قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يضيع الكثيرون في شعاب الماركسية الكثيرة بعيدة النهايات فيفقدون هدف ترحالهم المضني والعسير ليمتنع عليهم العودة إلى منطلقاتهم الأولى ويفقدون ذواتهم بالتالي . تلك هي متاهة الماركسية التي يضيع فيها عامة الماركسيين فلا يعودون يتعرفون على ماهية الماركسية . حالة الضياع هذه المنافية لرحلة أنسنة الإنسان تستوجب منا الوقوف على ماهية الماركسية بدءاً بتحديد منطلقها الوحيد . فما هي ماهية الماركسية ؟

لا يدانينا أدنى شكوك في أن الإنسان عاش ملايين السنين بدون نظام اجتماعي أي بدون أدنى علاقة ثابتة بين الانسان والإنسان . كان الإنسان يعيش على إلتقاط البذور وافتراس الحيوانات ويأوي إلى الكهوف، مثله مثل الحيوانات الأخرى لا يختلف عنها بشيء، لم يكن ينتج ولم يمتلك أدوات إنتاج . لم يعش الإنسان في مجتمعات ولذلك أطلق على تلك العصور اسم الشيوعية البدائية نظراً لغياب كل علاقات للإنتاج وغياب الإنتاج نفسه . كانت حياة الإنسان ستاتيكية لا تناقضات فيها تتسبب في التطور سوى تناقض الانسان الفرد مع الطبيعة وهي علاقة ستاتيكية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل .

يختلف الباحثون هنا في أسباب تغريب الإنسان عن ذاته وقد تجلى ذلك في تناول الإنسان أداة غريبة عليه من خارج جسمه كالعصا أو الحجر ليساعده في الإنتاج أم في الدفاع عن النفس , بعض الباحثين يعزون ذلك التغريب إلى غريزة بقاء النوع تحاشياً للإنقراض، والبعض الآخر يعزونه إلى تغير مفاجئفي الجينات . 

سواء كان ذلك ناجماً عن تغيّر مفاجئ في الجينات أم بحكم الضرورة وغريزة الحفاظ على بقاء النوع فإن الحيوانات الشبيهة بالإنسان بدأت رحلة التغريب (Alienation)، تغربتعن مملكة الحيوان في رحلة أنسنة لا نهاية لها من أجل إنتاج حياته . وهكذا ارتبطت حياة الإنسان بأدوات الإنتاج . تطور إنسانية الإنسان ينعكس في تطور أدوات الإنتاج والعكس صحيح أيضاً . ذلك هو الإرتباط الديالكتيكي الأبدي بين الإنسان من جهة وأدوات الإنتاج من جهة أخرى والذي أسس لحياة البشرية ولا سبيل إلى حله إلا بانتهاء الجنس البشري في كوكب الأرض . تلك العلاقة الديالكتيكية الأبدية هي الأساس الذي قامت علية النظرية العلمية في التطور الإجتماعي التي صاغها ماركس وباتت تعرف بالماركسية .

الفقر البدائي لأدوات الإنتاج وقدرات الإنسان بنفس النسبة هو ما أسس للملْكية، ملكية الإنتاج وأدوات الإنتاج وتجلى ذلك في الصراع الطبقي الذي كتب تاريخ الشرية حتى اليوم بدءاً بالمجتمع العبودي ثم الإقطاعي ثم الرأسمالي، وما فارق بين هذه التشكيلات الإجتماعية هو أدوات الإنتاج ووسائل الإنتاج حيث اعتمد المجتمع العبودي على الزراعات الصغيرة، البستنة (Horticulture)، والمجتمع الإقطاعي على الزراعات الكبيرة، الفلاحة (Agriculture)، والمجتمع الرأسمالي على الصناعة (Industry)، وكان لكل مجتمع أدواته الخاصة به للإنتاج بالطبع . في الصناعة تعاظم الإنتاج بشكل كبير وهو ما ساعد ماركس على اكتشاف نظريته بمختلف أركانها بما في ذلك استشراف تعاظم متزايد لقوى الإنتاج حين لا يعود الإنسان بحاجة إلى التخلي عن أي جزء من حريته من أجل تحصيل اسباب عيشه وبذلك ينتهي الصراع الطبقي ويتطهر الإنسان من كل الشوائب التي علقت به عبر التاريخ (Historical Muck)من الاسترقاق أم من القنانة أم من التأجير . تلك هي الشيوعية التي بشر بها ماركس 

ما يدهش المرء حقاً في هذا السياق هو الجهل العام والشامل للماركسية . السبب الرئيسي لهذه الجهالة هو في الأساسغريزة الإنسان في المحافظة على أسباب الحياة . الفكرة العامة عن الشيوعية هي القضاء على تقسيم العمل وهذا صحيح فالشيوعية تلغي علاقات الإنتاج وهي التي تربط الفرد بعملية الإتتاج الوطني وهو الرباط الذي يؤمن له أسباب العيش، فكيف له أن يغامر بأسباب عيشه قبل أن يكون على ثقة تامة بأن الشيوعية ستؤمن له تلك الأسباب دون مقابل كما يحاجج الشيوعيون . التاريخ علّم الإنسان أن أسباب العيش لا يمكن تحصيلها دون مقابل، ومقابل صعب على الدوام، فكيف يمكن الركون لحجج الشيوعيين !؟ لذلك شملت معارضة الشيوعية الجميع حتى لا تنعدم معارضة الشيوعية بين العمال . البورجوازية بحكم طبيعتها الطفيلية تعارض الشيوعية غير أن ما يفاجئ المرء هو أن معارضة البورجوازية الوضيعة للشيوعية أشد عنفاً وأكثر مكراً من معارضة الرأسماليين ولعل ذلك ناجم عن أن الرأسماليين بحاجة مباشرة لا تنقطع للعمال فلولا العمال ما كانوا ليكونوا رأسماليين . 

نحن الذين ندرك الماركسية على حقيقتها وبكل قوانينها العلمية نقول لهؤلاء المعارضين للماركسية والشيوعية أن معارضتهم هي تماماً مثل معارضة القوانين العلمية . كيف لأحمق أن يعلن معارضته للقوانين العلمية، كأن يعارض قانون الجاذبية أو قوانين التفاعلات الكيماوية أو قوانين الحساب !؟ حماقة معارضة الماركسية يسترها الجهل العام بقوانين الديالكتيك . ما كان للماركسية أن تظهر للوجود في منتصف القرن التاسع عشر لو لم ينتقل كارل ماركس من دراسة القانون في جامعة بون إلى دراسة الفلسفة في جامعة برلين حيث تعرف هناك على ديالكتيك هيجل المثالي وعلى مادية فيورباخ . من منطلق معارضة الفلسفتين استطاع "الفيلسوف" كارل ماركس أن يكتشف المادية الديالكتيكية وهي القوانين العلمية التي تصنع الكون بكل تهيؤاته والتي تنسف بالطبع كل أساس لفلسفة هيجل وفلسفة فيورياخ . لقد قبر ماركس كل الفلسفات السابقة له . فإذا كانت الوظيفة العامة لكل الفلسفات هي البحث عن الحقيقة المطلقة فقد وجدها ماركس متمثلة بقانون علمي هو قانون الديالكتيكيخلق مختلف التهيؤات في الطبيعة، تهيؤات مادية أم طاقوية . لقد نقل الفيلسوف ماركس الفلسفة من دائرة التخمينات والتهويمات إلى دائرة العلوم .

الكون بمختلف تهيؤاته المحسوسة وغير المحسوسة إنما هو من خلق (Creation) فعل الديالكتيك . هذا ما قصّر الشيوعيون في شرحه للعامة وما نجم عنه من معارضة للماركسية والشيوعية . إنشغل الشيوعيون بالعمل السياسي مبتعدين تماما عن الأساس العلمي لنظرية ماركس وهو قوانين الديالكتيك، وسمحوا بذلك لأعداء الشيوعية لأن يحققوا مكاسب في حربهم على الشيوعية . أقذر حرب يشنها أعداء الماركسية على الماركسية يقوم بها ماركسيو مدرسة فرانكفورت ويدّعي هؤلاء بالماركسية لأجل محاربة الماركسية من داخلها فكان أن نجح هؤلاء في تضليل أعداد من الشيوعيين وحتى كبار منظري الماركسية . يدعي الفرانكفورتيون أن الانسان تطور ليعقل تعطيلاً لنفاذ قانون الديالكتيك، أي أن الواقع تنعكس صورته في الفكر وإذّاك يستقل الفكر ليرسم صورة مختلفة تعمل على خلق واقع جديد مختلف . الفرانكفورتيون يصفون أنفسهم بالماركسيين لكنهم ىيبدؤون بخلخلة أساس الماركسية وهو المادية الديالكتيكية التي تؤكد على الإرتباط الوثيق بين الفكر والواقع وأن الفكر لا يستقل على الإطلاق عن الواقع لكنه يستطيع أن يضيف إلى الواقع بعض الإضافات الصغيرة التي لا تغير من مقتضيات الواقع الجديد لكنها تخدم الانسانية والمثال الذي أورده ستالين في هذا المعنى هو النهر الذي لا يستطيع الانسان تغيير مجراه لكنه يستطيع أن يبني سدودا في مجراه لتمنع الفيضان على الزراعات المحيطة وتولد طاقة الكهرباء المتجددة .

جرى وصف الفرانكفورتيين على أنهم نخبة المثقفين والمفكرينالمتميزين وما هم في الحقيقة أكثر من خدم للبورجوازية التي تبتدع كل الحيل والمكائد لتعطيل مجرى التاريخ عن طريق نقض الماركسية . يقول ماركس أن الإنسان يتطور عبر الخضوع التام لشروط الطبيعة القاهرة، فما كان لتاريخ البشرية أن يبدأ بغير مجتمع العبودية الذميم ؛ هذا ما أملته شروط الطبيعة القاهرة على الإنسان . ترفض جماعة فرانكفورت هذا الديالكتيك المادي والتاريخي الذي قال به ماركس وابتدعوا ما يطلقون علية اسم "النظرية النقدية" (Critical Theory) التي تقول أن الإنسان يستطيع بما لديه من وعي أن يتحرر من شروط الطبيعة التي تستعبدة باعتبار أن الوعي البشري يستطيع أن يقهر شروط الطبيعة وليس العكس كما يدعي ماركس .

بكل تواضع نرد على هؤلاء القوم من فرانكفورت بأن نظريتهم النقدية لا يقول بها سوى الحمقى، فكيف للطبيعة أن تخلق الإنسان بعقل ينقضها ويتحرك عكس حركتها !؟ لن نولي أدنى اعتبار لترهات مدرسة فرانكفورت إلا بعد أن تلد النعجة ذئباً يفترسها، كذلك هو جوهر نظريتهم النقدية .

نخلص في النهاية إلى أنه يتوجب على الشيوعيين في مختلف أرجاء المعمورة على أن يبشروا بالماركسية على أنها تقرير حقائق (Statement Of Facts) يكشف بدقة عن حركة الطبيعةبموجب قانونها العام وهو الديالكتيك لتخلق كل أشيائها بما في ذلك المجتمعات البشرية والإنسان نفسه جسما وعقلاً دون أن تضيف شيئاً من عندها للواقع . معارضة الماركسية ليست أقل من معارضة قانون الجاذبية أو قوانين التفاعلات الكيماوية او قوانين الحساب، وهي القوانين التي لا يعارضها حتى الحمقى .

يفاخر البورجوازيون بفرح كاذب أنهم دفنوا الإشتركية الماركسية إلى الأبد ولن تقوم لها قائمة بعدئذ . وقائع التاريخ تقول العكس تماماً . نهضت البورجوازية الوضيعة السوفياتية تنقلب على الإشتراكية حال رحيل ستالين في مارس آذار 1953 . قاتلت بكل عزمها وكل حيلها وخداعها للتخلص من قيود الإشتراكية لأربعين عاما ولما لم تنجح في مساعيها الإجرامية استولت عسكرياً بصورة مفضوحة على البلاد وأعلنتها بلاداً مفتوحة لكل لصوص العالم . ما من لص وأفّاق في العالم إلا واحتال على قناطير من الذهب السوفياتي فكان أن قدر المراقبون أن ما ينهبه الأجانب من الثروات السوفياتية بما يساوي 150 مليار دولاراً سنويا عداك عن مئات المليارات التي ينهبها لصوص البورجوازية الوضيعة في الداخل ؛ فتراجعت روسيا اليوم إلى ما دون روسيا القيصرية في العام 1913 لتعيش اليوم على تصدير المواد الخام كالنفط والغاز والفحم الحجري والفولاذ وتمسي كما لو أنها من دول العالم الثالث المتخلفة .

ما يلزم أن يتوقف عنده جميع البحاثة في التنمية والتطور الاجتماعي هو أن البورجوازية الوضيعة الروسية لم تستطع ولن تستطيع أن تحقق تنمية وأن تقيم نظاماً إجتماعياً ثابتاً ومستقراً وذلك لأنها بطبيعتها طفيلية وغير منتجة ولأنها أيضاً تعادي النظامين الرأسمالي والإشتراكي سواء بسواء وهو ما لا يدركه أنصاف الماركسيين . البورجوازية الوضيعة في جميع دول العالم اقتفت أثر البورجوازية الوضيعة السوفياتية ووقعت فينفس الحفرة التي لا منجاة منها وباتت لا تجد من أسباب الحياة سبباً بغير الإستدانة .

نحن لا نرجم بالغيب حيت نقول أن جذور الإشتراكية التي غرسها ستالين عميقاً في التربة ما زالت حيّةً في الأرض لا تستطيق قوة مهما تنمّرت أن تجتثها . بعد أن يُعلن الإفلاس الطبيعي للبورجوازية الوضيعة في الدول الكبرى قبل الصغرى حيث اعتادت شعوب هذه الدول على الحياة الاستهلاكية سيبدأ الربيع في كل العالم وستنمو جذور الاشتراكية فوق الأرض وستخضوضر وستزهر أزاهير الإشتراكية وعندها سنقول للعالم .. ها هي الماركسية التظرية العلمية للتطور الاجتماعي تثبت صحتها أكان ذلك في انهيار المجتمعات أم في بنائها وتطورها .