على أن يسبق ذلك ويرافقه، مزاج فردي يتسع لبانوراما المصير البشري، وأنشطة الناس في كل مكان. إذ ليس أجدر من الكاتب، باحتضان هذا التراث، كمكوّن عام وخاص في آن معاً. ما يُحيلنا على روح وروحية الكاتب، في عصرنا هذا. سيما وأن الكاتب، كائن مادي وروحي، وينتمي للروح العامة، أكثر مما ينتمي لروح بلده أو قبيلته. ولعلّ الكاتب، في هذه الخصيصة، يُشبه، بل يفوق رجلَ الدين، حيث الأخير، روحي وروحاني داخل حظيرة دينه فقط. أما الكاتب، فهو منذور للبشرية جمعاء، لا لجماعة صغيرة من جماعاتها الكثيرة. وما لم تتوافر هذه الروح النبيلة تحت إهاب الكاتب، فلن تتوفر له نزعة الكوزموبيلتان. وما هي هذه النزعة بالتبسيط المخل؟ هي أن ترى، حتى وأنت في كهف الفيزياء، أشواق ومعاناة الآخرين، في الكهوف الأخرى البعيدة، عن حواس سمعك وبصرك ولمسك وشمّك إلخ.. فبهذا تكون كاتباً وتحمل هذه الصفة الجليلة. أما أن تكون كاتب حارة أو بلوك أو قرية أو مدينة، جاعلاً كل ثراء وتنوع العالم الأرضي، خلف ظهرك، وبحيث لا يعنيك، فتلك ليست من شيم الكاتب الذي يستحق هذه الصفة.

[لستَ وحدك في هذا العالم]! تلك عبارة يجب أن يتذكرها الكاتبُ دائماً وأبداً! تلك العبارة البسيطة لكنْ الغائبة عن وعي بعض كُتابنا العرب، في أوائل الألفية الثالثة.
ولا أعرف لمَ يذكرني هذا الموقف، بموقف المسرحي الفرنسي الراحل جان جينيه، من تلك الخادمة التي وجدها في بيت أحد أصدقائه، ذات يوم. فكانت تعوم على بحر من التفاصيل اليومية التافهة المزعجة، ما أغضب جينيه، وما دفعه على السؤال الاستنكاري: ألا يوجد شأن عام تتحديثن عنه، اللعنة!! إن حال هذه الخادمة المدمنة للتفاصيل، المكتفية بعالم صغير خانق، يشبه إلى حد بعيد، حال بعض كُتابنا. فهم أسرى نظرتهم الضيقة للحياة، وضحايا تفاصيلها العنكبوتية، التي بلا طائل وبلا معنى. فكيف لكاتب على منوال كهذا، أن ينتج أدباً أو كتابة تهمّ الناس؟ إن مهمة الكتابة، آنياً وفي المطلق، أن تحوّل الخاص إلى عام، لا العكس. وكل كاتب يفشل في هذا، يتوجب إبعاده عن حقل الكتابة، بوصفه واحداً ليس من ذوي الاختصاص!

فالكتابة بالتعريف البسيط لها، هي: همّ عام. ولأنها كذلك، فهي أولى مناشط الإنسان بالنزعة الكوزموبيلتانية. فالكاتب مواطن عالمي، وبما هو كذلك، فهو كاتب منذور للبشرية، أكثر مما يفعل لشعبه أو جماعته. ينطبق هذا الرأي، على الكُتاب باختلاف تخصصاتهم، من الكاتب الشاعر والأديب إلى الكاتب الصحافي، صاحب العمود اليومي أو الأسبوعي. فكلاهما يجب أن ينطلق من مسئولية أخلاقية تجاه هذا العالم. وكلاهما يجب أن يصدر، أولاً وأخيراً، عن روح هذه المسئولية، في كل كلمة يكتبها.