: آخر تحديث
من نيرون الى موسوليني وبن لادن

لماذا يحب الطغاة كتابة الشعر؟

لندن: الشعر فن النقاء مرادف للشفافية والحس المرهف.  لذا يبدو من غير المعقول ان يكون احتفاء بالقسوة ايضاً والشكل الفني المحبب لدى كثير من الطغاة والمستبدين.  ولكن من العصور الكلاسيكية القديمة الى الأزمنة الحديثة وجد حكام دكتاتوريون ما يلهمهم لكتابة الشعر.    

النموذج الذي يجسد الشاعر ـ المستبد هو الامبراطور الروماني نيرون الذي يقول مؤرخو عهده انه كان يعذب روما بشعره بقدر ما كان يعذبها بسياساته.  

ويشير الباحث اولريك غوتر في كتابه "طغاة يكتبون الشعر" الى صورة نيرون في اذهاننا طاغية يتغنى بسقوط طروادة، فيما تحترق مدينته الامبراطورية.  وينقل المؤرخ الروماني سوتونيوس عن نيرون كونه "شديد الفرح بجمال اللهب".  

وبعد حوالي الفي سنة شهدت ايطاليا دكتاتوراً آخر يهوى كتابة الشعر هو موسوليني الذي عُرف بقصائده العاطفية دون عمق.  ويقول كاتب سيرته ريتشارد بوسورث انه كان مدعياً يتعمد ترك كتب شعراء كبار مفتوحة بشكل استعراضي على مكتبه حين يزوره ضيوف اجانب.  وكانت قصائده الأخيرة تعكس عزلته بعيداً عن مثاليته ايام الشباب.  

وكان من المحتم ان يفرغ الطغاة خيبة املهم الفنية في السياسة. فإن هتلر رغم اعلانه تفضيل "القوة السحرية للكلمة المنطوقة" على الأشكال الأدبية الجمالية الأخرى ، كان يتصور نفسه بوهيميا من فيينا.  وكتب غوبلر الذي استكمل فن الدعاية رواية ذات سمات تعبيرية فيما كان بول بوت الذي درس في باريس معجباً بشعر فيرلين الرمزي.  

واطلقت الماركسية موجة من الحركات الجمالية الراديكالية، ولكن شاعر الاتحاد السوفيتي المستبد ستالين كان يكتب باسلوب محافظ لا يمت بصلة الى هذه الحركات.  وكان ستالين الشاب يكتب باللغة الجورجية ويعيد عمله انتاج موضوعات رومانسية عن الشاعر المتمرد والعصر الذهبي المفقود.  وتتسم قصائد ستالين بالتقليد الفني والحماسة المبالغ بها.  ولكن حتى اشد كتاب سيرة ستالين انتقادًا له ، سيمون سيباغ مونتفيور ، مؤلف "ستالين الشاب" يثني على قصائده قائلا "إن جمالها يكمن في الايقاع واللغة" فيما يذهب الشاعر البريطاني ـ الكندي روبرت سيرفس الى ان شعر ستالين "يمتلك نقاء لغوياً يعترف به الجميع". 

وريث ستالين الروحي يوري اندروفوف كان يجمع بين البيروقراطي والرومانسي.  وعندما كان رئيس جهاز المخابرات السوفيتية "كي جي بي" كان يلاحق المعارضين ويكتب قصائد حب لزوجته.   

الستاليني الآخر، زعيم كوريا الشمالية الراحل كيم ايل سونغ ، كتب مسرحيات ثورية واعمالاً نظرية وقصائد من الحنان الأبوي الى نجله كيم جونغ ايل. وكان كيم الأب يعتبر "شمس الأمة" على غرار الزعيم الصيني ماو تسي تونغ الذي كان "الشمس الحمراء في قلوبنا".  

وكان ماو تجسيداً لامثولة الحاكم في الجمع بين السيف والقلم على اساس وحدة المقدرة الثقافية والقوة المادية.  ولكن لغة ماو الشعرية اتسمت بالترف الأدبي.  وكان شعره تقليدياً في الشكل وكلاسيكياً في الموضوعات وكان يكتب بالاسلوب القديم رغم شجبه رسمياً بوصفه اسلوباً نخبوياً بالياً.  

كان الشعر من الأدلة الجرمية التي قُدمت للمحكمة الجنائية الدولية حيث أُدين زعيم صرب البوسنة رادوفان كارادجيتش "جزار البوسنة" بتهمة ابادة الجنس.   ففي عام 1992 انتج تلفزيون بي بي سي فيلماً وثائقياً يظهر فيه كارادجيتش مع الشاعر القومي الروسي ادوارد ليمونوف.  ويلقي "جزار البوسنة" خلال اللقاء قصيدة يهدد فيها مسلمي البوسنة بالويل والثبور، فيما يطلق ليمونوف رشقة من الرصاص في الوادي تحتهما.  

ويجب الحذر من مخاطر التعامل مع الشخصية الفنية على انها شخصية الكاتب نفسه.  وعلى سبيل المثال ان آية الله الخميني كتب بالفارسية اشعاراً عن العشق وتغزل بالخمرة مستوحياً صوفيين مثل الرومي وحافظ.  ومن الصعب التوفيق بين هذه الروحانيات وفتاوى الخميني التحريمية أو سياساته في قمع المعارضين من اقرانه في المؤسسة الدينية مرورًا بالليبراليين الى اليساريين.  

اطلقت الغارة الاميركية على منزل اسامة بن لادن في عام 2011 تعليقات على رفوف الكتب التي كانت في المجمع مركزة على غياب الرواية لكنها اغفلت شغفه بالشعر.  ففي عام 2010 كتب بن لادن الى احد مساعديه تفاصيل مخطط كبير قبل ان يضيف طلباً بأن تُرسل اليه أي كتب عن علم العروض والقافية. 

وكان بن لادن من اشهر الشعراء الجهاديين، من اسباب شهرته اتقانه البلاغة الكلاسيكية.  وكان أميره في العراق ابو مصعب الزرقاوي معروفاً في وقت واحد بالجزار والكثير البكاء، في اشارة الى العلاقة بين ثنائي شهوة السلطة واستدرار العطف.  

زعيم تنظيم القاعدة الحالي ايمن الظواهري ايضاً يكتب الشعر وخليفة الدولة الاسلامية ابو بكر البغدادي كتب رسالة الدكتوراه عن قصيدة دينية. 

الطاغية الذي ظل يكتب الشعر حتى النهاية بصرف النظر عن مستواه هو صدام حسين.  ويُلاحظ ان قصيدة صدام التي كتبها في السجن عام 2003 مكتوبة بلغة دارجة ركيكة.  وظل صدام الذي كان يعجبه الظهور في الصور وبيده رشاشة كلاشنكوف او بندقية أو مسدس ، أسير هوسه بعظمته حتى آخر بيت من شعره.    واللافت ان مخترع هذا السلاح ميخائيل كلاشنكوف كان يطمح في ان يكون شاعراً.  

 

اعدّت "إيلاف" هذا التقرير بتصرف عن "بي بي سي".  الأصل منشور على الرابط التالي:

http://www.bbc.com/culture/story/20171025-why-tyrants-love-to-write-poetry

 

 

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

  1. بوتين: نرفض «تخريب العلاقة مع الرياض»
  2. إيران وروسيا
  3. صدامٌ في أميركا بين الأمن القومي والأمن الداخلي
  4. العبادي يعلن عدم اعتزاله السياسة وتشكيل قوة ثالثة مدنية لا طائفية
  5. بومبيو: السعودية شريك استراتيجي وحاضنة الحرمين
  6. سابقة في البرلمان البريطاني: نائبان يعجزان عن التفاهم بالانكليزية!
  7. الحكومة المغربية تستعد لخوصصة مقاولات عمومية
  8. بالصور: فيضانات قوية تقتل 5 أشخاص في تونس
  9. الملك سلمان يعزي الرئيس السوداني في وفاة سوار الذهب
  10. 4 زعماء في خلوة لاحتساء الجعة... لِم لا !؟
  11. رئيس وزراء إثيوبيا: تمارين الضغط أنقذتني من القتل
  12. بوتين: حققنا أهدافنا في سوريا
  13. الرزاز في لقاء شبابي استجابة لمبادرة أطلقتها مواقع التواصل
  14. سعودي تتهمه أنقرة في قضية خاشقجي: لم أدخل تركيا في حياتي
  15. الجعفري يلقن باسيل
  16. عبد المهدي جاهز لتقديم حكومته للبرلمان مطلع الاسبوع المقبل
في أخبار