نصر المجالي:&تتصاعد الضجة في الشارع الأردني فصولاً بين مؤيد ورافض على مقال أشعل جدلاً غير مسبوق على وسائل التواصل الاجتماعي للكاتبة والشاعرة زليخة أبو ريشة حول "غسيل الأدمغة"،&وفي تغريدة اضافتها لمقال لها في صحيفة (الغد) الأردنية تحت عنوان (غسيل الأدمغة) اتهمت الكاتبة زليخة أبو ريشة مراكز تحفيظ القرآن قاطبة بانها تقوم بغسيل الأدمغة وتقدم الخطاب الأيدولوجي.
كما اتهمت هذه المراكز بأنها تقدم الخطاب الشوفيني وخطاب الكراهية، وركزت الكاتبة على الأطفال ومن يرتادون هذه المراكز ووصفتهم بـ"الخلايا النائمة"،&يذكر أن الأردن يشكو من خطاب الكراهية والتحريض بينما هو يشار في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وخصوصا تنظيم (داعش).
موقف الملك
ولمرات عديدة وعبر خطابات في الداخل والخارج، دعا العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لموجهة التطرف في المنابر التعليمية، والسياسية، والدينية والثقافية لتغيير ما تحاول الجماعات والعصابات المتطرفة والارهابية زرعه في نفوس المجتمعات وجعل خطاب الكراهية هو الخطاب السائد والطاغي على لغة الحوار وتقبل الآخر ولغة الاعتدال التي جاء بها الدين الاسلامي السمح.&
وفي خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الملك عبدالله الثاني: "دعونا نغير لهجة خطابنا. فخلال إحدى جولاتي مؤخرا، لاحظت لافتة على جانب الطريق تقول: 'خافوا الله'. وعلى بعد أميال قليلة، لافتة أخرى بنفس العبارة، ثم أخرى مماثلة، ثم ثالثة، أما الأخيرة فكانت تقول: 'أو الجحيم هو المأوى".
&ويتابع الملك: "وتساءلت: متى وكيف تسلل الترهيب إلى خطابنا بدلا من محبة الله؟ قد يعتقد معظم الناس أنه لا علاقة لهم بخطاب الكراهية الذي يحمله المتطرفون، لكن عالمنا عرضة للتهديد عندما يسيطر العنف والخوف والغضب على خطابنا، سواء في المدارس أو الخطب الدينية أو حتى في علاقاتنا الدولية".&
احتقار الآخر
وإلى ذلك، فإنه في المقال الجدلي المثير اعتبرت الكاتبة في سياق حديثها عن "غسيل الأدمغة" و"كراهية الآخر" أن "الأطفال يتغذون على احتقار المرأة وتكفير العلمانية والحداثة والطوائف والأديان الأخرى، في مدارس داعشية قائمة على الفكر السلفي. وكذلك الأمر في المراكز الثقافية الدينية المنغلقة. فجميعها بؤر مخيفة لغسيل الأدمغة، وللتنشئة على الكراهية".
ولوحظ أن الإسلاميين وأنصارهم شنوا حملة م جانبهم من خلال ردودهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي طالت الليبراليين والعلمانيين حيث اتهموهم بمعاداة (الدين الإسلامي).&
6000 مركز&
وكانت مصادر أردنية ذكرت أن عدد مراكز التحفيظ في الأردن يزيد عن ستة آلاف مركز إضافة لستة آلاف مسجد وغالبيتها تدار من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
وفي مقالها قالت أبو ريشة: إنه "يمكن لغسيل الدماغ أن ينتزع الرحمة من قلوب ضحاياه من الأطفال والشباب، فيُقدم المغسول رأسه على جزّ عنق أمه وأبيه لأنهما (كافران)، وهو ما ترويه لنا الأخبار المرعبة مؤخرا عن حادثة في الرياض".
ودعت الناشطة في مجال حقوق المرأة والإنسان والحريات العامة، في مقالها، إلى مراجعة آليات غسيل الأدمغة التي قالت إنها "تعشّش اليوم في مدارسنا ابتداء من دور الحضانة ومرورا برياض الأطفال وانتهاء بالثانوية العامة".
وقالت: "فلا تظنن الدولة أن البلد بمنجاة من الفوضى والمخاطر، ما دامت التربية الراهنة تغسل الأدمغة بدل بناء العقول.. فالنواتج ليست سوى قنابل موقوتة وخلايا نائمة".
نص مقال أبو ريشة&
وفي لآتي نص مقال الأديبة والشاعرة والناشطة زليخة أبو ريشة في صحيفة (الغد):
(لا يختلف غسيل الأدمغة الداعشي عنه لدى حركة "KKK" الأميركيّة، عنه عند الصهيوني القبيح.. فالجميع يعتمد بشكلٍ أساسيّ على خطاب الكراهية أولاً، في التنشئة الأسرية، أو في المدرسة، أو في الإعلام، أو في منابر المجتمع الأهلي والمعابد، أو فيها جميعها أو بعضها. إن كل حركة تقوم على كراهية الآخر لأنه فقط مختلف في الدين أو العرق أو الجنس أو الإقليم أو البلد أو اللون أو الطائفة أو غيرها، تلجأ لتحصين ذاتها وزيادة أعداد منتميها إلى عمليات غسيل أدمغة ممنهجة تتوجَّه إلى الأطفال أولاً، لكي تحقن عقولهم بألوانٍ من المخاوف من الآخر، الذي يغدو عدوّاً حتى لو كان يشاركهم الوطن، وبألوانٍ من احتقاره والتعالي الشوفيني عليه، وتثقفهم بالتعبيرات والأساليب التي من شأنها قهره والعدوان عليه نفسياً، أو جسدياً، أو على أملاكه، بالإضافة إلى الاستهزاء بقيمه وعقيدته وموضوع الاختلاف فيه: اللون أو الدين أو الجنس أو الإقليم... إلخ.
تتاحُ هذه العمليات لمن يملك بيده مقادير التربية للأطفال؛ فعند دولة الاحتلال الإسرائيلي مدارس عنصرية دينية متشددة تغسل أدمغة الأطفال على كراهية العرب واعتبارهم في مقام الحيوانات، والتطلع إلى إفنائهم. وفي المدارس النازيّة نُشِّئ الأطفال على تعظيم "الجنس الآري" مقابل احتقار الأمم الأخرى واليهود ومحاربتها وتدميرها. وفي مدارس الداعشية القائمة على الفكر السلفي يتغذى الأطفال على احتقار المرأة وتكفير العلمانية والحداثة والطوائف والأديان الأخرى. وكذلك الأمر في المراكز الثقافية الدينية المنغلقة. فجميعها بؤرٌ مخيفةٌ لغسيل الأدمغة، وللتنشئة على الكراهية.
11 ايلول 2001
وبالإضافة إلى آلية خطاب الكراهية في عملية غسيل الأدمغة، التي قد يشتركُ فيها العَلماني الحداثي (الغرب إثر حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001) والمتقوقع السلفي، تُضافُ آليةٌ أخرى يستقلُّ بها السلفيّ في الأديان، وهي الترهيب والترغيب الغيبيّان؛ جنان الخلد والحور العين مقابل عذاب القبر وجحيم الآخرة. فهذه الآلية تشتغل شغلها في إعداد مهادٍ خصب للتوجيه في أي اتجاه ونحو أي هدفٍ، حتى لو كان تفجير النفس. فغسيل الدماغ يعني بالمحصّلة في هذا الإطار تغييب العقل والمنطق الإنساني، وتفعيل الغيبيات، والاشتغال على أسطورة خير الأمم والشعوب، وأفضل الناس وأفضل الأديان وأعظم العقائد وأصحها وما عداها باطل! بل يمكن لغسيل الدماغ أن ينتزع الرحمة من قلوب ضحاياه من الأطفال والشباب، فيُقدِم المغسول رأسه على جزّ عنق أمه وأبيه لأنهما "كافران"، وهو ما ترويه لنا الأخبار المرعبة مؤخراً عن حادثة في الرياض.&
وعلينا شئنا أم أبينا أن نراجع بجرأةٍ وجسارة وبلا أدنى تردّد آليات غسيل الأدمغة التي تعشّش اليوم في مدارسنا ابتداءً من دور الحضانة ومروراً برياض الأطفال وانتهاءً بالثانوية العامة التي تقوم التنشئة فيها بلا استثناء يُذكَر، على التخويف من عذاب الله، لا التنعم برحمته، وعلى ذهنية التكفير والفرقة الناجية والتفوق العقائدي، التي تجعل الطفل/ الطالب/ الطالبة "طلاب شهادة" و"أبطال عمليات استشهادية" عندما يأتي تنظيمهم صدفةً أو تخطيطاً. فلا تظنن الدولة أن البلد بمنجاةٍ من الفوضى والمخاطر، ما دامت التربية الراهنة تغسل الأدمغة بدل بناء العقول.. فالنواتج ليست سوى قنابل موقوتة وخلايا نائمة.
ألا هل بلّغت!)
انتهى المقال
مؤلفات
يذكر أن زليخة أبو ريشة شاعرة وباحثة أردنية، وناشطة في مجال حقوق المرأة والإنسان والحريات العامة. وهي عضوة، وعضوة مؤسِّسة، في عدد من المنظَّمات الأردنيّة والعربيّة والعالميّة، منها: رابطة الكتاب الأردنيين، مركز دراسات المرأة (عمّان)، المجلس العربي للطفولة والتنمية (القاهرة)، IBBY (جنيف)، النادي العربي البريطاني، وشعراء نهر ديفن، وجمعية الفسيفساء البريطانية (بريطانيا)، ومنظمة العفو الدولية "أمنستي"/ الأردن، ومهرجان كُتّاب آسيا وإفريقيا (كوريا).
وأصدرت أبو ريشة ثمانيَ مجموعاتٍ شعريَّةٍ (تراشقُ الخَفاء (عمان، 1998)، غَجَرُ الماء (القاهرة، 1999)، تراتيلُ الكاهنة ووصايا الريش (دمشق، 2000)، للمزاجِ العالي (عمان، 2005)، كلامٌ مُنَحَّى (عمان، 2005)، جَوَى (عمان، 2007)، في ثناء الجميل (عمان، 2008))، ومجموعة قصصيةً واحدةً "في الزنزانة" (القاهرة، 1986)، وأربعَ قصصٍ للأطفال، ودراسة في أدب الأطفال "نحو نظريةٍ في أدبِ الأطفال" (عمان، 2003)، وكتابين في اللغة والجندر "اللغة الغائبة: نحو لغة غيرجنسوية" (عمان، 1996)، و"أُنثى اللغة: أوراق في الخطاب والجنس" (دمشق، 2009).




















التعليقات