قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بداية، أذكر بأن الدروس التي نستقيها من انتخابات المحافظات العراقية ما زالت أولية ليس فقط لكون النتائج المتوفرة أولية وقابلة للتعديل (التصويت الخاص والطعون) بل خصوصاً لأننا نتكلم عن بلد يعيش في خضم عملية (ديناميكية اجتماعية) غير محسومة النتائج لتأسيس دولة ديمقراطية أي دولة قانون قائمة على مشاركة مواطنيها في توجيه السياسات العامة وانتخاب أصحاب القرار وعلى احترام الرأي العام فيها. وهنا ينبغي التذكير بأن مفهوم الرأي العام تطور في ظل الممارسة الديمقراطية في الغرب ويدخل في نطاق علوم الاجتماع والنفس الاجتماعي والسياسة، ويهتم علماء السياسة خصوصاً بالدور السياسي للرأي العام (انظر د. محمد عاطف غيث: قاموس علم الاجتماع، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1979، ص363). وينبغي التمييز بين وجود رأي عام (في بلد ما) يتصف بالتشتت ويفتقد إلى الانتظام والفعالية وبين ٍرأي عام (في بلد ديمقراطي) يستند إلى حرية الفكر والحق في التعبير عن الرأي في إطار القانون (الذي يحميه وينظمه في ذات الوقت) وينتج عن ذلك تدريجياً الرأي العام الذي نقصده كقوة ضغط فاعلة ومؤثرة على التوجهات والقرارات السياسية. وقد أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة (أي نسب التصويت لصالح مختلف الكيانات والشخصيات المرشحة) ولادة رأي عام عراقي حقيقي، وبدا ذلك كواحد من أهم دروس هذه الانتخابات، وسأبين عوامل التكون خلال السنوات الماضية وبعض ملامح هذا الرأي العام بشكل مختصر كما يلي:
فمنذ 2003، ساهمت في تكون هذا الرأي العام وسائل عديدة من أهمها 1/ الصحافة الحرة ومحطات التلفزة (الفضائية) التي عرفت انتشاراً كبيراً في العراق رغم تباين مستويات الأداء وصراع المصالح المتضاربة وما أنتجه ذلك من صعوبة التشخيص لدى المواطن/الناخب ولاسيما في فترة تصاعد العمليات الإرهابية وممارسة التهجير القسري وضعف الدولة 2/ مطالعة الصحافة الالكترونية واستخدام شبكات المعلومات والتواصل مع العالم الخارجي عبر الانترنيت 3/ حرية التعبير والحريات العامة الأخرى التي بدأت تعطي أكلها هنا وهناك وانبثقت عنها ممارسة النقد، الجارح أحياناً، للسياسيين والمسؤولين في الندوات والمجالس والمقاهي وأمام عدسات التلفزيون.
وقد تطورت عملية التشكل هذه من اتجاهات رأي وممارسات فكرية/سياسية نرصدها هنا وهناك إلى ولادة فعلية كما يبدو لي لرأي عام عراقي أثبت وجوده في خضم انتخابات المحافظات. فبعد فترة تردد وعزوف عن تحديث تسجيلهم على قوائم الناخبين (خلال الصيف الماضي) كإعلان عن تذمرهم من المسؤولين الحاليين، اقتنع العراقيون في مختلف المحافظات بضرورة تغيير المسؤولين وعدم الاكتفاء بالموقف السلبي فذهبوا الى مراكز الاقتراع وأصروا على المشاركة فيه واستنكروا بصوت عال عندما لم يتمكنوا منها. ثم عبّروا بتصويتهم أيضاً وبصورة واضحة عن موقفهم من مجالس المحافظات السابقة وما استندت عليها من مفاهيم وممارسات. وتم ذلك رغم كل المحاولات الهادفة إلى تعطيل تفكيرهم وشلّ قرارهم باثارة العواطف واستغلال المشاعر الدينية واستخدام quot;الهداياquot; من قبل بعض الكيانات السياسية. وهكذا تجاوزنا مرحلة التكون الجنينية الى ظهور رأي عام في بداياته ولكنه حقيقي وفاعل. وقد يشكك البعض في ذلك بحجة أن علماء الدين البعيدين عن اللعب السياسية، ولاسيما السيد علي السيستاني، ساهموا في تطور موقف العراقيين من المشاركة في الاقتراع، بينما لا يغير هذا من الأمر شيئاً، ففي مختلف البلدان الديمقراطية يتأثر الرأي العام بقيادات اجتماعية وثقافية تنبع من واقعه الثقافي. ويكفي التذكير هنا بدور الفاتيكان في ايطاليا ودول أوربية أخرى وتأثير الكنيسة البروتستانتية في انكلترا وفي الولايات المتحدة، ويقدم لبنان مثالاً آخر أكثر قرباً من المجتمع العراقي حيث يمارس القادة الدينيون المارونيون والمسلمون على السواء توجيه الرأي العام لا سيما في مواجهة الأزمات.
وأتعرض فيما يلي بسرعة للمبادئ العملية التي اختارها الناخبون بشكل عام من خلال تصويتهم لصالح القوائم التي دافعت بدرجات مختلفة عنها على أن أخصص لها مقالاً آخر للتفصيل فيها: 1/ بلورة برامج أكثر وضوحاً في معاييرها العملية والوطنية لتكرس مع حلول الانتخابات النيابية القادمة مبدأ الدولة المدنية (العلمانية) التي تضمن احترام الأديان والثقافة العراقية في ظل دولة القانون الديمقراطية 2/ ضرورة إبعاد المسؤولين الفاسدين وغير الكفوئين والذين يشكلون مع الجهاز الإداري الموروث شبكة تحاصر المخلصين العاملين على تقدم عملية البناء والاعمار 3/ ضرورة تخليص البلد من التدخلات الأجنبية والإقليمية واعتماد المصالحة الوطنية لتجميع طاقات العراقيين حول محاور تطوير البلاد وتنفيذ الخدمات لا للاتفاق على تقاسم الامتيازات بين أدعياء تمثيل الكيانات الدينية والطائفية والقومية. فقد نجحت جماعات المحاصصة في الفترة السابقة في تنصيب نفسها فوق الإرادة الشعبية وفي الإفلات نسبياً من آليات المراقبة مزيفة بذلك مبادئ دولة القانون القائمة على فعالية هذه المراقبة وإمكانية عزل المسؤولين غير الكفوئين والفاسدين. في هذا السياق، يشكل تبلور هذا الرأي العام العراقي انتصاراً للعراقيين جميعاً بمختلف اتجاهاتهم، وكل ما نأمل الآن هو أن يستمر بالنمو ليصبح وسيلة ضغط حقيقية على عموم السياسة العراقية لدفع مسيرتها أكثر باتجاه المبادئ التي ذكرتها.
وأخيراً، بثت بعض وسائل الإعلام أنباء غير مؤكدة عن التقاء بعض القوائم المتناقضة في مواقفها المعلنة للتحالف داخل مجالس المحافظات المقبلة لذلك يجب تذكير القادة السياسيين بأن احترام إرادة الناخبين يعني العمل الجدي وعدم تغليب المجاملات السياسية والتحالفات الوقتية على برامجهم ومبادئهم المعلنة عند عقد تحالفاتهم داخل مجالس المحافظات. وتكمن مصلحة السياسيين قي التمسك بذلك ليس فقط للالتزام الأخلاقي إزاء جمهور الناخبين، بل أيضاً لأن الرأي العام العراقي سيشكل بنضوجه وتقويته الضمانة الأهم لحسن أداء القادة السياسيين والمسؤولين حيث سيواجهون حكم صناديق الاقتراع القادمة أواخر العام الحالي !!