قانون بنك المغرب الجديد، من باب ملئ النصف الفارغ من الكأس

نوفل الناصري

 شهدت السنوات الأخيرة نجاح بعض البنوك المركزية في الحصول على مزيد من الاستقلالية وتدقيق العلاقة التي تربطها بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وذلك من خلال تعديل قوانينها بحيث تقلص دور الحكومة في إقرار السياسة النقدية وتعزز بالتالي دور البنك المركزي في المحافظة على الاستقرار المالي وفي تحفيز التنمية الاقتصادية. وتعتبر استقلالية البنوك المركزية ضمانة تكفل لهذا الاخير القيام بوظائفه بكفاءة أكبر وليس غاية في حد ذاتها، فالبنك المركزي لا يستطيع أن يشتغل في جزيرة منعزلة عن الاقتصاد الوطني وعن أدوات السياسة الماكرو-اقتصادية، وعن التحولات المجتمعية الداخلية، وبالتالي لا ينبغي فهم أو تكريس معطى استقلاليته كقطيعة بينه وبين نسيج الدولة التي ينتمى إليها، بل ينبغي عليه ضرورة الانخراط في السياسة التنموية التي تحددها الحكومة بحكم مسؤوليتها السياسية. وحسب المعايير الدولية المعمول بها في هذا المجال، فإن مبدأ الاستقلالية هو وسيلة احترازية تساعد البنوك المركزية على تدبير السياسة النقدية وأدوات السياسة النقدية من الالف إلى الياء بدون تدخل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في أعماله.

السيـــــــــاق

يعتبر بنك المغرب مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، تم إنشاءه بمقتضى الظهير الشريف رقم 233-59-1 المؤرخ في 23 ذي الحجة 1378 (30 يونيو 1959). وقد عرف القانون الاساسي للبنك المركزي عدة تطورات شملت المحيط القانوني والمؤسساتي والتي يمكن اعتبارها امتدادا للإصلاحات التي عرفها النظام المالي المغربي والتي تهدف إلى تقويته وتعزيز دوره في التنمية الاقتصادية، كان آخرها مصادقة مجلس النواب في جلسة عمومية يوم الثلاثاء 03 يوليوز 2018، على مشروع قانون رقم 40.17 يتعلق بالقانون الأساسي الجديد لبنك المغرب.

التـطورات التي عرفها القانون الاساسي لبنك المغرب

بعدما استرجع المغرب سيادته في الميدان النقدي سنة 1959، قام بإحداث معهد إصدار وطني يحمل اسم "بنك المغرب" ليحل محل البنك المخزني المغربي آنذاك، وذلك برأسمال يبلغ 900 مليون درهم اكتتب بكامله من طرف الدولة؛ كما تم إحداث الدرهم كوحدة نقدية جديدة في أكتوبر من نفس السنة. وفي 1993 أدخلت تغييرات على القانون الأساسي لبنك المغرب، تستهدف بالخصوص توضيح المهام المنوطة بهذه المؤسسة، خصوصا الشق المتعلق بالسياسة النقدية وإعطاء المزيد من الاستقلالية للأجهزة المكلفة بالإدارة والتسيير. وفي سنة 2006 عرف بنك المغرب وضعا جديدا تضمنه القانون 76-03، والذي يهدف رسميا إلى تعزيز استقلالية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية.

وفي أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2007 والركود الذي تلاها، وبعد اعتماد المغرب لدستور 2011، وإقرار الإصلاح الاخير لقانون مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها؛ ومن أجل الرقي بقانون بنك المغرب الى مرتبة مطابقة لأفضل المعايير المعمول بها دوليا، كان من الضروري العمل على مراجعة القانون الاساسي لبنك المغرب، وتحديد واضح للعلاقة التي ينبغي أن تربط بين البنك المركزي وبين مجلس النواب.

المهام الحالية لبنك المغرب والخطوط العريضة التي جاء بها القانون الأساسي الجديد لبنك المغرب رقم 17-40.

يمكن تلخيص المهام والاختصاصات الحالية لبنك المغرب في 6 نقط أساسية، وهي: (1) إصدار الأوراق البنكية والقطع النقدية الرائجة قانونا في المملكة المغربية، (2) تطبيق أدوات السياسة النقدية قصد تحقيق استقرار الأسعار، (3) السهر على حسن سير السوق النقدية وتولي مراقبتها، (4) تدبير الاحتياطات العمومية للصرف، (5) التحقق من حسن سير النظام البنكي، (6) السهر على مراقبة وسلامة وسائل الأداء.

ينص القانون رقم 17-40 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب، والذي تضمن 80 مادة موزعة على 10 أبواب، خمسة خطوط عريضة تتمثل في:

(1) إعطاء البنك استقلالية كاملة بتخويله صلاحيات من أجل تحديد هدف استقرار الاسعار الذي أصبح هدفه الرئيسي وتمكينه من نهج السياسة النقدية بكل استقلالية؛ وقد جاء هذا المشروع بأحكام جديدة تمكن من التشاور المنتظم بين الوزير المكلف بالمالية ووالي بنك المغرب من أجل ضمان انسجام السياسة النقدية مع الأدوات الأخرى المتعلقة بالسياسة الماكرو اقتصادية؛

(2) وكذا توسيع مهامه لتشمل مساهمته في الوقاية من المخاطر الشمولية وتعزيز الاستقلال المالي، ومن أجل القيام بهذه المهمة الجديدة، ينص هذا القانون على أحكام تمكن بنك المغرب من تمثيله في لجنة التنسيق والرقابة على المخاطر الشمولية التي تم إنشاؤها في إطار القانون البنكي الجديد، واقتراح كل إجراء على الحكومة من أجل الحفاظ على الاستقرار المالي؛ مع منح سيولة استعجالية لفائدة مؤسسات الائتمان التي تواجه مشاكل سيولة مؤقتة وكذا تسبيقات، في حالات استثنائية، لصندوقي ضمان الودائع من أجل تمكنهما من تعويض المودعين؛ بالإضافة إلى حيازة مساهمات في مؤسسات الائتمان في إطار إدارة المخاطر الشمولية وحل ألازمات المصرفية.

(3) بالإضافة إلى توضيح صلاحيات البنك في مجال سياسة سعر الصرف وتسهيل تدبير احتياطات الصرف؛ وفي هذا الإطار يوضح هذا القانون على أن بنك المغرب ينفذ سياسة سعر الصرف في إطار نظام الصرف والتوجهات التي تحددهما الحكومة بعد استطلاع رأي البنك. وفي هذا الإطار، يمكن للبنك استخدام احتياطيات الصرف من أجل الدفاع أو المحافظة على قيمة الدرهم في حالة اعتماد نظام صرف أكثر مرونة وذلك بعد التشاور مع السلطة الحكومية المكلفة بالمالية.

(4) تقوية الحكامة الجيدة للبنك عن طريق تعزيز الاستقلالية المؤسساتية والشخصية، وتوسيع صلاحيات مجلس البنك إثر تعزيز مهام هذا الأخير، وذلك بتأسيس لجان جديدة لإدارة وتسيير البنك لاسيما اللجنة النقدية والمالية ولجنة الاستقرار المالي؛

(5) علاوة على، يحث القانون على إضفاء شفافية أكثر على عالقة البنك مع الحكومة، حيث حصر الدور الرقابي لمندوب الحكومة على العمليات المالية فقط وكذا إخضاع توزيع الربح الصافي المتوفر بعد الاقتطاعات اللازمة إلى اتفاق بين البنك والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية.

الاستماع إلى والي بنك المغرب من طرف اللجنة أو اللجان الدائمة المكلفة بالمالية

ولأول مرة، فقد نص مشروع القانون الأساسي لبنك المغرب على أنه يتم الاستماع إلى والي بنك المغرب من طرف اللجنة أو اللجان الدائمة المكلفة بالمالية في البرلمان؛ وهذه خطوة نوعية تنضاف إلى جهود النواب البرلمانيين من أجل تكريس مسار تعزيز السلطة التشريعية في البلاد، وتقوية دور البرلمان في الرقابة وفي تقييم السياسات العمومية، وفي هذا الاطار بلغت التعديلات التي أدخلها مجلس النواب على النص الأولي للمشروع 44 تعديلا شملت 26 مادة من أصل 80 مادة يتكون منها المشروع، وهذه مساهمة فعالة لنواب مجلس النواب في إغناء هذا المشروع الذي جاءت به الحكومة وفي تجويد مضامينه.

من باب ملئ النصف الفارغ من الكأس

أعتقد أنه لا ينبغي حصر دور البنك المركزي في التحكم في نسبة التضخم، والحفاظ على استقرار الأسعار فقط، بل يجب أن يتعداه ليشمل المساهمة في تيسير تمويل الاقتصاد الوطني وتشجيع التشغيل وتحقيق التنمية، بالإضافة إلى اقتراح تمويل الشركات والمقاولات والمؤسسات التجارية وفرض تنافسية حقيقية في سعر الفائدة.

ورغم تحفظي على فتح المجال وعدم تقنين استعمال العملات الافتراضية ك "البتكوين" وما شابهها، إلا أنها أصبحت واقعا وحقيقة تمثل ثورة تكنولوجية ومالية مستقبلية وجب تهيئ الاطار القانوني والمؤسساتي لاستيعابها، أو على الاقل ابتكار وسائل مالية ورقابية من أجل ضبط استعمالها والتحكم في مسارها، لا أن يتم حصر الامر في إصدار الأوراق و النقود والقطع المعدنية فقط.

الأكيد أنه يصعب تحقيق استقلالية مطلقة، لهذا لا ينبغي لبنك المغرب أن يخضع لتضارب المصالح لكي لا يتأثر بتوجه ما وبمسار ما في اتخاذ قراراته.