قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد العزيز المقالح

كالمعتاد، أصدر العلماء الأفاضل في الوطن العربي بيانهم بشأن تحريم انفصال جنوب السودان عن شماله، وهو البيان الذي جاء متأخراً وبعد فوات الأوان . وكأنهم رعاهم الله كانوا خارج الوطن العربي والإسلامي، ولم يعلموا بما حدث إلا عندما شاهدوا طوابير من المستفتيين تقف أمام صناديق الاستفتاء المصنوعة في الولايات المتحدة، وبعد أن وقع الفأس في الرأس، علماً بأن الأصوات المشبوهة الداعية إلى تفتيت المفتت من الوطن العربي، قد انطلقت منذ سنوات تحت مظلتي حقوق الإنسان وتقرير المصير، في أقطار مواطنوها يتمتعون، وفقاً لمبدأ المواطنة بحقوق متساوية ومصير مشترك عبر التاريخ، وفي إطار اللغة والمصلحة المشتركة، وإن تلاعب بها بعض الحكام، وتضررت جراء ذلك التلاعب كل المكونات من دون تمييز، أو انحياز لفئة دون أخرى .

وقد كان على العلماء الأفاضل، وعلى جميع العرب أن يدركوا منذ وقت بعيد أن مشكلة انفصال جنوب السودان لا تخص النظام السوداني وحده، وإنما تخص كل الأقطار العربية، لما سوف يتركه هذا الانفصال من تداعيات كارثية، ومن تدخلات دولية باسم الدفاع عن الأقليات مصر اليوم نموذجاً من خلال الحديث عن الأقلية القبطية لا خدمة لهذه الأقليات، أو إنصافاً لها بقدر ما هو رغبة في تحقيق هدف استراتيجي معروف ومشهور، يتعلق بتفتيت الأقطار العربية المفتتة أصلاً عن كيانها القومي الكبير، إلى دويلات يقل حضورها العددي، وفعلها الواقعي عن الكيان الصهيوني الذي لا يزيد تعداده عن أربعة ملايين، والذي يراد له أن يكون نموذجاً مستقبلياً للأنظمة الكرتونية، التي يراد إنشاؤها في المنطقة، ووضعها جميعاً في حالة من الخوف والقلق من جيرانها، الذين سيكونون بدورهم في خوف منها، وحينئذ يكون الجميع بحاجة إلى حارس دولي، وليس هناك أفضل من الولايات المتحدة ومن عصاها الغليظة في المنطقة .

ولا يكاد يدري أحد أي تقرير مصير الذي يراد له أن يتم في جنوب السودان، في ظل دولة مصطنعة ومرتبطة بالبيت الأبيض، وتحت رعاية الفاتيكان مع أن عدد المسيحيين في جنوب السودان ووفق إحصائية دقيقة، لا يزيد عن ربع سكانه . في حين أن المسلمين يفوقونهم عدداً، إذ يشكلون ثلث سكان الجنوب، والبقية من الوثنيين وأتباع ديانات وضعية أخرى . إن في هذا الذي حدث، وما تعمل الولايات المتحدة على إخراجه بتواطؤ مع الأنظمة ذات الصلة، لم يكن تعبيراً عن مصلحة كل الجنوبيين أو أغلبيتهم، ولا يحقق الهدف الذي يتحدثون عنه تحت لافتة حقوق الإنسان، فأين هي حقوق المسلمين في الجنوب المسيحي الجديد؟ وأين هي حقوق بقية الأقليات التي لا تنتمي إلى الأقلية المسيحية الحاكمة؟ وهل لا يزال في مقدور الأمة العربية والعالم الإسلامي المطالبة بتصحيح الخطأ، قبل أن يتم ترتيب أوضاع الدولة أو بالأصح الدويلة الجديدة؟

لقد كانت العقود الأخيرة، ومنذ اتفاقيات ldquo;كامب ديفيدrdquo; المشؤومة، وما جرته على الأمة من كوارث وويلات، عقود تفريط بالقيم الجوهرية، وبداية لتخبط مزرٍ على الصعيد السياسي، وما رافقه من عدم استقرار ومن انكسارات موجعة . ولعل ما يؤلم أكثر أن الصورة لا تزال تبدو للقيادات العربية غير واضحة، ولا يزال التخبط بادياً في المواقف الثنائية القائمة على الخوف والحذر، لا على التضامن ووحدة الصف . وإذا كان العلماء قد قالوا كلمتهم، وإن جاءت متأخرة جداً، فإن في إمكانهم أن يقولوا الكثير ويعملوا الأكثر من أجل الحفاظ على ما تبقى من مشاعر وحدوية ووطنية داخل الأقطار نفسها، وفيما بينها قبل أن تتفكك السلسلة، ويجد العرب أنفسهم بعد أن أصبحوا 22 دولة أكثر من خمسين أو ستين دولة .