قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

أسامة مهدي: تعتبر بناية "المطعم التركي" في بغداد ذات الاربعة عشر طابقا المطلة على ساحة التحرير مركز الاحتجاجات في العاصمة إحدى الظواهر الملفتة في المواجهات بين القوات الأمنية والمتظاهرين الذين استعادوا منها السيطرة عليه وطرد القناصين من عناصر المليشيات العراقية المرتبطة بإيران التي كانت تستهدفهم منه بالقتل.

واطلق اسم "المطعم التركي" على هذه البناية التي شيدت في ثمانينات القرن الماضي والمطلة على ساحة التحرير بوسط بغداد لانها كانت تضم مطعما تركيا في الطابق الأعلى من المبنى الذي يتميز بموقعه الاستراتيجي ما جعله هدفا لسيطرة المحتجين عليه لمراقبة حركة التظاهرات وقوات الأمن التي قد تتقدم باتجاههم.

كما يشرف المبنى على جسر الجمهورية المؤدي الى المنطقة الخضراء مركز الرئاسات العراقية الثلاث والوزارات المهمة وسكن المسؤولين ومقرات السفارات الاجنبية تتقدمها الأميركية والبريطانية اضافة الى بعثتي الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي في العراق.

واتخذت لجنة الدعم اللوجستي التي تضم ناشطين مقرا لها في الطابق الارضي، حيث تقوم بتوفير اسعافات واغذية وفرش للمتظاهرين. ووسط أجواء التضامن تلك تشهد طوابق المبنى تجمعات احتفائية تتخلها الموسيقى والغناء وإلقاء قصائد الشعر الشعبي.

جبل أحد.. من مركز للقمع إلى أيقونة للاحتجاجات

وأصبح مبنى "المطعم التركي" بمثابة برج مراقبة وقلعة يحتمي بها المتظاهرون فيما أطلق عليه بعضهم اسم "جبل أحد" والذي اطلقت عليه غوغل الاسم نفسه حيث كان له دور مهم في بعض الثورات والمسيرات والانتفاضات التي شهدتها العاصمة بغداد حيث استخدمته القوات الأمنية عام 2011 في مواجهة المظاهرات الشعبية التي خرجت في ذلك الوقت ضد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لكن المبنى لم يتحول حينها إلى أيقونة.

بناية المطعم التركي المطلة على ساحة الاحتجاجات تحتشد بالمتظاهرين

وتحدثت تقارير عن أن الطابق الثامن منه قد تحول حينها إلى ما يشبه مركزا لقيادة العمليات ضد المتظاهرين، تمركز فيه عدد من قيادات قوة عمليات بغداد، وبعض المسؤولين والنواب الموالين للحكومة لمراقبة المظاهرات والإشراف على عمليات قمعها وتفريقها.

كما انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي آنذاك صور القوات الأمنية في أعلى البناية، فضلا عن أحد النواب المقربين من المالكي حينها وبعض المسلحين في أعلى البناية وهم يراقبون ويستهدفون المتظاهرين.

وأطلق المحتجون تسمية "جبل أحد" على بناية "المطعم التركي"، في إشارة إلى الجبل الموجود في السعودية والذي شهد معركة "أحد" الشهيرة في التاريخ الإسلامي في عهد النبي محمد (ص).

قصف أميركي للمطعم التركي

وكان المبنى اتخذ في عام 2001 مقرا لهيئة الشباب و الرياضة العراقية لاطلالتها على المراكز الامنية الحساسة ومنها القصر الجمهوري انذاك والوزارات المهمة واليوم هو على بوابة المنطقة الخضراء.

وقد تعرض "المطعم التركي" لقصف أميركي خلال حرب الكويت عام 1991 وحرب العراق عام 2003 لكنه تحول بعده إلى مبنى مهجور بعد أن أصابته القوات الأميركية بقذائف صاروخية أثناء احتلالها بغداد في التاسع من ابريل من العام نفسه حيث وجهت دبابات أميركية عند اقتحام بغداد بعض القذائف للمبنى ضد المسلحين المقاومين لها المتمترسين فيه.

وعلى خلاف ما جرى في التظاهرات السابقة التي جرت قبل يوم 25 أكتوبر الماضي كانت بناية المطعم تستخدم من قبل القوات الأمنية والمسؤولين للإشراف على عمليات قمع التظاهرات لكنها اليوم باتت تغص بالمحتجين الشباب الذين يعتبرونها خط الصد الأول للدفاع عن المحتجين في ساحة التحرير.

ويستغل المتظاهرون البناية لتصوير لقطات حية للسيل البشري الذي يتوافد على ساحة التحرير على الرغم من حظر التجوال المفروض في العاصمة العراقية ليلا.

كما استعار البعض الآخر من التاريخ العراقي اسم "الجنائن المعلقة"، إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم التي ينسب بناؤها للملك نبوخذ نصر الثاني في بابل لوصف المبنى المطل على نهر دجلة وجانبي مدينة بغداد.

طرق مبتكرة لايصال الاغذية والاحتياجات للمعتصمين ووسط أجواء التضامن تلك تشهد طوابق المبنى تجمعات احتفائية تتخلها الموسيقى والغناء وإلقاء قصائد الشعر الشعبي، كما قال تقرير لـ"بي بي سي" عربي اطلعت عليه "إيلاف".

وتتحدث ربا وهي ناشطة بين المحتجين عن مبادرة شبابية لتنظيف المبنى المكتظ بالقمامة والأنقاض حرصا على صحة المتظاهرين المعتصمين في طوابقه حيث اشترى متطوعون أكياس أزبال وحبال ومكانس وبكرات للحبال وأوصلوها لهم ويحاولون الآن إيجاد آلية تُسهل نقل أكياس الأنقاض والقمامة بالحبال من طوابق المبنى العليا إلى أسفل.

وتقول ربا ان المتبرعات يُوصلن هذه المواد إلى مرآب السيارات في أسفل المبنى حيث يتولى مجموعة من سائقي عربات التُكتك نقلها في طوابق المبنى السفلى التي كانت سابقا مرآب سيارات ثم يتولى شباب آخرون نقلها وتوزيعها على الطوابق الأخرى على سلالم ضيقة أو باستخدام السلال والحبال لسحبها.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، كانت واجهة هذا المبنى تضم شاشة إلكترونية كبيرة لبث الأخبار والإعلانات وقد استعاد الشباب المعتصمون هذه الوظيفة فاستخدموا واجهة المبنى المطل على ساحة التظاهر لشعاراتهم ولافتاتهم ومدوا علما عراقيا كبيرا على امتداد المبنى إلى جانب اللافتات الضخمة التي حملت شعارات مختلفة، من بينها الشعار الأكثر ترددا في هذه المظاهرات "نريد وطنا" وشعارات أخرى من أمثال "نازل آخذ حقي" و" إزرع ثورة احصد وطنا" و "ماكو وطن ماكو دوام.. حتى إسقاط النظام".

وفي الأمسيات يحرص المعتصمون على إنارة المكان بإشعال الشموع أو شاشات هواتفهم النقالة أو المصابيح اليدوية والتواصل مع المتظاهرين في ساحة التحرير في أسفل المبنى عبر تلك الاشارات الضوئية.

ويقول نزار وهو احد الناشطين إن المعتصمين نظموا أنفسهم بشكل عفوي في مجاميع تتناوب على الصعود للمبنى في نوبات على امتداد ساعات اليوم كي يظلوا مسيطرين على المبنى وحتى لا يسمحوا باقتحامه.