قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد سلمان العبودي

العالم العربي في حالة ثوران وغليان غير معهودة. فحيثما التفت تجد الأرض تهتز تحت أقدام سكانها. وهذه فيما يبدو مؤشرات لزلازل أكثر أهمية قادمة لا محالة.

لقد تعب الكتاب والمفكرون والصحفيون وأصحاب الأقلام النظيفة والنزيهة من العويل والصراخ والتحذير المستمر منذ عقود طويلة من احتمال حدوث تلك الهزات إن لم تتخذ الحكومات العربية إجراءات تمتص غضب الشارع. غير أن أحدا لم يفكر في عواقب إهمال الشارع العربي وظل الاهتمام منصبا على كيفية الاحتفاظ بكرسي الحكم لأطول فترة ممكنة وكأن الحياة ستدوم لهم إلى ما لا نهاية.

أول تلك الهزات الكبيرة ضربت جنوب السودان. فها هم الجنوبيون يقررون مصيرهم وانفصالهم عن السودان الأم. ورغم الروح المعنوية العالية التي أظهرها النظام السوداني في تقبل هذا الانفصال إلا أن هناك مرارة لا تحتمل لدى الجميع بل وجميع العرب والمسلمين أن يقطع من مملكة العرب والمسلمين مساحة بهذا الحجم وبتلك البساطة دون أن يحرك أحدا ساكنا. وهذا الانفصال لم يأت من مجرد فراغ. فالجنوبيون كانوا يحاربون منذ عقود طويلة في سبيل استقلالهم عن السودان الأم. لكن السؤال: لماذا أراد هؤلاء الاستقلال؟ وما هي أهدافهم؟ ومن يقف وراءهم؟

الإجابات متعددة. غير أنه رغم كل التبريرات التي يمكن أن تقدم لمثل هذه الخطوة، إلا أن هناك تقصيرا ما حدث. وكان بالإمكان تلافيه. الحل: كان بإمكان الانتخابات الحرة أن تمنع مثل هذا الانفصال فيما لو وجد الجنوبيون أنهم قد منحوا دورا مهما في بناء السودان. غير أنه من المتأكد أن حال الجنوبيين سيتغير بعد اليوم. وأنهم دخلوا مرحلة تحد جديدة: بناء دولة. وليس من المستبعد أن تساهم الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا في بناء هذه الدولة التي يراد لها أن تكون دولة نموذجية على نمط الغرب وذلك بهدف تشجيع دويلات انفصالية أخرى في العالم العربي على المضي في نفس الطريق، بهدف تمزيق العالم العربي إلى ألف قطعة.

إن ما حدث في السودان يجب أن لا يمر علينا مرور الكرام. فهي مسألة خطيرة إلى أبعد الحدود. ليس فقط في مسألة الانفصال في حد ذاتها وإنما في التغيرات التي بدأت تهز العالم العربي.

الهزة الثانية التي لا تقل عنها أهمية، هي تلك التي ما زالت تضرب في أنحاء متفرقة من تونس. وهي بدأت ولن تنتهي بسلام. فعندما يضع المواطنون أرواحهم في راحاتهم ويقدمونها في سبيل قضية يدافعون عنها، فهذا يعني أن الأمر خرج عن السيطرة، ولا يمكن إيقافه بالقوة. وإن تغيير الحكومة أو إزالة وزير من هنا وتنصيب آخر من مكانه، لا يحل المشكلة. هناك مطالب يجب أن تحقق، وهناك نظام يجب أن يوضع وهناك حاجات يجب أن تلبى. الجوع هو محرك الشعوب. ولكنه ليس السبب المباشر. فالشعوب العربية تعاني من اختناق مزمن وتعاني أيضا من وجود هواء ملوث يحيط بها ولكنها مرغمة على قبوله صامتة. وعندما يغرق الإنسان لا يهمه أن يغرق معه حتى من يحاول إنقاذه. الشعب التونسي ليس حالة منفردة. بل هو نتيجة لتراكمات سابقة وتكرار لما سيحدث من زلازل مشابهة في بلدان عربية أخرى بعدها. لذا قامت بعض الدول العربية بإعادة حساباتها لتفادي مثل هذه الزلازل. وظنت أن سعر الخبز هو السبب. الحقيقة أننا نخفي اذاننا (وليس رؤوسنا) في الرمال. إننا لا نريد أن نسمع في حين أننا نرى ونشاهد ونقرأ ونشم رائحة الحريق ونلمس النار. إن زلزال تونس سيضرب مدن أخرى وسوف يخلف ضحايا أكثر. وسوف نرى.

الزلزال الثالث هز بلد الهزات القوية: مصر وبقوة لم تشهدها أرض النيل منذ حرب أكتوبر عام ‬1973. هناك شعور بالإحباط واضح في الأمثلة الثلاثة السابقة. إحباط من تسليط الإعلام الموجه الضوء على المنجزات الباهتة وإغفال معاناة الفرد الحقيقية. ماذا تريد الشعوب؟ الخبز والملبس؟ كلا. فالإنسان العربي يستطيع أن يحول أغصان الشجر إلى طعام وأن يصنع من أوراقها ما يواري به عورته. إن ما ينقص الإنسان العربي الجائع والعاري هو الكرامة في الحصول على الخبز وعلى الملبس.

إن الشارع العربي يتحدث ولا أحد يسمعه. ينتقد، ولا أحد يأخذ انتقاده محمل الجد، ويتهم بالدلال والغنج والرفاهية وبلزوم ما لا يلزم. إن الإنسان العربي لا يطالب بتغيير الوزراء ولكن بتحديث النظام. ولا يطالب بخفض سعر الخبز، ولكن بالحصول عليه بشكل شريف. هناك فساد صارخ في كل مكان. وهناك عدالة لا تقوم بواجبها على أحسن وجه. وهناك اهتمام بتكريس الذات قبل فوات الأوان. هناك أمية طاغية في الوطن العربي. هناك سيطرة خارجية على مقدرات الشعوب العربية. هناك غزو ثقافي أجنبي إباحي هابط بدأ ينخر في الثقافة والحضارة العربية. وأنا أكتب هذه السطور وصلني على هاتفي المتحرك نص خبر عاجل بثته إذاعة فرنسا (راديو فرانس) مفاده أن: (الرئيس زين العابدين بن علي يعلن خفض أسعار الخبز والحليب والسكر، ويلمح إلى أنه سيترك السلطة عام ‬2014). وحتى حلول عام ‬2014 laquo;يصير خيرraquo; كما يقول العرب. فالذين قضوا خلال الأيام الماضية عدد ليس بيسير. ولا يحتاج إلى طول تفكير ومراجعة تمتد إلى ‬3 سنوات!

لبنان لها حصتها في الهزات الأرضية. وهذه الهزة على غير هزات السودان ومصر وتونس، جاءت هذه المرة من القمة وليس من القاعدة. فكل شيء في لبنان يجري بالعكس. فمحكمتهم لا قيمة لها ولا مصداقية. فبحثوا عن محكمة غربية لتحقق في اغتيال سياسي داخلي. والدول الخارجية هي التي ترسم لها قراراتها وتوجهاتها الداخلية. ونحمد الله أن رئيس الوزراء كان في الولايات المتحدة عندما حدثت هزة استقالة الوزراء وجعلت لبنان ينام ويصحو منذ عدة أيام بلا رئيس حكومة ولا وزراء! ولا نعرف كيف تسير الأمور هناك.

هل هناك زلازل أخرى لم نذكرها؟ بلى: اليمن. فاليمن بلد الجبال الشامخة. وطبيعة الجبال أن تتحول إلى مراكز إما للزلازل أو للبراكين أو الانهيارات. على كل رئيس وحاكم ومسئول أن يفهم بأن الشعوب كالجبال. صمتها لا يعني أنها لن تتحرك في لحظة غير واردة في الحسبان.