أثارت إدعاءات مكارثي الهلع في قلوب الكثيرين، وانتشرت المخاوف على أوسع نطاق، خاصة بعد أن تشكلت لجنة فرعية في الكونغرس للتحقيق مع من وردت أسماؤهم في «قوائم مكارثي»، وعقدت جلسات استماع حظيت بتغطية إعلامية واسعة، وتم استدعاء عدد كبير من المسؤولين، من مدنيين وعسكريين، وفنانين وكتاب وتم اتهامهم بالخيانة، وتم سجنهم أو طردهم من أعمالهم، وكانت بعض تلك الاتهامات بلا أساس، وكانت الجلسات تشبه أحيانا، في صخبها واثارتها، أعمال السيرك، خاصة بعد أن أخرج فيها السيناتور خلافاته الشخصية، مع المتهمين، إلى السطح، بهدف قمعهم نهائيا، فدفع الكثير من الأبرياء ثمنا لمواقفه.
كانت نتائج المكارثية كارثية، فقد الكثيرون، خاصة من المسؤولين الكبار، وظائفهم، وأدرجت أسماؤهم في القوائم السوداء، وشوهت سمعتهم. كما دفعت هوليوود والصناعة الأدبية والثقافية والصحافة ثمنا غاليا، بسبب اتهاماته، حيث منع أكثر من 300 ممثل وكاتب ومخرج وغيرهم، من المشتبه في وجود صلات لهم بالشيوعية، من العمل. ومن الأمثلة البارزة «عشرة هوليوود»، الذين سُجنوا لرفضهم الإدلاء بشهادتهم، إضافة لشخصيات عالمية مثل تشارلي شابلن، الذي صدر قرار بنفيه للخارج، ودالتون ترومبو، وأورسون ويلز، ولينا هورن، ودوروثي باركر. كما فقد مئات من معلمي المدارس وأساتذة الجامعة وظائفهم لرفضهم التعاون مع التحقيقات أو بسبب اتهامات مزعومة بالشيوعية. كما شملت القوائم السوداء قادة العمال، وتضمنت حتى أسماء علماء، «مثل أوبنهايمر»، العالم ومدير برنامج «مانهاتن»، لصنع أول قنبلة نووية.
من أخطر ما نتج عن تلك الفترة، التي نالت، بالرغم من ذلك استحسان الكثيرين، ما تسببت به من ضرر نفسي وثقافي بالغ، حيث تحطمت نفوس كثيرة بسبب المشاعر الشديدة السلبية التي اكتنفت قلوبهم، خوفا من الاتهام بالشيوعية أو الارتباط بجهات أجنبية، وكانت تجربة قاسية تركت أضراراً كبيرة على أمريكا، لكنها في الوقت نفسه أصبحت «درساً تحذيرياً» مهمّاً عن حدود السلطة السياسية وخطورة الهستيريا الأيديولوجية، كما انتشر مناخ من الشكّ والاتهام، ما أضعف النقاش الديموقراطي وأصاب الحياة الثقافية بشلل جزئي، فما الذي تعلّمته أمريكا من التجربة؟
بينت التجربة التي حدثت في امريكا أن الحريات الدستورية يمكن أن تتآكل بسرعة تحت ضغط الخوف من عدو، وأن مجرد وجود دستور لا يكفي بلا ثقافة سياسية تحميه. كما بينت أهمية الفصل بين الأمن والاستخدام السياسي الخاطئ، حيث تبين كيف يمكن استغلال قضايا الأمن القومي لأغراض شعبوية وشخصية، فصارت لاحقاً مثالاً يُستشهد به للتحذير من «سوء استخدام» أجهزة في الدولة ضد الخصوم السياسيين.
ومع الوقت أصبح مصطلح المكارثية «McCarthyism» يعني الاتهامات السياسية، بلا دليل. كما اصبح هناك وعي أكبر بقيمة الاختلاف، وأدت النقاشات التي تلت تلك الحقبة، في الجامعات والمحاكم والإعلام، لتعزيز الدفاع عن حرية الفكر، وأدخلت المكارثية في المناهج كـ«فصل مظلم» يجب عدم تكراره، ما ساهم في تشكيل ثقافة حقوقية أكثر حساسية تجاه الرقابة السياسية.
أحمد الصراف













التعليقات