ثانيا: أن التسامح الدينى ndash; كما عرفته أوروبا - سيظل المثال الأبرز للتسامح بالمعني الحديث والمعاصر أيضا، لأن الملل المتعددة للمسيحية (رغم أنها تنتمي إلى دين واحد، وكتاب واحد)، لم تكن تتعارض

الحلقة الأولى

مع بعضها البعض بشكل عارض أو طارئ، ولكن لأن كلاً منها كانت تتصور نفسها quot;التفسير الحق للدين الشاملquot;، وهو ما يعرف quot;بإمتلاك الحقيقة المطلقةquot; فى الخطاب الفلسفى المعاصر، لذا انصب معظم اهتمام الفلاسفة منذ quot; جون لوك quot; الذي كتب في منفاه الاختياري بهولندا quot; رسالة في التسامح quot; بالغة اللاتينية ونشرها دون توقيع عام 1689، مرورا بquot;فولتيرquot; وquot;اسبينوذاquot; وصولا إلي quot; كارل بوبر quot; وquot; بول ريكور quot; وquot; يورجن هابرماس quot; وغيرهم، علي (تفكيك) بنية التفكير الأحادي المطلق والمغلق، أو بالأحري quot; التعصب quot;، ليفسحوا المجال أمام تكريس التسامح في بنية العقل الغربي.
والتعصب فى اللغة هو عدم قبول quot; الحق quot; عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جهة أو طرف أو جماعة أو مذهب أو طائفة. وهو من quot;العصبيةquot;، وتعني ارتباط الشخص بفكر أو جماعة والجد فى نصرتها والانغلاق على مبادئها.

ثالثا، يصعب تطبيق التسامح في كل الأحوال والحالات، فلم يكن معظم المنادين بالتسامح مستعدين دائماً للسير بهذا المبدأ حتى نهاية الشوط. فـ quot;جون لوكquot; أكبر المؤيدين لمبدأ التسامح، وضع مجموعة من الضوابط، من يتعداها لا يمكن التسامح معه بأى حال من الأحوال، وأغلب هذه الضوابط يخص quot; الدولة quot; وليس quot; الدين quot;. الشئ نفسه نجده عند quot; فولتيرquot; صاحب أشهر مقولة فى الحرية وحق الاختلاف فى الرأى.
أما الفيلسوف الأمريكي quot; جون رولز quot; فقد ناقش (حدود التسامح) مناقشة مستفيضة، فى كتابه quot; نظرية العدالة quot;، وطرح هذا السؤال المحوري: أينبغى أن نتسامح مع quot; العنف quot;؟.. أنتسامح مع ما يهدد التسامح نفسه؟. وخلص إلي أنه: وفقا للقاعدة الذهبية للأخلاق وهي: quot; عامل الناس بما تحب أن يعاملوك quot;، فإنه ليس من حق الجماعات غير المتسامحة أن تتذمر عندما لا يجرى التسامح معها. وهي بالمناسبة أهم ما جاء في خطاب الرئيس quot; باراك أوباما quot; في الرابع من يونيو بجامعة القاهرة، في سياق طرحه لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.

رابعا، أن التسامح ضرورة معرفية وأخلاقية أيضا، من أجل الوصول إلي الحقيقة وتصحيح أخطاءنا باستمرار، ذلك لأن محدودية العقل الانساني وقابليته للوقوع في الخطأ في الوقت نفسه ndash; كما يقول كارل بوبر - تدفعنا إلي التواضع العقلي، وأن (تعلم) التسامح مع أخطاء بعضنا البعض، وجنون بعضنا البعض حسب تعبير فولتير.
فقد أن أكون quot; أنا quot; على خطأ، و quot; أنت quot; على صواب، وربما، من خلال الحوار نصل سوياً إلى الحقيقة أو على الأقل نقترب منها. من هنا فإننا نحتاج إلى الآخرين لاكتشاف أخطائنا وتصحيحها، وهم يحتاجون إلينا أيضاً.

خامسا، أن التسامح يحافظ علي الاختلاف والتعدد والتنوع، الذي هو مصدر ثراء البشرية وغناها وسر حيويتها واستمراريتها، والإنسان مرهون بالمغايرة والاختلاف وعدم التطابق، ولا معنى للتسامح أصلاً إذا كانت الأمور كلها تستدعى التماثل سواء فى الفكر أو العقيدة، وربما كان التسامح هو الوئام والاتفاق فى سياق الاختلاف والتباين.
من هنا يختلف التسامح تمام الاختلاف عن اللامبالاة أو عدم الاكتراث أو التنازل لشخص كتعبير عن الأدب، باعتبار اشتقاق الكلمة من لفظة (س.م.ح) في اللغة العربية. كما أن التسامح لا يعنى تقبل الظلم الاجتماعى أو تنحى المرء عن معتقداته والتهاون بشأنها. ولا يعنى أيضا ممارسة دور الحرباء والتلون بفكر وآخر، أوالقفز من عقيدة إلى عقيدة أخرى، أو المواطنة السلبية الجبانة، ذلك لأن التسامح هو التعبير الأكثر كمالاً لحرية الإيمان والتفكير والتعبير.

سادسا، أن التسامح في عصر العولمة وما بعد الحداثة أصبح مسار بإتجاهين غالبا، حسب تعبير quot; يورجن هابرماس quot;، ولهذا: لا ينبغي فقط أن يتسامح المؤمنون إزاء اعتقادات الآخرين، بما فيها عقائد غير المؤمنين وقناعاتهم، فحسب، بل إن من واجب quot; العلمانيين quot; وغير المتدينين، أن يثمنوا قناعات مواطنيهم الذين يحركهم دافع ديني quot;.
ويؤكد في بحثه المعنون quot; الدين في النطاق العام quot;: quot; انه مهما كانت مفاهيمنا الفلسفية العلمانية قوية ومقنعة ـ كفكرة حقوق الإنسان على سبيل المثال ـ فإنها تستفيد، من حين لآخر، من اتصالها المتجدد بأصولها المقدسة quot;.
مما يؤكد، وعلي لسان شيخ الفلاسفة في العالم اليوم، أن العلمانية ليست ضد الدين، كما يروج البعض، ولا تستطيع أن تلغي الدين، لكنها تستطيع أن تنظم العلاقة بين الأديان والمعتقدات المختلفة في مجتمع تعددي يتعولم بإطراد، أصبح بحاجة أكثر من أي وقت مضي إلي quot; التسامح quot;، وإلا quot; الطوفان quot;.

[email protected]