أكدت باحثة عراقية حازت على جائزة منظمة اليونسكو خطورة الواقع الذي يعيشه سكان الاهوار في جنوبي العراق بسسب التلوث البيئي الكبير مشيرة الى ان البيئة العراقية ملوثة بنسبة كبيرة وان الماء لا يصلح للشرب لاسيما المصنعة محليا والتي يطلق عليها اسم (مياه معدنية او معقمة).


عبد الجبار العتابي من بغداد: اسمها ريام ناجي عجمي، عمرها 31 عاما، ولدت في قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار (جنوبي العراق) تحمل شهادة الدكتوراه من كلية العلوم، حازت مؤخرا على جائزة من (اليونسكو) في اختصاصها الذي هو (علوم حياة، تلوث بيئي)، فكانت ضمن 15 امرأة من بلدان العالم احتفت بهن العاصمة الفرنسية باريس، وهي اول عراقية تنال هذه الجائزة التي استحدثت عام 1995.

والطريف.. ان هذه الجائزة مرت على الجميع مرور الكرام فلن يلتفت اليها الا من هم في حدود المكان الذي تعمل فيه، فيما وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والحكومة بشكل عام لا تعلم بذلك كما يبدو، اذ ان احدا لم يستفزه الخبر. quot;أيلافquot; التقت الباحثة العراقية وكان هذا الحوار معها:

* ما هذه الجائزة؟
- الجائزة هي تخص دور المرأة في العلم، العالم يحتاج العلم والعلم يحتاج النساء، وهو تشجيع للبحث العلمي بحضور المرأة، نحن وقعنا على اتفاقية ان نكون سفيرات العلم في بلادنا وان ننشر العلم وخاصة بين النساء، الجائزة استحدثت عام 1995 في ذكرى وفاة العالمة ماري كيوري الفائزة بجائزة نوبل، وهذه الجوائز للنساء فقط دون سن الخامسة والثلاثين والترشيح لها صعب جدا، فالمتنافسات وصل عددهن الى 1400 باحثة وانا كان تسلسلي 982 من ضمن باحثات من جميع دول العالم وكل عام يختارون 15 شابة لاكمال دراستهم ما بعد الدكتوراه حتى يحصلن على هذه المنحة او الفرصة، الجائزة علمية عبارة عن شهادة تقديرية وايضا قبول بما بعد الدكتوراه مع تخصيصات مالية.

* هل ثمة شروط وكيف دخلتي المنافسة؟
- الجائزة بحثية بالطلع، وكانت منظمة اليونسكو قد اعلنت قبل اشهر عن بدء الترشيح لجائزة يوريال عام 2011، وفيها شروط لابد ان تكون المترشحة حاصلة على شهادة الدكتوراه وبعمر اقل من 35 عاما وطلبوا اختصاصات بايلوجي وكيمياء ثم التقانة الاحيائية، وبعد تقديم البحوث بدأت بالترشيح شخصيا عن طريق الانترنت في شهر نيسان، ابريل من العام الماضي 2010 لكن احد الشروط هو ان يكون الترشيح من جهة رسمية، ولانني في الجامعة المستنصرية / كلية العلوم فأول ما فعلته انني ارسلت اوراقي عبر الانترنت وحصلت الموافقة الاولية وطلبوا مني توصيات من اساتذة من داخل العراق وخارجه، حصلت عليها، وتم تقييم البحوث من قبل اساتذة من جامعة ادنبرة البريطانية ومن كندا، تم تقييم البحوث واختيار البحث الذي سيشارك في المنحة، البحوث التي ارسلتها خاصة بالمنطقة الغربية من العراق ومناطق الاهوار في الجنوب وبغداد، وتم قبول البحث الخاص بمنطقة الاهوار باعتباره بحثا حديثا ولم يتم التطرق له سابقا، وهو تقييم بايلوجي كيميائي باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، والبحث خاص بالتلوث البيئي في هذه المنطقة، ثم جاءت لجنة من الخارج لاختباري، فكان الاختبار الاول باللغة فنجحت ثم كان الاختبار الثاني علميا في مجال الاختصاص فأجتزت الامتحان، وفي شهر ايلول / سبتمبر عام 2010 اعطوني اشعارا بالقبول النهائي من انني تم ترشيحي من العراق، ولم اكن وحدي من العراق التي ادخل هذا التنافس بل كنا ست نساء لكن النقاط التي حصلت عليها كانت اعلى من الاخريات.

* وماذا جرى بعد ان قبلوا ترشيحك؟
- سافرت الى باريس يوم في 24 شباط / فبراير عام 2011 لاستلام الجائزة حيث يصادف في يوم الاول من اذار / مارس وهو يوم العلم العالمي، ذكرى وفاة العالمة ماري كيوري، الحائزة على جائزة نوبل، في اليونسكو تم الترحيب بي كوني عراقية وكان التقدي كبيرا جدا وهذا نظير النجاح الذي حصلت عليه، خلال المدة كان هناك تدريب ولقاءات صحفية، وكان السؤال دائما: ما هو وضع العراق وكيف هو العراق، استلمت الجائزة يوم 1 / 3 وكان هناك ممثلية من الامم المتحدة وعن الرئاسة الفرنسية و لحضور سيدة فرنسا الاولى والعالم المصري احمد زويل.

* ما كان موضوع بحثك؟
- في التلوث البيئي (التنوع الاحيائي)، وحصلت على قبول لما بعد الدكتوراه من جامعة (كوينز) الكندية التي سأباشر معها يوم الاول من ايلول / سبتمبر 2011، من اجل الحصول على درجة (البروفسورية)

* ما الذي تناولتيه في البحث عن الاهوار؟
- الجديد في البحث اننا طبقنا نظام المعلومات الجغرافية والتحسس النوعي على مقدار التلوث البيئي الموجود في المنطقة التي هي مهملة في المدة الاخيرة، يعني قليلة الدراسة، ربما هناك بحوث حاليا وتوجه كبير نحوها ولكن في الوقت السابق كانت مهملة وخصوصا ان دراستي ركزت على ما بعد الحرب عام 2003، والتأثيرات التي حدثت، بعد الاعمار، وكان البحث يتناول الاحياء التي اختفت سابقا والاحياء التي عادت، وتركيز العناصر الثقيلة كأداة اولية ومنه يمكن ان نتنبأ في السنوات المقبلة على التلوث الحاصل في هذه المنطقة، كما اخذت تأثيره على الانسان مثل الزهايمر وما يحدث من تغييرات على الجلد والجهاز التنفسي.

* ما الذي وجدتيه في الاهوار من نسبة التلوث؟
- هي محمية رائعة وهي من الممكن المحافظة عليها ونجعلها خالية من التلوث على المدى البعيد ولكن في الوقت الحالي هناك اخطاء تحدث بسبب السدود العشوائية والاهمال الفضيع لها، بالاضافة الى التصريف الذي يأتي من دول الجوار، وهذه من مسؤولية وزارة الموارد المائية، ويجب ان تصحح هذه العملية، في المستقبل القريب لو استطعنا السيطرة على هذا التلوث لاصبحت منطقة محمية وسياحية جيدة، ولكتن اذا ما استمرت سلبا فلا يمكن السيطرة.

* طبيا.. ما تأثيرات هذا التلوث البيئي في الاهوار على الناس هناك؟
- بحوثي كانت اولا في (هور الحمار) في الناصرية ومن ثم وسعت في اهوار الحويزة والحمار والوسطى، نحن اخذناها من الجانب البيئي من الهواء والتربة والماء واخذناها من الجانب البايلوجي الذي هو الانسان والاسماك والقواقع والنبات، وربطنا التلوث بالسلسلة الغذائية، وبالتأكيد التلوث ينتقل الى الانسان ويؤثر عليه ولكن هو في الوقت الحالي لم يظهر ولكن على المدى البعيد يسبب (السرطان) كما اننا وجدنا نسب اشعاع قليلة، بسبب ظروف الحرب طبعا، وانا من اصلا من منطقة الاهوار، انا وادت في قضاء الشطرة التابع لمحافظة ذي قار، وكثيرا ما زرت الاهوار في السابق، لكنني مستقرة منذ سنوات في بغداد.

* منذ متى بدأ اهتمامك البحثي بالاهوار؟
- منذ عام 2007 حيث بدأت البحث وانا في زيارات مستمرة للاهوار في الصيف والشتاء، كنا فريق عمل من جامعة بغداد، ولم تعقنا الظروف الصعبة فكنا نجمع عينات ونفحص ونحلل ونخرج بنتائج قيمة.

* ما الذي دعاك الى هذا المجال والاختصاص العلمي؟
- كنت احلم ان اكون طبيبة ولكن الحظ لم يخدمني في المرحلة الاعدادية فتوجهت الى الاختصاصات العلمية، درست البكالوريوس في كلية العلوم بالبصرة وحصلت على الماجستير من الجامعة المستنصرية والدكتوراه من جامعة بغداد، انا لست افضل من غيري ولكن الاكثر حظا ان لي اهلا ساندوني وشجعوني، وكان والدي يشجعني على طول الوقت والى هذه اللحظة، وكنت صديقة للبيئة، احب ان اجد البيئة نظيفة دائما.

* ما اكثر ما لفت نظرك في الاهوار؟
- هي منطقة طبيعية لكنها مهملة وهذا الشيء الذي لا يشعرني بالفرح لانها منطقة جميلة جدا، وقد آلمني انني رأيت حال الاطفال هناك في وضع يرثى له، وحين سحبت عينات من الدم منهم وجدت فيها نسبة الرصاص عالية، ونسبة (الكاميديوم) عالية، انهم مهملون صحيا، وهناك البعض ممن يعيشون في الاهوار البعيدة يشربون من ماء الهور نفسه.

* نسبة الرصاص في دم الناس في الاهوار الا تؤثر على الصحة العامة؟
- طبعا، لان النسبة الطبيعية والتي نعتبرها نحن عالية او خطرة هي (اثنان) بينما وجدت عندهم (ثلاثة) واكثر، وهذا يؤثر على صحتهم جدا، وهذا ظاهر على ملامحهم ومن خلال التشوهات في الاسنان، وهذا لايبشر بالخير على المدى البعيد.

* كيف تجدين البيئة العراقية بشكل عام؟
- البيئة العراقية ملوثة بنسبة 90 ndash; 99 بالمئة، فالماء العراقي لايصلح لا للانسان ولا للحيوان ولا حتى للبنيان، الماء الذي نشربه.. لا يصلح لكل ذلك، لا استطيع ان افتي لانه ليس مجال اختصاصي، ولكن انا بحثت واكتشفت ذلك، فقد اخذت عينة من ماء الاسالة الذي يصل الى البيوت وقسته، كما اخذت الماء الذي يباع في القناني الذي هو (مياه معدنية)، المصنع عراقيا، وقسته ايضا فوجدت ان ماء الاسالة (الحنفية) افضل من ماء القناني وان كان غير نقي تماما، لان طريقة المعالجة الخطأ للماء، وستسبب.. على المدى البعيد موادا سرطانية لانه معالج ايونيا، فيجب ان تكون هناك طرقا للمعالجة اولية وثانوية ومعالجة ثالثة، هنا.. لا يستخدمون هذه الطرق، بل يأتون مباشرة الى المواد الكيمائية وتتم المعالجة بها، لذلك من السهولة شم رائحة الكلور حتى في ماء الاسالة، وهذا الشيء خطأ ويجب ان يعالج بايلوجيا قبل ان يعالج كيميائيا.

* هل تعنين ان ماء الاسالة اقل تلوثا من الماء في القناني المصنع داخل العراق؟
- نعم..، وان كان ذلك يؤثر على صحة الانسان ولكن يبدو ان العراقيين متعودون على ذلك، انا تناولت في بحوثي اربعة انواع من المياه المعدنية التي تباع الان في الاسواق، ونصحت ان يتم معالجة ماء الاسالة شخصيا عن طريق الغليان فيكون صحيا ويشربه، فهناك بكتريا محبة للحرارة وبكتريا محبة للبرودة وبكتريا معتدلة، وبامكان الشخص ان يأخذ الماء الطبيعي (ماء الاسالة) من الحنفية ويغليه الى درجة الغليان ثم يعمل على تصفيته ومن تبريده وهكذا يكون قد تعقم وان كل الشوائب اختفت.

* وهذه العواصف الترابية التي اصبحت ظاهرة طبيعية في العراق ما اسبابها وكيف تنتهي؟
- بسسب ازالة الطبقة السطحية الموجودة منذ الاف السنين والتي هي عبارة عن فطريات متأقلمة مع بعضها ومرتبة، وعندما جاءت الدبابات وغيرها ازالتها، وهي تحتاج الى وقت طويل كي تستقر الطبقة الخارجية وتتصلب، وهذه سبب رئيسي في تلوث الهواء بالاضافة الى الازدحامات في الشوارع، هذه كلها خارجة عن السيطرة ولا نعرف الى اين نصل، هل هناك حد معين كي نحافظ على الموجود ولو اهملناه فالمستقبل لايبشر بخير.

* اليس هنالك معالجات لكل هذا؟
- من الذي يعالج ؟، بصراحة لا اعرف، ثم ان الاعلام الذي يثقف الانسان لم يأخذ دوره بصورة صحيحة، ثم من ينتبه له ؟ !!، نحن ثقافتنا من الشارع الا الذي ظل محافظا على اخلاقه التي اخذها من الاسرة والذي هو ملتزم.

* ما الذي تمثله لك هذه الجائزة؟
- حلم حياتي الذي حققته، كنت طول عمري أحلم ان أحصل على فرصة، كنت احلم ان اطور نفسي، عندما اشاهد شخصا ناجحا اتمنى ان اكون مثله واتمنى ان افيد غيري، والجائزة هي حلم حياتي وهي تعبير عن التقدير العلمي، فمن الجميل ان يكافأ الانسان على جهده العلمي وبدون محسوبية او اي تدخل للعرق واللون والدين او الطائفة، فالعلم عالمي ولايمكن ان ينسب الى دين ما او بلد معين.

* من احتفى بك داخل العراق حينما عدت تحملين الجائزة؟
- اهلي واصدقائي وطلبتي، ومسؤولي المباشر في الجامعة المستنصرية، وهناك كلمات ثناء وشكر.

* اين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منك او من ما حصلت عليه؟
- لا اعرف !!، ربما الخبر لم يصلها بعد، لا اعرف، انا عندما قدمت ما قدمت لم اكن انتظر من احد ان يثني عليّ، انا مثلت بلدي العراق، وكنت قوية في هذه اللحظة لانني رسمت البسمة على ملايين العراقيين عندما ارتديت العلم ووقفت على المنصة وحين قلت لهم انا بنت وادي الرافدين، وهذا فخر للعراق وليس لي.

* هل تلقيت عقود عمل معينة للعمل خارج العراق؟
- لا اخفي عليك، نعم وكثيرة وانا في باريس ومنها مغرية جدا، ولكنني اقول لو انا خرجت وغيري خرج فمن يبقى اذن، انا لا اعرف ظروف المستقبل في العراق، لكنني بصراحة لا احتمل الغربة هذا اولا واحب الرفقة الطيبة والاهل والشارع والمحلة.

* هل من كلمة اخيرة؟
- اشعر بالفرح واهدي نجاحي للعراق كله ولاهلي.