علا عباس

الاستياء السعودي إزاء السياسة الأميركية ليس وليد اللحظة، فالمملكة أعلنت مرارا عن عدم رضاها عن الميوعة الأميركية إزاء الملف الفلسطيني، وعدم ممارستها ضغوطا على إسرائيل لإيجاد اتفاق سلام عادل

&
فقد باراك أوباما هيبته كليا منذ أن تجاوز نظام الأسد المدعوم من إيران الخطوط الحمر في سورية، ولم تهزل السياسة الأميركية بهذا الشكل منذ إطلاق الحلم الإسرائيلي الأميركي على جثث الهنود الحمر السكان الأصليين للقارة.
السياسة الأميركية التي باركت حدود سايكس بيكو في المنطقة العربية لصالح تحقيق وعد بلفور في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لم تتعامل مع العرب يوما إلا كمستعمرات بدائية رديفة للمستعمرة الأميركية، حبلى بالمواد الخام والثروات الطبيعية والعصبيات الضيقة الجاهزة للاستثمار لصالح دعم ميزانية البيت الأبيض، في المقابل وبعيدا عن نظرية المؤامرة يبدو البيت العربي غارقا في جهله وخصوماته، جاهزا للاستثمار في مشاريع الدول الكبرى، مولما للغرب موائد شهية لا يمكن تجاهلها في العرف السياسي.


الكرم والشجاعة العربيان خصلتان عميقتان في أدبياتنا التاريخية، إلا أن إكرام اللئيم يتمخض حتما عن الخيبة، وفي الأدبيات السياسية لا مكان لبطولات عنترة بن شداد ولا لمآثر حاتم الطائي، البراغماتية وحدها متاحة كي لا نضطر لذبح الحصان وطبخ الحجارة لشعوبنا وضيوفنا.


عندما ارتبك أوباما جراء الموقف السعودي الذكي في قمة كامب ديفيد الأخيرة كان محقا، فالمعادلة لم تعد نفسها، والكريم حاتم الطائي لم يعد مستعدا لخوض معترك السياسة وفق الشفهيات الشعرية، لا سيما حين يكون الضيف مراوغا كأوباما، وحين تكون المنطقة على شفير الهاوية كما هي اليوم: اللعبة بدأت والأوراق الأقوى بحوزة اللاعب العربي إن أتقن اللعب.


الاستياء السعودي إزاء السياسة الأميركية ليس وليد اللحظة، فالمملكة أعلنت مرارا عن عدم رضاها عن الميوعة الأميركية إزاء الملف الفلسطيني، وعدم ممارستها ضغوطا حقيقية على إسرائيل لإيجاد اتفاق سلام عادل وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وقد زاد هذا الاستياء إثر الإدارة الأميركية السيئة للحرب في العراق، ثم لاحقا لمفرزات الربيع العربي و"النكسة الديمقراطية" التي زعزعت الاستقرار في المنطقة.


في الملف السوري نكثت واشنطن بالتزاماتها وتراجعت عن خطوطها الحمراء، إثر قيام نظام بشار الأسد بمجزرة الكيماوي الشهيرة في الغوطة، وباتت أكثر ميلا لإبقاء الأخير في الحكم بحجة مكافحة الإرهاب، متجاهلة كل تصريحاتها السابقة وكم الجرائم الهائل الذي ارتكبه، وأيضا سياسة أوباما المزدوجة مع إيران أثارت سخط وريبة المملكة منذ البداية لأن أي اتفاق بشأن الطاقة النووية هو وسيلة لتعزيز نفوذ إيران في العالم العربي.
الرياض وعت دائما للميكافيلية الأميركية وأيضا للتهديد الذي تشكله إيران على أمنها ومصالحها وحرصها الراهن على تعزيز ترسانتها العسكرية ضرورة مصيرية، فإيران الطامعة في التوسع والسيطرة الفارسية متفوقة عسكريا وتكنولوجيا ولديها أذرع عسكرية منتشرة على امتداد المنطقة من الحرس الثوري الإيراني إلى الميليشيات المرعية إيرانيا والمقاتلة في العراق وسورية واليمن ولبنان، وهي دون أدنى شك خصم قوي.


يضاف إلى ذلك التحدي المصيري التي تخوضه المملكة ضد الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 والذي غذته إيران عبر دعمها وخلقها لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وأيضا العنف الممنهج ضد المعارضة السورية، ويكفي أن أذكر لكم هنا ونقلا عن مصادر موثوقة أن مشافي طهران تداوي في الوقت نفسه جرحى الميليشيات الإيرانية وجرحى تنظيم الدولة.


ماذا بعد؟ هل ستضحي أميركا بمصالحها مع السعودية؟ كلنا يعلم أن الولايات المتحدة تسعى إلى الاكتفاء النفطي الذاتي إلا أن الخليج يبقى منطقة استراتيجية حساسة لا يمكن التخلي عنها لصالح تحالفات خليجية مع قوى جديدة تهدد المصالح الأميركية مثل روسيا أو الصين، والمملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكن أن تؤثر في الأسعار من خلال حجم إنتاج النفط والمنتجات البديلة التي تسمح بخفض أو زيادة صادراتها بسرعة قياسية، إلا أن كل هذه المعطيات ليست مطمئنة لأن باراك أوباما يعمل على جعل الاتفاق مع إيران اتفاقا لا رجعة عنه رغم معارضة الجمهوريين والكونغرس.


كتب أحد المعلقين السياسيين الغربيين أن باراك أوباما يتصرف كمحلل سياسي، لا كزعيم للعالم الحر.


وأنا أقول إن الملك سلمان يتصرف كزعيم عربي لا كمحلل سياسي.. فحذار يا حاتم الطائي من الكرم مع لئام السياسة.
&