الذكرى الثالثة لرحيل الرئيس رفيق الحريري، الذكرى المُستمرة للفاجعة والقهر والاغتيالات والمهاترات والمواجهة والتحدي، الذكرى الحاضرة للترقب والتربّص والغصّة والحذر، الذكرى الفاصلة بين الحب كعيد والحقد كاستعباد، بين الحب كسلطة والحقد كتسلّط، الطعن بالمصداقية أداة المرحلة الفاعلة بين أطراف النزاع، التشكيك بالآخر أحدث أساليب التواصل المُبتكرة، والتراشق الإعلامي آخر صيحة من صيحات الموضة وزعيق السياسيين، هكذا الحال في بيروت صورة موجزة يكتنفها الأسود على الرغم من تزاحم الأصفر والأورانج والكثير من الألوان، الذكرى الثالثة للتجمّع تأكيدا للانقسام، وترسيخا للشرخ، وتعميقا للهوّة بين quot;المُتناصرين للبنانهم quot;من جهة، والمُتناحرين على لبنانهم من عدة جهاتٍ شقيقة وصديقة ومعادية على كافة الحدود، رصد المشهد ليس بالأمر العسير على الشاهد، لكنه مؤلم دون ريب لتفاقم عدد الشهداء، الأخطر في قانون الاستشهاد هو ذاك السؤال المُتكرر كل صباح وكل مساء: quot;من التالي؟.quot;
الأخطر في قانون الشهادة الرائج هذه الأيام، تكريس هذا المفهوم وإن لصالح المجانيّة التامّة أو إسداء الخدمات المُتّفق عليها quot;مخابراتيا quot;، أو تسديد الثارات الحزبية الجارية والقديمة إكراما لتعزيز النظام الفردي على حساب التعددية والديموقراطية المرفوضة في جميع الأحوال.
المُتغيرات المُستفحلة لم تأتِ على حساب الجو العام نسبيا بل طالت طبيعة المناخ جذريا في لبنان، فالصقيع السياسي نَقَلَ العدوى إلى الطقس حيثُ بدأت درجات الحرارة بالتدهور كما الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى التربوية التي أتاحت لجيل quot;الزعران quot; التناوب على إشاعة الذعر في كافة مفاصل المدينة مدخل كل ليل بافتعال مشكل من العيار الثقيل، وتفجير عبوة مدججة بquot;التي إن تيه quot; لإزاحة شخصية وطنية من درب المُتزاحمين على فرض السيطرة مطلع كل صباح.
الحقيقة لكشف المجرمين الضالعين في اغتيال الرئيس الحريري لم تعد مطلب فريق 14 آذار وحدهم، بل أصبحت مطلب كل الجهات المعنية بالصراع الداخلي في بيروت، فلكل شهيد صار جهة حزبية تُطالب بكشف الحقيقة إكراما لخسارتها الفادحة، ومن سوى الشهداء يصنفوا كأغلى رصيد للتفاوض وأهم مُبرر للتباغض على حدّ سواء، فيا لحظوة من سقط له شهيدا في معركة الشوارع التي يتمّ الحقن المعنوي لها منبريّا لخطابات طويلة الأمد، يسري مفعولها عند أقرب مناسبة للتنفيس ومنعطف للمواجهة، والنشرة الإخبارية مفصّلة كانت أم موجزة تظل دائما فرصة حيّة للتباكي وتسجيل النقاط والردّ الأرعن دون حسيب أو رقيب، وحده المتلقيّ الكفيل دائما بتسديد كافة الفواتير المُستحقة على حساب أعصابه وهدوئه واستقراره وراحة باله الممنوعة من الصرف في جميع اللهجات التصعيد ية، بعدما فقدت اللغة في واقع الأمر وفي سياق ما يجري من مُستجدات سياسية عقيمة ومفجعة في آن قيمتها وجدارتها وجدواها، وخاصّة فيما يتعلق بلغة الخطاب وهي من أهم عوامل التواصل المُتاحة على الأقل بين النخبويين، الذين أعلنوا أنفسهم أسيادا للوطن وحرّاسا لمصير المواطن، اللافت في غمرة ما يدور في الساحة الواحدة المفتوحة على عدة انقسامات وعديدٍ من التناقضات وهو أنّ الجنوح للتصعيد يفسّر لدى الطرف المُعارض سلبا دائما، كذلك الجنوح للتهادن أيضا يفسّر لدى الطرف المُعارض سلبا بذات الفهم وربما أسوأ، فقد كان واضحا أنّ quot;سعد الحريري quot; الشاب الذي لم يتخضرم سياسيا كما ينبغي بعد، الشاب الذي ورث جاه رجل استثنائي كquot;رفيق الحريري quot;، وورث فاجعة مفتوحة على كل الاحتمالات، فاجعة لن يغلقها سوى كشف الحقيقة، هذا المطلب المشروع الذي يعرقله زبانية القتل وحماته الأشاوس، كيف كان يحاول وعلى عاتقه الشخصي ربما وخلافا لرغبة بقية أفراد طاقم 14 آذار أن يسجّل موقفا في خطابه الأخير وبشكل علني حين صرّح ببدء صفحة جديدة ومدّ اليد للتفاهم مع المعارضة من أجل لبنان مناديا quot;بلقاء الساحات لا صدامها، وفتح الطرقات لا إغلاقها quot;، ليأتِ الرد الصارخ quot;المتمترس quot; كالمرصاد بالرفض من ذات اليوم، على لسان السيد حسن نصر الله في حفل تأبين الشهيد عماد مغنية الذي تزامن مع الذكرى الثالثة لرحيل الشهيد رفيق الحريري، حين شمّل خطاب سعد الحريري وبقية الخطب المطروحة في غمرة تلك المناسبة التي خسر الجميع بما فيهم الطبيعة رهانهم على تجمهر الحشود التي حاول معظم أقطاب المعارضة ثني عزيمتها عن الحضور بالترهيب مرّة وزعزعة الثقة أخرى، مع العلم أنّ هذه المخاوف الشرسة تندر تماما عندما تكون الدعوة موجّهة إلى جمهور المعارضة للاحتشاد والتجمهر المماثل، وهذه مفارقة يُمكن التأمّل فيها طويلا والتوقّف عندها مليّا، المهم أنّ العوائق بالنسبة لجمهور الموالاة لم تقتصر فقط على رسائل التنبيه والتحذير والحضّ للعزوف عن المُشاركة بل كانت المآزرة حاضرة من قوى رديفة حين أعلنت الطبيعة تضامنها ذاك اليوم بهطول متواصل ومنقطع النظير.
كان حريا بالسيد نصر الله أن يستثني خطاب الحريري quot;الابن quot; إكراما لذكرى الراحل الكبير الذي لم يضنّ يوما بالدعم والود للسيد نصر الله وهذا بتصريح السيد نصر الله شخصيا أيام الفاجعة على ما أذكر، إذ أنه كان على تواصلٍ مستمر ولقاءات متعاقبة مع الرئيس الحريري بين ضرورة وأخرى، إذن كان يستحق الحريري الابن أن يتلق وإن اليسير من الدعم سدادا لدين سابق في ذمّة السيد حسن من الرئيس الحريري الأبّ، وربما كانت لفتة ذكية من السيد نصر الله كفيلة باستقطابٍ مُحتمل قد يُغيّر بوصلة مجرى الأحداث فيه كليّا. الغريب حقّا أنّ المآخذ التي تُسجّل تِباعا على فريق 14 آذار هي دائما عرضة للتشهير والتنبيه والتحذير وquot;المقاصصةquot;، بينما المآخذ التي تتراكم على فريق المعارضة هي خارج قانون التدقيق والمحاسبة لأي منطق كان. حيث لا منطق يعلو على منطق المعارضة وأتباعها، والاعتصام quot;الخلّبيquot; خير حجّة وخير دليل. ولتقصّي الدليل ولبرهنة الحجّة لا بدّ من مقام آخر يطول فيه الحديث وربما يقصر، على أمل إضافة شمعة في زحمة لا عنين انقطاع التيار الكهربائي الممل، على أملٍ مضاعفٍ كذلك بإعادة الاعتبار لاختلاف الرأي، بعدما أفسده دّعاة الودّ، ورعاة القضيّة.

www.geocities.com/ghada_samman

[email protected]

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية