قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يصر توفيق السيف السعودي الشيعي على أن مفهوم المواطنة في السعودية لم ينضج بعد لأنه قائم على انتماء ديني لا وطني، فالعلاقة بين المواطنين السعوديين قائمة على أرضية الدين، وهذا برأيه خطأ واضح.

- الحكومة لا تملك البلد، بل تديره وتدبر أموره وتحميه، ومن يملك البلد هم الناس.
- لا أرى أن المثقف صاحب رسالة، بل هو صاحب حرفة كالطبيب والتاجر والمهندس.
- نعرّف عروبتنا كمقابل للغرب، وإسلاميتنا كمقابل لكفر هذا الغرب.
- لا فائدة في مجلس التعاون. فدوله لا تستطيع اضافة شيء إلى المملكة، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا.
- الجميع يتحدث عن الولاء للوطن، ويقصد تأييد سياسات الحكومة، وهذا خطأ.
- إننا بحاجة إلى فهم جديد للدين، منسجم مع الأفق التاريخي لعالم اليوم، يجعلنا أكثر قدرة على المساهمة في عمران الأرض وصناعة مستقبل العالم.
القطيف: الدكتور توفيق السيف مفكر وباحث ديني وسياسي سعودي، مهتم بقضايا التنمية السياسية. ولد في القطيف في 11 كانون الثاني (يناير) 1959، وهو عضو في مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وفي منظمة العفو الدولية في لندن، وكاتب في جريدة الشرق الوسط السعودية. ساهم في العديد من الدورات العلمية في الفلسفة والاقتصاد وعلوم الإدارة وحقوق الإنسان والعديد من الدورات في القانون.
السيف معروف بأنه مفكر سعودي شيعي، يقول في حوار مفتوح مع «إيلاف» إن التأزم الخاص بـ«الهوية» هو من أسباب حالة التوتر السائدة في المجتمع السعودي.
يأخذ السيف على العالم الاسلامي تكراره الحديث عن عداء الغرب للعرب والمسلمين، واصفًا ذلك بأنه ليس صالحًا، «لأنه ليس جزءًا من مشروع للاستقلال عن الغرب، بل مجرد تبرير للفشل والدوران حول الذات»، داعيًا المسلمين إلى أن يتفهموا العالم وأن يحبوه، فلدى العالم الكثير مما يستحق أن يتعلموه ليكونوا تاليًا شركاء في انتاج العلم.
وفي ما يأتي متن الحوار:
في مقالتك «رأي الجمهور» قلت إن الإنصاف يقضي أن تشاور الحكومة شعبها في كل سياسة أو قرار قبل اعتماده رسميًا... ما معيار علاقة المجتمع بالدولة؟
حقوق أفراد المجتمع قائمة على مبدأ اساس هو ملكية الناس تراب وطنهم. الحكومة لا تملك البلد، بل تديره وتدبر أموره وتحميه. من يملك البلد هم الناس، إذا افترضنا أن السعوديين عشرون مليونًا، فأنت كمواطن سعودي تملك حصة واحدة من عشرين مليون حصة في كل شبر من المليوني كيلو متر مربع التي تشكل مساحة المملكة. السعوديون يملكون وطنهم، مثلما يملك كل شعب ارض وطنه. وهذا المُلك حقيقي شرعي ثابت، وبالتالي نحتاج لمدير يديره. بديهي أن على المدير- أخلاقًا وقانونًا - أن يستشير المالكين حين يتصرف في أملاكهم وباقي شؤونهم.
من ناحية أخرى، ثمة رواية تنسب للامام علي بن ابي طالب: "من شاور الناس شاركهم عقولهم". ما يحدث الآن هو أن 5 أو 10 أشخاص فقط يقررون أمور البلد، ربما يكونون متخصصين وربما لا يكونون، لكن المنطق يقول إنك حين تستشير عددًا كبيراً من الناس تحصل على مادة غنية جدًا تثري التفكير والبحث والقرار، حتى لو لم تلتزم بآراء الجميع. من المهم للمواطنين أيضًا أن يناقشوا القضايا التي تعتزم الحكومة تبنيها كسياسات أم قرارات، كي يعرفوا مستقبلهم وما هم مقبلون عليه، وكي يعرف صاحب القرار رأي شعبه في توجهاته، حتى لا يطرح شيئًا ضد عواطفهم وآمالهم.
ماهو مكان المثقف ما بين المواطن والدولة؟
قد أكون رجعيًا بعض الشيء. فأنا لا أرى أن المثقف صاحب رسالة، ولا عليه مسؤولية تجاه المجتمع، بل هو صاحب حرفة كالطبيب والتاجر والمهندس. دور المثقف هو انتاج الثقافة والتعبير عن رأيه فقط، وليس من واجباته أن يكون مرشدًا للحكومة ولا للجمهور. باختصار، لا مسؤولية عليه غير المسؤوليات التي على الناس الآخرين.
لماذا أحتاج عدوي
لطالما تحدثت في مقالاتك وكتبك عن مشكلة الهوية والأقليات، وقلت إن استبعادها من النقاش لا يحل المشكلة. ماذا يعني ذلك؟
عالجت قضية الهوية من زاوية سوسيولوجية، وهي مشكلة حادة لكنها ليست موضع اهتمام في بلدنا. مسألة الهوية ليست خاصة بالأقليات وحدها، واعتقد أن التأزم الخاص بالهوية من أسباب حالة التوتر في المجتمع السعودي، وهي – لهذا السبب – سبب بعض حالات العنف، سواء ضد الزوجات أم الأبناء أم الأطفال أم المخالفين أم المختلفين أم الدولة. من الأخطاء التي ارتكبناها في مناهجنا التعليمية وفي الإعلام وفي المنابر الدينية أننا استعملنا التعريف بالضد كأساس للتعرف على الذات (أي تشكيل هويتنا الخاصة). فحين نصف انفسنا، فاننا نعرف عروبتنا كمقابل للغرب، واسلاميتنا كمقابل لكفر هذا الغرب، أي أن الإنسان يطالع الآخرين ثم يحدد هويتهم، معرفًا نفسه وهويته بما هو نقيض لهويتهم. وطال الحديث عن المؤامرة الغربية، وعن أننا ضحية لهذه المؤامرة، وأن الإسلام كان عظيمًا ويومًا ما سنعود، في مبالغة في وصف التاريخ والعودة اليه عززت بشكل عميق جدًا تعريف الضد كأساس لتعريف الذات. لذلك، على سبيل المثال، عندما تأتي بشيخ أو داعية أو رجل متأثر بالدعاة أو حتى متأثر بالتعليم المدرسي العادي وتطلب منه وصف نفسه فلن تسمعه يتحدث عن قبيلته وتراثها، كيف يلبس الناس وكيف يعيشون، ولن يتحدث عن المزارع والاشجار والجبال وجماليات الحياة في قريته او مدينته، بل سينصب حديثه على الغرب والإسلام، المفارقات بين "نحن" و "هم"، وكيفية التغلب عليهم. هذا انتج - كما اظن - نفوسًا متوترة. التوتر يحتاج إلى تفريغ وتبرير. وقد وجدنا موضوعًا لتفريغ توتراتنا الداخلية في أميركا وفي العالم عمومًا. فتحولت الريبة والعداوة إلى مضمون شبه وحيد لعلاقتنا مع الغرب والعالم.
وهل هذا أمر سيئ جدًا؟
هذا ليس سيئًا جدًا، أو على الاقل ليس سيئًا دائمًا، لكن واقع الحال يُخبرنا أن نتائجه الفعلية كانت سيئة. أنت ترتاب من الأميركيين لكنك مضطر لاستعمال منتوجاتهم. تشعر بالحاجة إليهم وتكرههم في الوقت ذاته. هذا يولد توترًا في داخل الانسان يعمّق شعوره بالصغر. شخص كهذا سيواجه أسئلة في داخله، مثل: لماذا أحتاج لعدوي؟ لماذا لا أتحرر منه؟ هذا يتعلق بالتفريغ.
أما ما يخص التبرير فيأتي عن طريق تفسير انتقائي للنصوص المرجعية، مثل الآية المباركة ﴿ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم﴾. هذا التفسير الانتقائي ينتج ذهنية مرتابة في العالم. كان بامكاننا – بطبيعة الحال – أن نحول الارتياب أو العداوة إلى محرك للإبداع والانتاج اللذين يؤديان إلى الاستقلال عن العدو المفترض. يمكننا أن نفعل ما فعله الصينيون بعد برنامج الإصلاح الإقتصادي عام 1980، حين قرروا أن يكونوا مصنع العالم. نحن نستطيع أن نكون مصنع العالم مثلهم. في الصين اليوم أكثر من 200 ألف شركة أجنبية، وأكبر عدد من الطلبة المبتعثين في اوروبا واميركا. ومع كل ذلك فهم لم يتنازلوا عن هويتهم ومصالحهم، ولم يسلموا بلدهم للدول الاجنبية، بل أعادوا بناءها، بتقليد العدو اولًا، ثم الاستقلال عنه. نحن السعوديين والمسلمين اجمالًا، نحتاج إلى التحرر من التوجس والارتياب في العالم. اذا كنا نكره العالم، فعلينا أن نتعلم منه كي نتجاوزه، لا أن ندور حول أنفسنا وماضينا، ثم نفرغ قهرنا في انفسنا وفي اهلنا وبلدنا.
لكن العالم يعادينا؟
تكرار الحديث عن عداء الغرب للعرب والمسلمين ليس صالحًا، لأنه ليس جزءًا من مشروع للاستقلال عن الغرب، بل هو مجرد تبرير للفشل والدوران حول الذات. لهذا السبب اضراره كارثية. من الاحسن لنا أن نتفهم العالم وان نحبه، وان نعتقد بعمق أن لدى العالم الكثير مما يستحق أن نتعلمه، ثم – في المرحلة التالية – نكون شركاء في حياة العالم، في انتاج العلم وحماية البيئة الكونية، واستئصال الفقر وتعميق التكنولوجيا، ونشر الفضائل الاخلاقية والتجربة الروحية. البشر الذين يعيشون معنا على هذا الكوكب إخوة لنا في الانسانية، عباد الله مثلنا، شركاء لنا في كوكبنا، وحقنا المشترك كبشر وكعباد لله أن نتشارك في عمران هذا الكوكب وصناعة مستقبل افضل لاجيال البشرية التي ستأتي بعدنا، بدل أن نورثهم مبررات اضافية للتنازع والكراهية والتوتر.
زبدة القول في موضوع الهوية، اننا بحاجة إلى مراجعة فهمنا لأنفسنا، أن نتجه إلى التعريف الايجابي للذات بدلًا من التعويل على مقارنة سلبية مع الغير. نحن بحاجة لإعادة التأمل في اسئلة مثل: ماذا يعني أن تكون سعوديًا؟ ماذا يعني أن تكون عربيًا؟وماذا يعني أن تكون مسلمًا؟.
تقول إن ثمة إشكالية بين الإلتزام الديني والحرية الشخصية؟
الحرية مشكلة في ثقافتنا ككل، سببها أن تراثنا لا يقدس الحق بل يقدس التكليف والواجب. سَل نفسك: هل سبق أن سمعت أبًا يحدث ابنه عن حقوقه "المقصود حقوق الولد "؟ هل سمعت خطيبًا في مسجد يتحدث عن حقوق المواطن على الدولة، على الدين، وعلى الوطن؟ نربي اطفالنا على مبدأ أن الولد الطيب هو من يعرف واجباته فيلتزمها لا من يعرف حقوقه ويطالب بها. نحن نعلم اولادنا ما يجب عليهم وليس ما يحق لهم. فكرة أن الإنسان له حقوق تقوم على أساسها تكاليف ليست موجودة عندنا. الثقافة المبنية على أولوية الواجب والتكليف تنتج شخصًا مقهورًا. ثم نأتي بالدين ونضعه وسط هذه الواجبات ونعتبره مبررًا لها. أعتقد أن هذا ليس من الدين بشيء. محور التدين هو تكليف فردي، وأن كل انسان مسؤول عن نفسه. أنا مسؤول عن أعمالي أمام الله. لكن كيف أكون مسؤولًا من دون أن أكون حرًا مختارًا؟ يجب أن يكون الإنسان حرًا قادرًا على الإختيار حتى يكون مسؤولًا عن تصرفاته وخياراته. ما يحدث حاليًا في المجتمع هو استعمال الدين مبررًا لثقافة اجتماعية تقدس الواجب والتكليف وتلغي الحق. وهذا في ظني جوهر اشكالية العلاقة بين الالتزام الديني والحرية الشخصية.
"التعاون" بلا جدوى
السعودية تقود تحالفًا لإرجاع الشرعية إلى اليمن. متى تنتهي الحرب؟
تنتهي الحرب إذا تنازل كل الأطراف أو تنازل أحدهما أو انهزم، أو قبلا بالمفاوضات طريقًا لحل الخلاف. لا مشاكل سياسية مستحيلة. ثمة أدوات إقليمية مثل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي، وثمة أدوات دولية مثل الامم المتحدة يمكن تفعيلها للتوصل إلى حل. ففي سوريا، نجح مجلس الأمن في الايام الاخيرة في فرض وقف اطلاق النار، على الرغم من أن عشرات الأطراف تشارك في هذا الصراع. هذا مثال على فائدة الادوات الدولية. حين تقف الحرب تولد فرصة للبحث عن حلول سياسية.
قلت إن مجلس التعاون الخليجي عبء على السعودية. كيف ذلك؟
بصراحة... لا أرى فائدة في مجلس التعاون. فدوله لا تستطيع اضافة شيء إلى المملكة، لا على المستوى السياسي ولا الاقتصادي ولا الأمني. لعلك تعلم أن الحجم الاقتصادي لجزء من المملكة هو المنطقة الشرقية يزيد عن حجم دول مجلس التعاون الأخرى مجتمعة. وأنا هنا لا أطالب بالتخلي عن العمل مع مجلس التعاون، لكن أرى أن لا يجب الإنشغال به أكثر من اللازم. من الاصلح للمملكة أن تركز على الدول التي تناسبها حجمًا أو مكانة، كالجزائر وتركيا وايران والعراق والهند وباكستان ومصر واندونيسيا وماليزيا وجنوب افريقيا، فضلًا عن الدول الصناعية.
ليس في الإنشغال بالدول الصغيرة من ضرر، لكن لا جدوى من عقد الآمال عليها. واقع الأمر أن كل ما يحدث في "التعاون" يبدأ من المملكة وينتهي فيها. لو قررت السعودية عدم حضور اجتماع للمجلس فلن ينعقد الاجتماع، ولو قررت عدم المشاركة في عمل فلن يبدأ. لا أدعو إلى ترك المجلس، بل إلى عدم المبالغة في الانشغال به والتعويل عليه.
مبدأ المواطنة غير ناضج
ما سبب التشكيك الدائم بانتماء المواطن الشيعي للدولة؟
الحل تعزيز فكرة المواطنة. هناك انطباع منتشر جدًا فحواه أن علاقة المواطنين ببعضهم قائمة على ارضية الدين، وهذا خطأ واضح. كل انتماء ديني ينصرف – سياسيًا – إلى انتماء طائفي. هناك دائما، الآن أو في الماضي أو في المستقبل، مواطنون لا يؤمنون بنفس ديننا او لا يقبلون نفس قراءتنا الدينية، فهل نلغي شراكتهم في ارض وطنهم؟
مبدأ المواطنة ومفهوم الوطن ليسا قائمين على ارضية الدين، ولم نأتِ بهما من التراث الإسلامي، بل أخذناهما من الدولة القومية الحديثة التي ولدت في معاهدة وستفاليا، وتكرس كحقيقة متفق عليها في النظام الدولي بعد قيام عصبة الامم ثم منظمة الامم المتحدة. هذا المفهوم يقرر أن جميع حملة الجنسية في بلد معين هم مواطنون متساوون بغض النظر عن دينهم وعرقهم وتاريخهم. وكل من لا يحمل نفس الجنسية أجنبي حتى لو كان أهله من مواطنيها، أو كان ينتمي إلى نفس دينها ومذهبها وقوميتها. في عصر الدولة القديمة السابق لمعاهدة وستفاليا، كان اتباع ديانة او مذهب محدد يعتبرون رعايا لحكومة الدولة التي تتبنى ذلك المذهب. الأخذ بهذا المبدأ القديم يعني الغاء الحدود السياسية والسيادة الوطنية، بحيث تكون المملكة مسؤولة عن اتباع المذهب السلفي في الجزائر مثل مسؤوليتها عن المواطن السعودي، ويحصل اتباع المذهب الحنفي في افغانستان على نفس حقوق المواطن المصري، وتكون الصين مسؤولة عن الماليزيين ذوي الاصول الصينية، وهكذا. لكن واقع الحال أن السعوديين، حكومة وشعبًا، رضوا بالمفهوم الحديث للدولة الذي يقول إن جميع الذين يحملون جنسية البلد مواطنون متساوون مع بعضهم في الحقوق والواجبات. وكل من لا يحمل جنسية البلد أجنبي، حتى لو كان أخي أو أبي. هذا التوزيع البسيط أقام علاقة قانونية بين سكان البلد اسمها المواطنة. لو اختلفت ديانتنا نظل مواطنين يجمعنا وطن واحد. لذا لا يجوز محاسبتي على اختلافي في العقيدة والمذهب. أنا أملك حصة في ارض وطني مثلما تملك أنت. لا يحق لك أن تطالبني باثبات مواطنتي كما ليس لي الحق في مطالبتك، ولا تطالبني بمشابهتك واتباع فهمك الخاص او ايمانك، كما لا اطالبك. وما زال مبدأ المواطنة هذا غير ناضج ولا متجذر في الثقافة السياسية العربية، وفي بلدنا خاصة. فتضخم الجانب الديني في التعليم والاعلام والسياسة عمّق المشكلة، ومن يرى نفسه "اكثر تدينًا" يطالب غيره بأن يكون مثله كي يعتبره مواطنًا صالحًا.
وماذا عن الولاء للوطن؟
الجميع يتحدث عن الولاء للوطن، ويقصد في حقيقة الأمر تأييد سياسات الحكومة. هذا خطأ. الولاء للوطن تعبير عن علاقة مع كيان قيمي ومادي ثابت ومشترك. اما سياسات الحكومة فهي مرتبطة بمصالح وظروف متغيرة. ليس من واجبات المواطنين تأييد كل سياسة للحكومة، بل واجبهم التزام القانون. الموقف من السياسات هو من الحقوق التي لك كمواطن أن تؤيدها أو تعارضها، بناء على اسباب تتعلق بالصالح العام او المصلحة الشخصية. لهذا يعارض التجار سياسات السعودة، كما يعارض الكتاب سياسات الرقابة، ومع ذلك لا أحد يشكك في وطنيتهم.
نذكر بفخر الأميركيين الذين عارضوا حرب فيتنام، مثل الملاكم المسلم محمد علي كلاي، ولا نعتبره خائنًا لوطنه. كما نذكر بالخير اليهود الذين يعارضون السياسات الاسرائيلية، والاوروبيين الذين يدافعون عن حقوق المهاجرين المسلمين إلى اوروبا. فهذه معارضة لسياسات وقوانين جارية، لكنها لا تجرح وطنية اصحابها، بل تعد فخرًا لهم، لأنهم تمسكوا بقيم عليا في مجتمع يؤمن بالتعددية والتنوع.
فالسياسة إذًا ليست منتوجات قيمية لا تتغير. طبيعة القيم أنها ثابتة، أما السياسات فتتغير. السياسة هي عمل الحكومة أما الوطن فهو كينونة قيمية. وتأييد سياسات الحكومة موضوع مختلف تمامًا عن الولاء للوطن. ربما تسجنني الحكومة إذا خالفت قوانينها، لكنها لا تستطيع أن تقول إني لست سعوديًا. وعودة إلى موقف الشيعة، اجد كثيرًا من الناس، حتى بين النخبة، منزعجين لأن الشيعة اتخذوا مواقف مباينة لموقف الحكومة في قضايا محددة، ولا سيما تلك التي تحمل ظلالًا طائفية. لا ألومهم لكني لا اعتبرهم محقين في موقفهم.
لكنك متهم بالولاء لإيران؟
يتهمني كثيرًا من الناس بالطائفية والولاء لإيران، وقال كاتب ينتمي لتيار ديني سياسي معروف أن توفيق السيف طائفي لأنه لم ينتقد في حياته رأيًا دينيًا للشيعة أو موقفًا للحكومة الايرانية. لمح إلى أن هذا دليل على اني خائن لوطني، وهو كلام يدل على جهل. كتبت اربعة كتب في نقد الفكر الديني والسياسي الشيعي، كما كتبت نقدًا موسعًا لنظرية ولاية الفقيه في أكثر من كتاب بينها "نظرية السلطة في الفقه الشيعي". وكتبت دراسة مفصلة في نقد الأنموذج السياسي الايراني، منشورة بعنوان "حدود الديمقراطية الدينية". لا اخفي انني اتبنى أنموذج الديمقراطية الليبرالية في السياسة، ونسبية المعرفة في الدين والفلسفة. ولي في هذا عشرات المقالات والدراسات. اعذر هذا الكاتب وامثاله لانهم لا يقرأون سوى ما ينشره تيارهم الخاص. لكني، مع كل ذلك، لا أرى أن من واجبي معارضة إيران أو نقد الشيعة، كما لا أرى من واجبي معارضة الحكومة السعودية أو أي حكومة أخرى أو نقد أي مذهب، ولا من واجبي مدح هؤلاء ولا اولئك او الدفاع عنهم. لا أقبل أن يأتي شخص ليشكك في وطنيتي بناءً على رأي في سياسات الحكومة او موقف منها. أقول رأيي لأنه حقي، سواءً خالف رأيك أم وافقه، وسواءً انسجم مع سياسات الدولة أم خالفها. لا علاقة لهذا من قريب ولا بعيد بوطنيتي وايماني بوطني.