قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في منتصف كل أغسطس، نتذكر في إيلاف راحلًا كبيراً. إنه غازي عبد الرحمن القصيبي، السياسي الليبرالي والدبلوماسي والأكاديمي والمحامي والأديب الروائي والشاعر السعودي. إيلاف تسجل في الذكرى شهادات حياة عن الراحل الكبير، وتنبش في أوراق قديمة عن سيرة عطاء لا ينضب.

إيلاف من لندن: العلاقة وطيدة بين غازي القصيبي وعثمان العمير، وزادت توطدًا في أيام رئاسة العمير تحرير صحيفة "الشرق الأوسط"، حين كانت مقالات القصيبي لا ترحم أحدًا.

من يعرف الرجلين، يعلم أنهما من طينة "غير المحايدين". ألم يقل القصيبي في مقالة "المحايدون" بكتاب "في عين العاصفة": "قد يكون الحياد أعنف أنواع التدخل وأخطرها وأقل المواقف أخلاقية وأكثرها انتهازية.كيف؟ عندما تشهد ماردًا يقتل طفلًا وتعلن أنك على الحياد فإنك قد قرَّرت أن تقف مع المارد ضد الطفل (...) الحياد فضيلة عندما تكون المعركة شراً، وشراً ولكنه رذيلة عندما تكون المعركة بين حق وباطل". وألم يشرع العمير أبوابه الصحافية، وآخرها "إيلاف" لنصرة حق على باطل من دون حياد، ومن دون مواربة؟".

الحوار بين الرجلين كان مستمرًا، منه ما عرف، ومنه ما خفي، وكان أعظم. في 18 يوليو 2002، نشر القصيبي في مجلة "المجلة" مقالة تناول فيها العمير حلّةً ونسبًا، سيرة ومسيرة، وسماه "النرفيز"، أي من "ينرفز" غيره ولا "يتنرفز"، وإعرابها أنه يرى في العمير رجلًا قادرًا على إثارة المشاعر في من يحاوره، أو من يعاشره، أو من يحاكيه، من دون أن تهتز فيه شعرة... وهذا ما كان ذمًا أبدًا.

رحل القصيبي، وترك في قلب صاحبه العمير غصة. بعد عام من الرحيل، نشر العمير ردّه على مقالة الراحل، على "شواف الشعب" كما سمّاه، مستذكرًا زمنًا كانا فيه أقرب إلى الحياة والحقيقة والكلمة من حبل الوريد.

بعد أعوام عشر من رحيل القصيبي، تُعيد "إيلاف" نشر الحوار المتخيّل بين "النرفيز" و"شواف الشعب"، تحيةً لرجل ترك بصمةً في حله وترحاله، لا تُنسى.

عثمان العمير: النرفيز
بقلم الكتور غازي القصيبي

في رواية العصفورية يصنف بطلها العاقل البروفسور بشار الغول البشر الى ثلاثة اصناف
- النرفوز، هو الذي ينرفز ولا ينرفز غيره.
- النرفاز، هو الذي ينرفز وينرفز غيره معه.
- النرفيز، هو الذي ينرفز غيره ولا يتنرفز.
وصاحبنا، عثمان العمير، لا يمكن ان نفهم شخصيته الا اذا كان لدينا مفتاحها الاساسي، هذه الشخصية تمثل النرفيز، وبامتياز!

بدأ عثمان حياته محررا رياضيا، نرفزت مقالاته حكام الكرة واللاعبين ومديري الاندية.. أدى هذا الى ترقيته محررا "بتاع كلو" ونرفز "كلو" جميع الناس تقريبا من مقالاته.. وأدى هذا الى ترقيته مديرا للتحرير، وايفاده الى منطقة اخرى من مناطق المملكة..
عندما نرفز جميع الزملاء (ومعظم القراء) في المنطقة الجديدة عاد الى قواعده والى المزيد من نرفزة عباد الله.. وكانت نتيجة هذا ان اتخذ قرار بايفاده مندوبا دائما للصحافة السعودية في بلاد الانجليز، وفي شارع فليت ستريت تحديدا..
ومن لندن بدأ يرسل مقالات نرفزت بني يعرب وبني "التيمس".. وكانت نتيجة هذا ان عُين رئيسا لتحرير مجلة "المجلة".. وهناك نرفز الصحافيين والرسامين والمصححين حتى ضاقت "المجلة" بنرفزاته..
نتيجة لهذا انتقل رئيسا لتحرير "الشرق الاوسط"،.. وحتى لا تضيع دقيقة واحدة من وقته دون نرفزة احد قرر الا ينام وسمى "الشرق الاوسط"، الصحيفة التي لاتتثاءب.. ولاشك عندي ان عثمان العمير هو اول من ابتكر طريقة النرفزة عن بعد..
يحتضن كومبيوتره الشخصي وينطلق في ارض الله من بلاد تأكل الكانجرو الى بلاد تلتهم الكلاب. وهو يرسل عبر الكومبيوتر الشخصي تعليماته بمحتويات الصفحة الاولى وما تتضمنه الصفحة الاخيرة.. والصفحتان تنرفزان اكبر عدد ممكن من الناس..
وعندما شعر عثمان ان قدرته على نرفزة الناس بدأت تتضاءل بادر بطلب التقاعد..
الا ان الطبع يغلب التطبيع.. وها هو يعود الى نرفزة البلاد والعباد عن طريق الانترنت، وموقع سماه "إيلاف"..
والاسم على غير مُسمى..
فالموقع للايقاع، وليس للايلاف..
وعبر هذا التاريخ المجيد كُله لم يستطع احد ان ينرفز عثمان العمير (ولا مرة واحدة).. اذا شتمته الصحف المعادية بادر بشكر رئيس التحرير الشاتم (ونرفزته).. واذا ساله احد، هل تعاني من الغرور؟.. أجاب، بالاضافة الى الكبرياء والغطرسة والعنهجية.. ونرفز السائل..
واذا تساءلت مجلة في مقابلة معه اذا كان يعتقد انه انيق اجاب انه يجزم بانه اكثر الانس والجن اناقة.. ونرفز المجلة السائلة.. واذا تحدثت عن النساء زعم ان توم كروز وشين كوناري وروبرت ريدفورد يعانون غيرة شديدة منه.. وزيادة في نرفزة عباد الله تجد صاحبنا لا يخاطب احدا الا بلقب، مولانا..
بعبارة اخرى، لا يستحق ان يرسخ اسمه ذاكرة "مولانا".. ومن اعجب العجائب واغرب الغرائب انك تجد لهذا النرفيز العديد من المحبين..
ولله في خلقه شؤون.
(مجلة "المجلة" 18 يوليو 2002)

غازي: شواف الشعب عندما يكن زوربا
بقلم عثمان العمير

مولانا
لاأتذكر إن كنت رددت عليك، لان من عاداتك إثارة الضوضاء قبل وبعد الكتابه اذكر انني لم اعلق كثيرا، اذ توقعت مزاحك الذي فقدت، وروحك العالقة بالمرح الطائر، تلك الميزه الي يندر عند غيرك.
لن اكتب عن غازي الشاعر، او الوزير الفاعل، او الكاتب الألمعي، او متمرد المولاة، او رجل الدوله الاثير... تلك صفات تداولها الناس وذهب بها الركبان الي الجهات الأربع، بل عن غازي، الانسان المنطلق على سجيته، بلا تحفظ، العابث في زمانه بلا ملل لقدعلمنا كبيرنا هذا السحر، فصرنا نبالغ في فرد السجايا، والمزايدة في العبث، بينما هو كان يمارس الفوضي الخلاقة، والعبث الخلاق ، والجدية الخلاقه.
ومع ابحارك في المياه الانجليزيه بعمق استثنائي الا ان سخريتهم لأنكر عبر قهوتهم المرة، انك تذكرني بذلك السفير المغربي في لندن إبان العصر اليازبيثي الاول وهو يلبس كامل قفطانه وجلبابه وبلغته( الحذاء) المغربيه، ويأتي ليحضر مسرحيات وليام شيكسبير، انت في لندن وامتدادك الانجليزي عميق، لكن سخريتك غجرية الترحال تثير المرح والبهجة، راوية الأقاصيص بألق الشاعر المرهف، وأتون الفنان في اروع حالاته.
من الصعب اختصار الجانب الساخر البهي من حياتك هنا، وان كان لحسن الحظ مبثوثا بين كتبك "قصصا وشعرا ولدى اصدقائك" وما اكثرهم، وما ألذ حالة الغرور التي تتلبسك، ثم تبادر الي رميها علي الاخرين، وقد خصصتني بجزء لايستهان به من هذه الاتهامات، والحق ان بعضها صحيح، فأنا كما كنت تردد.. مغرور الي حد التواضع.
لكن واحدة من صفاتك المثلي، ومزاياك العليا، ادعاءك الغرور او وصفك بالغرور، ولم لا؟ وانت اسثناء في كل شئ، استثناء الي درجة اعتبار الأسثناء هو القاعده، واحدة من تجلياتك سأرويها احتفلتُ بك وصديقك في الرحلات وزميلك في الوزاره الدكتور ابراهيم العساف وزير الماليه ودعوت جمعاً من الأصدقاء وحرصت علي دعوة صحافيين كي يلتقوا شخصيتين مهمتين من بلادنا، اذكر ان عينيك اللتين لاتخطئان الجمال ركزتا علي صحافية حسناء، وطفقت ناثرا عليهاقصصك ومداعباتك.. كانت آخر ليله رأيتك فيها قبل ان تهبط عليك ساحرات ماكبث لتخطفك من هذه الحياة.. سمعت حوارك معها عن كتابك الاخير آنذاك (الجنيه). احسست انها تجاملك فلغتها العربيه ضعيفه، تدخلت سائلا مع شئ من ادعاء الغيره
هل تعرفين معنى الجنّيه؟
قالت: "نعم" وماذاتعني قارئة الفنجان؟
حبكت النكته معي، وحسبت انني اسدد تصويبة ماهرة في مرماك، فأجبتها: لها عدة اسماء، في المغرب مثلا يسمونها الشوافه، آه انه شواف الدوله عندنا! سألتني ماذاتعني الشوافه؟ أجبتك.. تعني الساحرة.. رديت بسرعة بالغه وبكل ماتملك من قوة التسديد وروحية المرح والفكاهة، مع الرمزية المعمقه..
لا.. لا. قل لها "أنا شواف الشعب" !
نم قريرا فاتح العينين والناظرين فما انت بمغمض، انما نحن جوقة من المغمضين
ياشوافنا. بل ياشواف الشعب
ولانامت أعين الغارقين في محيطات الجهالات، حيث حاولت إنقاذهم منها.
(لندن 16 اغسطس 2011)