دعوني اعيد ما كنت قد دعوت اليه قبل سنوات بشأن صناعة كوزموبوليتانيات المدن.. والركائز الاساسية حول اساليب تطور او اخفاق المدينة والريف والبادية في التاريخ الاجتماعي للشرق الاوسط خلال السنوات الاخيرة.. لما كانت بيئاتنا تمتلك عدة من المدن الاستراتيجية والذكية والجميلة. فان الحكومات والمجتمعات في عموم الشرق الاوسط قاطبة مدعوة معا الي فهم فحوي مشروع التقدم وصناعة المستقبل من خلال تطوير البعد الثالث في استثمار عبقرية المكان وجمالياته. وهو موضوع حيوي جدا بحاجة للمزيد من الاعمال والبحوث في المستقبل.. فنحن نمتلك بيئات وامكنة في قلب العالم لا يمكن ان تضاهي ابدا، نعم، نحن نمتلك من المدن الرائعة التي قلما نجد بمثل روحياتها ومناخاتها ومعانيها وخصوبة ازمانها ومواريثها وحيوية سكانها. اماكن وعواصم ومراكز وموانيء لها عبقرياتها الذكية وقدراتها الجاذبة للانشطة والفعاليات والديناميات في قلب العالم. اما الريف، وبالرغم من صغره ازاء البوادي والبطائح والنجود والمفازات فهو منعش في نسماته مزهو بالوان طبيعته في سهوله ووهاده.. وحتي الصحاري والجبال، فان لها نكهة خاصة ولابد ان تكون لها وظائف في غاية التقدم. ان مجتمعاتنا ودولنا مطالبة ان تترجم التسميات التاريخية الى واقع حقيقي ومستقبل مضيئ.. فكيف تعّبر مصر عن كونها ام الدنيا؟ وكيف تعبّر بغداد عن كونها سيدّة البلاد.. وهكذا بالنسبة الى حلب الشهباء والموصل ام الربيعين والبصرة الفيحاء والقدس اولى القبلتين وبيروت ثغر الشرق واليمن السعيد وتونس الخضراء.. الخ
اصناف المدن
ثمة تصنيف جغرافي للمدن فهناك الجبلية مثل: عمان ومكة وقسنطينة والسليمانية والطائف وهناك السهلية مثل: حلب واربيل وحمص وفاس وبعلبك واربد.. وهناك نهرية تشاطئية مثل: بغداد والقاهرة والموصل وحما ودير الزور والبصرة والخرطوم.. وهناك ساحلية مثل: بيروت والكويت والجزائر ودبي وعكا والاسكندرية وحيفا وطرابلس ووهران وتونس والدار البيضاء ومسقط.. وهناك واحات صحراوية مثل: الرياض ومراكش والرمادي وغرادية وفزان والعين والازرق وعين تيموشنت وغيرها. وثمة بوابات بحرية استراتيجية مثل: السويس والفاو وعدن والعقبة وطنجة وبورت سعيد وهرمز.. وثمة تصنيف اخر يتم علي اساس الوازع الاجتماعي والسياسي، فهناك العواصم السياسية مثل دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة والرباط. وهناك العواصم الاقتصادية التي تزاوج بين انشطة سياسية واقتصادية معا وتسمي بــ الكوزموبوليتانية مثل: تونس، بيروت، دبي، البصرة المسماة بفينيسيا الشرق قديما، فهي برية ونهرية وبحرية. وهناك العواصم الثقافية: فاس، القاهرة، بغداد والشارقة وبيروت والموصل. وهناك العواصم الدينية: مكة المكرمة والقدس الشريف وكربلاء والنجف الاشرف وسامراء والمدينة المنورة وقم وغيرها. ولقد ولدت اليوم العواصم الاعلامية في منطقتنا، وتقف على رأسها كل من القاهرة وبيروت والدوحة ودبي..
حيوية البعد الثالث
يستوجب علينا فهم حيوية المكان من خلال طبيعته المعاصرة، وان ميراث مدننا عميق الجذور، وبعضا منه موجود منذ الاف السنين. وعليه، فان كوزموبوليتانية اي مدينة تستوجب توفر ثلاثة عناصر اساسية كي تغدو شبيهة بمدن متطورة في العالم لم تمتلك مزاياها مطلقا: جيوستراتيجية المكان من قلب العالم وجذور تاريخية تمتد في عمق الزمن وحيوية البعد الثالث المتمثل بــ المعاصرة. هذه العناصر الثلاثة هي بامس الحاجة الي التفعيل والانشداد والتوظيف من اجل ان تغدو مدننا وحواضرنا مستقطبة لرؤي العالم وتفكيره وزمنه واستثمارات رؤوس امواله واساليب قوته ومجالات معرفياته واعلامياته.. الخ بدل ان تبقي كسيحة منغلقة تجتاحها الفوضي السكنية والتشوهات العمرانية ومقاهي الكسالي وغرابة التناقضات! وطالما يتألم الانسان وهو يرى مدنه وعواصم بلاده متأخرة من دون اي حداثة، ومبعثرة بلا اي تخطيط.. ومشوهّة بين قديم مهترئ وبين فوضى الحداثة.. انها متأخرة وقذرة ومكتظة باحيائها المسحوقة.. الخ انها فاقدة لحيوية البعد الثالث.. المعاصرة الحقيقية التي افتقدتها منذ خمسين سنة لاسباب كثيرة.

كوزموبوليتانية نموذج مدينة: اقوي قوة جاذبة
لقد وصلت بعض مدننا في المنطقة اليوم مثلا الي قوة جاذبة للعالم كله من خلال قدرتها الكوزموبوليتانية العليا فضلا عن حيويتها وخدماتها وانشطتها الاقتصادية البارعة. وبدأت تستقطب السياحات الشتوية والصيفية وقطاع الشركات التجارية واستثمارات مالية كبري ناهيكم عن ادوارها اليوم في الانترنيت والميديا.. وقد بدأت مشروعاتها العالمية بتأسيس قرى عالمية كبري.. وقد تحقق ذلك كله من خلال توفير مناخ رائع حر من الحركة والانشطة والتفاعلات.. فضلا عن اعتمادها علي الكفاءات العاملة والنشيطة والذكية. ومقدرة ثنائي الحكومة والمجتمع علي توظيف واستثمار عبقرية المكان وصناعة جمالياته الجاذبة واستقطاب الكفاءات وتوفير العمل والخدمات.
لقد كان دور القاهرة مستقطبا جاذبا في القرن التاسع عشر نظير تطوراتها.. ثم جاء دور بغداد في النصف الاول من القرن العشرين دورا موظفا لعبقرية المكان، ثم حل دور بيروت في نصفه الثاني، وقد اضرت بها الحرب الاهلية كثيرا: وتبلور دور دبي اليوم لتغدو المدينة الكوزموبوليتانية القوية برغم صغر مساحتها وقلة سكانها المتنوعين، الا انها تشهد قوة كوزموبوليتانية في الاستثمارات الاقتصادية والتجارية والسياحية في المنطقة، واقوي مدينة عربية ينجذب اليها العالم كله اعلاميا واقتصاديا وسياحيا من اجل توظيف الامكانات والخبرات.. ولم يقتصر الامر على نموذج واحد، بل ثمة تطور في مدن وعواصم اخرى مثل الدوحة والكويت وجدة وشرم الشيخ وتونس.. الخ
مستلزمات التطور
ان المدينة بشكل خاص فهي عبارة عن حالة متطورة تضم وحدات اجتماعية عدة، وتتطور هذه الوحدات نتيجة للاستقرار والتعامل مع توظيف عبقرية المكان خصوصا في هذه المرحلة التي تشهد تسارعا تاريخيا لا يباري! هكذا، يغدو السكان الحضر وقد ميزتهم علاقات خاصة ضمن الوحدات الاجتماعية التي تتعامل في داخل منظوماتها بشكل مختلف جدا عن العلاقات التي تختص بها المجموعات الريفية، او الفصائل البدوية. ان عمر المدينة خصوصا في بيئاتنا الشرقية طويل جدا، وتعد مدننا من اقدم المدن في التاريخ البشري، وخصوصا تلك التي نشأت عند ضفاف الانهار ولكن اذا كانت هناك مدن قد تطورت في قارات اخري في اقصي آسيا او اوروبا تطورا حضاريا سريعا خلال العصر الحديث. فقد بقيت مدننا غير متطورة وغير قابلة للتطور نظرا لتأخر الانسان فيها، وايضا نتيجة لحالات الكوارث والصدمات التي عرفتها في التاريخ.
ان الانسان هو العنصر الاساس لتطوير المدينة وصناعة قوتها في العالم، لقد مرت مدننا وحواضرنا بمراحل تاريخية طويلة صادفت من المشاكل والتعقيدات ما ورثته اليوم في احشائها فتبدو تحمل تناقضات عجيبة غريبة لدي السكان والعمران والاصناف ناهيكم عن تبايناتها في الجغرافيا الثقافية، اذ تكثر في مدننا كذلك اطياف والوان عديدة. مثل: الطبقية والاعراق، القصر والبيت، الفلل والشقق، الاكواخ والمخيمات، الميادين والحارات، المولات والحسبات.. الخ. ان اهم اسس تطوير مدننا: تطبيق التخطيط الحضري وسيعمل البعد الثالث (المعاصرة) علي تصفية حساباته مع المواريث السيئة المنتهكة لجماليات المكان ويقوم بوأد التناقضات.
لعل اهم عوامل التطور وخلق كوزموبوليتانيات عربية مدينية فاعلة وحرة ونشيطة ومتصلة بالعالم انما يخلقها ذلك الروح الدائب والتفكير المنفتح والمتابعة القصوي الذي يتمتع به كله صانع القرار ورجل الادارة والخدمات.. الرجل وبمعيته صفوة سياسية ونخب اجتماعية ممن تمتلك قدرة علي التغيير وايمان حقيقي بالمنفعة العامة واستثمار الفرص السانحة من اجل اعمار المزيد من الخدمات والمؤسسات التي يمكنها ان تكون عامل جذب للمنفعة المعنوية والمادية معا من دون انتظار ما يمكن ان يحققه الآخر، او ما يمكن ان يجلبه الحظ او الزمن او المورد الطبيعي.. المهم في خلق الروح الكوزموبوليتانية: دمج السياسي الاقتصادي بالاجتماعي الثقافي وتكافؤ الفرص امام اصحاب الكفاءة والمتمكنة من اجل تحقيق افضل النتائج. فضلا عن خلق المبادرات بتوفير التسهيلات بعيدا عن فرض الضرائب والمعوقات والملاحقات.. اي باختصار: خلق ثقافة مدينية متطورة في عموم منطقتنا تعمل علي تشجيع العمل واستثمار الزمن وخلق المحفزات مهما كان نوعها.. مع خلق الانفتاح السياسي وفرض سيادة القانون علي الجميع واحترام كل ما يصدر من تعليمات ومتابعة متغيراتها، ثمة عنصر آخر لابد ان يتوفر عند الدولة والمجتمع ويتمثل بانتقاء عامل التخوف، فبرغم ان منطقتنا هي من المناطق المتفجرة في العالم بكثرة ازماتها ومشاكلها وصراعاتها.. الا ان ذلك لا يجب ان يشل قدراتها تحت مبرر هذا المانشيت الذي استخدمه اغلب الزعماء العرب.. تحت مبررات الخوف من الاخر من دون تفعيل حيوية البعد الثالث.
وأخيراً.. ماذا يمكننا قوله؟
ثمة تغييرات مفجعة وهشة وخاطئة احدثت في مدننا بالشرق الاوسط.. تشوهات ومناظر كئيبة لا تتوافق ابدا مع روح العصر، وقد غدت مكتظة بالناس ومستهلكة غير منتجة أبدا في عصر لا تعرف مجتمعاته الا الانتاج والحيوية. وليعرف اولئك الذين انعم الله عليهم بثروات نفطية ان النفط غير باق الي الابد ومصيره الزوال، وبات العالم يبحث عن مصادر للثروة، ومن اشتراطات التحديث: منح قدرات كبيرة جدا للبلديات وامانات العواصم لتلبية كل ما يحتاجه الانسان المنتج المتمدن من خدمات وتطبيق قوانين صارمة ضد الاساءة للحياة المدينية، وخلق ثقافة حضرية معتدلة ومنفتحة علي العالم. واذا ما اعتني بالانسان كقيمة وبالمجتمع كقوة حضارية فسوف لن يعيش فراغا كوزموبوليتانيا. ومن الخطأ الجسيم ان تتفق الدولة علي نفسها اكثر مما تنفق علي مجتمعها.. صحيح ان عليها الانفاق لحماية البلد، ولكن بعد ان تشبع الحاجات الاجتماعية والخدمية، وعلي المجتمع ان يساهم من جانبه في خلق الجماليات، فضلا عن معالجة امراض تخلقها مبادرات الانفتاح، وتوفير الضمانات من الدولة علي الصحة والنقل والصرف والاخلاق وكل وسائل التمدن.. اذا ما تحقق هذا كله، فسنكون قد نجحنا في خلق كوزموبوليتانيات متمدنة ينجذب العالم كله الي جمالياتها.. وعند ذاك سوف لا يجد الاغبياء والكسالي والمستهلكين والعاجزين لهم أي مكان ابدا الا في مجتمع خامل يرفضه العالم كونه مبتعد من تلقاء ذاته عن روح التمدن الحقيقي!