محمد خليفة

في هذه الحقبة من تاريخ الإنسان، التي تقوم على القيادة والانقياد والقابلية للطاعة العمياء التي كانت سبباً للكثير من الشرور والمظالم التي عانت منها البشرية ماضياً وحاضراً بحكم الطبيعة غير المنضبطة بالقانون الذي وضعه لها الله عز وجل، أي الخروج عن كل نظام وانتظام والقفز فوق مراحل الزمان في مفازات الخوف والخطيئة .

إنها خطيئة عالم نخرته الفلسفة المادية الدغماتية المتطرفة المتمثلة في الأبحاث التدميرية في مختلف الأسلحة النووية ومنها صناعة الأقمار الصناعية المزودة بأشعة الليزر ذات الفاعلية الشعاعية الجيمية، التي تحمل قنابل هيديوجينية تعادل قوتها ما يحدث في الشمس من انصهار نووي، وذلك حين يتحول الهيدروجين إلى هيليوم . بسبب فلسفة الفوضوية العلمية التي بلغت تلك الذروة في الحسية من دون أطر عقلية عمياء، وبهذا الهوس باللامتشكل في أشكال صارمة ومجردة من كل معاني الإنسانية ومفاهيمها، في عالم رهيب ركب الجنون سياسته ووجّه اللامعقول قادته، ليجعل مصير الكوكب الفناء والرعب بُغية عسكرة الفضاء والسيطرة عليه، بعد أن ضاقت الأرض وانطمرت بغبار هذه الأسلحة .

وإذا كانت الكلمة دائماً تعبيراً أو تجسيداً لهذا الأسى، فقد يأرز الأمن العالمي عن حقائق مرعبة تتشكل عن أجهزة تفجير صواريخ الفضاء المزوّدة بأشعة الليزر . وقد تبنت الإدارة الأمريكية منهاجاً لسياسة وطنية في أمور الفضاء تصر فيه على حقها في إدارة ldquo;التحكم في الفضاءrdquo; وترفض ldquo;مساعي كيانات شرعية حديثة أو مقيدات أخرى هدفها منع أو تحديد حرية الولايات المتحدة الأمريكية في الوصول إلى الفضاء أو في استعمالهrdquo; . ومن جانبه هدّد وزير الدفاع الروسي باتخاذ خطوات انتقامية إذا أقدمت أي دولة على وضع أسلحة في الفضاء الخارجي، وقال إن موسكو لن تتفاوض حول الحدّ من الأسلحة النووية التكتيكية مع الدول التي تسعى لنشرها في الفضاء . ولا شك أن المقصود بهذا الكلام هي الولايات المتحدة التي لا تزال تسعى إلى تحقيق سيطرتها الكاملة على الفضاء .

وكان الصراع الهائل الذي نشأ بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، قد دفع كلاً من الدولتين إلى السعي بكل جهد للتفوّق على الدولة الأخرى . وكان السوفييت قد نجحوا في إرسال أول قمر صناعي إلى الفضاء عام 1957 . وما لبثت الولايات المتحدة أن أرسلت هي الأخرى قمراً صناعياً خاصاً بها إلى الفضاء أيضاً عام 1961 . وبدأ السباق بين القطبين لامتلاك الفضاء، لأن من يملك الفضاء يملك الأرض . وبدأ التفكير في كلا الدولتين بوضع أسلحة في الفضاء لاستخدامها في ضرب أهداف على الأرض، وكانت الولايات المتحدة سبّاقة في هذا الموضوع، فقد اتجهت عقيدتها العسكرية منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي على أساس تطوير أسلحة حرب الفضاء في الجانب الدفاعي، وتطوير أسلحة نووية تكتيكية وأسلحة تقليدية ذكية . وأصبحت أسلحة حرب الفضاء أهم مجالات تطوير تكنولوجيا التسليح الأمريكي، وتعددت مجالات استخدام الأقمار الصناعية، فلم تعد وسائل رئيسة للاستطلاع الاستراتيجي والسيطرة على الأهداف المعادية، بل أصبحت أنسب وسيلة لإطلاق أشعة الليزر ضد الأهداف المعادية . ذلك أن أشعة الليزر هي أشعة من الضوء المركّز ذات طاقة عالية، ويتم توجيهها بشكل مركّز لإحداث ثقب في جسم الصاروخ أو الهدف المعادي لتفجير المحرك أو إعطاب نظام التوجيه أو أجهزة التفجير في الرأس الحربي للصاروخ العابرات للقارات أو للصاروخ متوسط المدى، وأشعة الليزر بأنواعها هي أهم أنواع أسلحة الفضاء . وكذلك وضع منظومات صواريخ مضادة للصواريخ .

وكان الاتحاد السوفييتي قد اتجه هو الآخر للانطلاق لعسكرة الفضاء . فأطلق أقماراً صناعية مزوّدة بأشعة الليزر، وبنى محطات فضائية لاستخدامها منصّات لإطلاق صواريخ عابرة للقارات، واتفق السوفييت والأمريكيون على استبعاد استخدام الرؤوس النووية لتدمير الأقمار الصناعية أو القذائف المعادية في الفضاء، تجنباً لتأثيرات النبضات الإلكترومغناطيسية على الأقمار الصناعية المخصصة للاتصالات، وعلى المحطات الفضائية الصديقة والمعادية والمخصصة للأبحاث العلمية . كما اتجه الجانبان إلى استخدام الطاقة الموجهة وأسلحة الحركة لتدمير الأقمار الصناعية والصواريخ البالستية معاً بالإحراق أو تدمير أجهزة التوجّه أو الرؤوس الحربية . وقد جهّز السوفييت والأمريكيون أيضاً المحطات الفضائية المزوّدة بأسلحة أشعة الليزر لتدمير الصواريخ المعادية في مرحلة الإطلاق .

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام ،1991 ورثت روسيا التركة السوفييتية ومنها برامج الفضاء، لكن الضائقة الاقتصادية التي مرّت بها أثناء انتقالها من الاقتصاد المغلق إلى اقتصاد السوق المفتوح في فترة التسعينات من القرن الماضي، دفعتها إلى التوقف عن إكمال برامج الفضاء، فيما تابعت فيه الولايات المتحدة خططها الرامية لإكمال بناء منظومة تسلحية في الفضاء . وعندما ظهرت الحرب الأمريكية ضد ما يسمى الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر عام ،2001 واتجهت الولايات المتحدة إلى إخضاع دول العالم الثالث المعادية لها، عمدت إدارة الرئيس بوش إلى مراجعة عقيدة السياسة الفضائية الأمريكية، وذلك بالاتجاه لتزويد الأقمار الصناعية الأمريكية بصواريخ نووية، وادعت الولايات المتحدة أن الهدف من وراء هذه الخطوة هو توفير الحماية للأقمار الصناعية الأمريكية أمام ظهور تهديدات جديدة . واعتبرت روسيا هذا التصرف الأمريكي بمثابة خرق للاتفاق السابق بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة والقاضي بعدم تزويد الأقمار الصناعية بصواريخ نووية .

لكن الولايات المتحدة التي تدرك أنها الدولة الأقوى في العالم سوف لن تردّ على كلام روسيا، وسوف تمضي بخطتها لتزويد أقمارها الصناعية برؤوس نووية لا خوفاً من تدمير هذه الأقمار من قبل الدول المعادية ، بل من أجل ضرب الأهداف في الدول المعادية لها، خاصة أن القمر الصناعي يستطيع أن يسبح في الفضاء حيث يشاء، ويستطيع أن يضرب في الدولة والموقع الذي يشاء . وإزاء ذلك لا يبقى أمام روسيا سوى تزويد أقمارها الصناعية برؤوس نووية والدخول في سباق تسلّح جديد لا قِبل لها به مع الولايات المتحدة، أو الرضوخ للتفوّق الأمريكي، وسوف تختار روسيا الحل الثاني .

سؤال رهيب لم يكن في وسع كل من هؤلاء المتشائمين إلا أن يضعوا أنفسهم في تلهف مغيظ، ويأس مضطرب، وحيرة رجراجة . ولو كانوا منطقيين مع موقفهم الأخلاقي لما صنعوا هذه الأسلحة المدمرة الفتّاكة . وفي هذا يناقضون أنفسهم حتى استتروا بهذه الأفعال في ظلمات الإرادة الكلية، محتجبين عن الإرادة الإنسانية .

[email protected]