مابين 1640-1765

البحث في مصادر التمويل
على الرغم من قلة الأرباح وحالة الإرباك الإداري الذي كانت تعاني منه شركة الهند الشرقية الإنكليزية في البصرة، فإن النفوذ البريطاني كان قائما باعتبار السيطرة المباشرة على طريق تجارة الهند،تلك التي كانت تمثل المصدر المالي الرئيس للبصرة. ومن هذا فإن البريطانيين راحوا يتوجهون نحو استثمار هذا العامل بوصفه وسيلة ضغط على المتسلم والإدارة المحلية، حتى راح البريطانيون يهددون في كل مناسبة بالانسحاب من الميناء. (25) والواقع أن العام 1731 كان قد شهد تحديدا للعلاقة بين الطرفين، لا سيما في أعقاب بروز المزيد من المشكلات التي تخص الصلاحيات المتعلقة بالإدارة المحلية وطريقة توزيع النفوذ بإزاء شركة الهند، والتي حاولت ممارسة طريقة الضغط من أجل الحصول المزايا، في الوقت الذي تطلع فيه متسلم البصرة نحو توكيد حضوره الإداري والسياسي. ومن واقع المصالح، فإن مسؤولية معاقبة الموظفين التابعين لشركة الهند،باتت من صلاحيات المقيم البريطاني. أما بالنسبة لمسألة تحصيل الديون فإن التوجه كان قد تركز حول أهمية أن يتولاها القاضي المحلي وبحضور المقيم البريطاني. ومن هذا الواقع فإن البريطانيين راحوا يتوجهون نحو تدعيم نشاطهم التجاري في الداخل العراقي، من خلال محاولة تسيير بضائعهم في نهري دجلة والفرات، فيما تم العمل على تحديد الضريبة الجمركية والبالغة 3%،باعتبار الاستناد إلى معاهدة الامتيازات الأجنبية الموقعة مع السلطان العثماني. حيث كلن التركيز على تجارة القماش بوصفه البضاعة البريطانية الأكثر رواجا، أما بالنسبة لتكثيف مجال الفعاليات والتبادل، فإن التوقيت كان يتركز خلال شهري أكتوبر ونوفمبر باعتباره الموعد الذي يتم فيه وصول القوافل النهرية القادمة من بغداد والبرية القادمة من حلب، حيث يتم الإعداد لإرسالها نحو الهند. ( 26)

الطريق إلى بغداد
وجد البريطانيون أنفسهم في مأزق الطلبات المباشرة الصادرة من قبل العدوين التقليديين، الفارسي والعثماني، فخلال توجه نادر خان الأفشاري للسيطرة على البصرة، طلب منهم الحصول على المعونة البحرية، حيث تم طلب بيع أو إيجار بعضا من سفن شركة الهند، المتواجدة في ميناء بندر عباس، من أجل تدعيم الأسطول الفارسي المتوجه نحو غزو ميناء البصرة عام 1735. لكن البريطانيين رفضوا مبدأ التدخل في هذا الصراع باعتبار الخشية من ردة الفعل العثماني بإزاء مثل هذا العمل، والذي سيكون له عواقب وخيمة على طبيعة الوجود البريطاني في البصرة، ولعل الملفت في الأمر يقوم على طبيعة الموقف الصارم الذي تبدى من قبل شركة الهند، والذي استند إلى توصية الوكيل لبريطاني في بندر عباس إلى غلق وكالة بندر عباس إذا ما لزم الأمر، ومن هذا تتضح الأهمية التي برزت للبصرة في حسابات الشركة. (27)بالمقابل طلب متسلم البصرة أحمد باشا الحصول على البعض من سفن أسطول الشركة المتواجدة في ميناء البصرة، مما حدا بالمقيم البريطاني أن يقدم اعتذاره، باعتبار الخشية على المصالح التجارية الواسعة التي يملكها البريطانيون في بلاد فارس، مما جعل المتسلم يتوجه نحو السيطرة على سفينتين بريطانيتين، كان لهما أبرز الأثر في تدعيم دفاعات المدينة ونجاحها في صد القوات الغازية. ( 28) ولم تتوقف حالة التداخل في المصالح، تلك التي وجد البريطانيون أنفسهم فيها، فعند توجه نادر شاه نحو حصار البصرة عام 1743، بادر المقيم البريطاني في البصرة، توماس داريل نحو سحب السفن البريطانية من الميناء، مما كان له أبلغ الأثر في تأزم العلاقة مع متسلم المدينة الذي لم يتردد من سجنه. (29)
كان البريطانيون يحرصون وبعمق شديد نحو تركيز نفوذهم في البصرة، باعتبار محاولة التوجه نحو تنظيم شؤون الطريقين، النهري المؤدي إلى بغداد والبري المؤدي إلى حلب. ولاعتبارات تتعلق بإيصال البريد واستمرار فعاليات نقل البضائع. بالمقابل عانى متسلم البصرة من نقص فاضح في الموارد المالية جراء توقف الفعاليات التجارية، في أعقاب حصار البصرة، مما جعله يتوجه للضغط على المقيم البريطاني في سبيل الحصول على القروض المالية، وكان موقف الأخير يقوم على الرفض، حتى جاءت النصيحة من مقر الشركة في بومباي بأهمية استمرار العلاقة وتوطيد أواصر العلاقة مع المتسلم عن طريق تقديم القروض البسيطة والمتواضعة. وكانت حادثة توجه متسلم البصرة للسيطرة على بضائع شركة الهند الشرقية عام 1744 دورها في توجيه أنظار الشركة نحو والي بغداد، الذي لم يتردد عن عزل المتسلم، لتبرز علاقة طرفية بين والي بغداد من جهة، والوكالة البريطانية في بندر عباس من جهة أخرى، حيث بات التفاهم يتوضح من خلال عناية والي بغداد بتوجيه أوامره لمتسلم البصرة بأهمية دعم ورعاية النشاط التجاري البريطاني. ( 30)
تطلع البريطانيون نحو تعميق العلاقة مع والي بغداد، حتى كانت الزيارات قد تكررت من قبل المقيم البريطاني، في سبيل تحقيق المزيد من المزايا، لا سيما وأن التنافس مع القوى الأوربية كان حاضرا، وكان البريطانيون قد حصلوا عام 1765 على أمر من والي بغداد، يوجه به متسلم البصرة بأهمية أن ينال البريطانيين الحظوة والأهمية الممكنة، باعتبار المصالح الواسعة التي تمثلها التجارة البريطانية( 31)يضاف إلى إلى هذا الواقع أن المرحلة قد شهدت حالة التصادم في المصالح التي مثلتها طموحات كريم خان الزند 1750 -1779، والتحالف الذي تم عقده بالضد من البريطانيين، والذي تفاقم خلال سنوات حرب الأعوام السبعة 1756-1763، ليجد البريطانيون أنفسهم مضطرين للانسحاب من بوشهر وبندر عباس،حتى كانت البصرة بمثابة الملاذ التجاري الآمن والواسع الذي يمكن أن يستوعب طموحاتهم. لاسيما وأن الإجراءات التي بذلها والي بغداد في حفظ الأمن، كانت قد برزت نتائجها على صعيد حماية النقل النهري. ومن هذا الواقع فإن التطور الأهم كان قد تبدى في توجه شركة الهند الشرقية إلى نقل نشاطاتها التجارية الرسمية إلى البصرة عام 1763، واعتبارها وكالة بعد أن كانت مقيمية، وتعيين وليم اندرو برايس. ( 32) وانطلاقا من الأهمية التي باتت تقوم عليهال البصرة، فإن السفير البريطاني في استنبول لم يأل جهدا من الحصول على موافقة العاصمة العثمانية على اصدار أمرها بالموافقة على جعل وكالة البصرة قنصلية عام 1764. ( 33)
كان لهذه الإجراءات دورها البالغ في بروز الدور البريطاني في المنطقة، حيث مثلت بالنسبة لها نهاية للتنافس مع القوى الأوربية، حتى برزت ملامح النفوذ السياسي. فيما توسعت أهمية الطريق البري وبرزت أهميته بشكل واضح، حتى تعمقت أهمية طريق البريد، بوصفه طريقا آمنا وسريعا، بعد الاتفاق بين الطرفين شركة الهند من جهة وبريدها القادم من بومباي، والحكومة العثمانية التي راحت توفر الموظفين المختصين بنقل البريد، عبر طريق، البصرة ndash; حلب ndash; اسطنبول- فينا ndash; لندن. ( 34) ومن أجل تعميق الأهمية وترسيخ دور والي بغداد، في العلاقة مع البريطانيين فإن الوالي اقترح طريقا آخر لنقل البريد يقوم على؛ البصرة ndash; بغداد- اسطنبول. حتى نال المقترح الموافقة ليتم الاستناد إلى الطريقين، طريق حلب، وطريق بغداد، مع إرسال نسختين من الرسائل، وبوصل عمر باشا إلى منصب ولاية بغداد، سارع البريطانيون إلى توثيق عرى العلاقة مع الوالي الجديد، حتى تمكنوا من افتتاح مقرا للمقيمية البريطانية في بغداد عام 1765. (35)


الهوامش:
25. عبد الأمير محمد أمين، القوى البحرية في الخليج العربي في القرن الثامن عشر، بغداد 1966، ص 10.
26. يقظان سعدون العامر، نشاط شركة الهند الشرقية الإنكليزية في البصرة، البصرة 1990، ص 21.
27. لوريمر، المصدر السابق، ج 4، ص 1780.
28. عبد الأمير محمد أمين، المصدر السابق، ص 15.
29. علي شاكر علي، تاريخ العراق في العهد العثماني1638-1750، نينوى 1985، ص 204.
30. لوريمر، المصدر السابق، ج4 ص 1787.
31. يقظان سعدون العامر، المصدر السابق، ص 28.
32. محمد صالح العابد، المصدر السابق، ص 46.
33. يقظان سعدون العامر، المصدر السابق، ص 30.
34. عبد الأمير محمد أمين، المصالح البريطانية في الخليج العربي 1747- 1778، بغداد 1977، ص 96.
35. المصدر نفسه، ص 136.

جامعة البحرين ndash; كلية الآداب ndash; قسم العلوم الاجتماعية ndash; شعبة التاريخ