زيارته الأخيرة لأوروبا كانت تهدف إلى تحسين الصورة
الرئيس مشرف صمام أمن أم مشاكل ؟

عبد الخالق همدرد من باكستان: كانت الزيارة الأخيرة للرئيس الباكستاني الجنرال المتقاعد برويز مشرف إلى بعض دول الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تحسين صورة باكستان لدى الغرب بأنها لا تزال تستطيع خوض المعركة الحاسمة ضد quot; المتطرفين والإرهابيين quot; . وفي حين أن الرئيس انتقد قاضي القضاة المعزول بكل صراحة، بل وقد تم توزيع بيان رسمي يشمل معظمه على اتهامات موجهة إليه، فان الجهة التي كانت تقوم بذلك العمل كانت تثق بأن ذلك الإجراء سيحسن صورة من يقوم به؛ إلا أن الجميع يعرفون أن هذه الاتهامات التي لم يمكن إثباتها أمام المحكمة في نحو خمسة أشهر كيف يمكن لها أن تكون مبرراً بيد الغرب لموافقة رأي الرئيس في عزله وأكثر من 50 قاضيا آخر. كما أن الجميع يعرفون أن تلك البيانات لن تبرر جمع جميع الصلاحيات في شخصية شخص واحد يلعب بمصير البلاد كيفما يشاء.

وفي أثناء تلك الجولة كرر الرئيس أن النظام الديموقراطي الغربي لا يصلح لتطبيقه في باكستان. كما أنه طالب الغرب بعدم الإلحاح على ذلك الطلب مراعاة للأوضاع على الأرض في باكستان. وقد سبق أن طلب الرئيس مشرف من الغرب وقتا لتتماشى باكستان معه؛ لكن هل الغرب سينتظر واقفا لتسايره باكستان؟

ومن أهم ما قال خلال تلك الزيارة أنه سيتخلى عن الحكم إذا شعر بأن الشعب لا يريده يحكم البلاد. وعندما سئل عن كيفية رغبة الشعب قال quot; ذلك أمر موكول إلي وليس له أي آلة أخرىquot;. ومن هذا المنطلق يجب التطرق إلى الحقائق على الأرض عن شعبيته التي لا يزال متمسكا بها.

وإذا كان الشعب منبع قوة لآي رئيس دولة أو حكومة فإن سير الرأي الشعبي ينبغي أن يكون العامل الحاسم في شعبيته وبالتالي في شرعيته لحكم البلاد؛ لكن ما يحدث في باكستان خارج عن جميع هذه الضوابط إذ الضابط الوحيد الذي يدير دفة الحكم هو القوة. فما دامت القوة مع أحد فهو صاحب الشعبية الأول وله حق الحكم ودعس رقاب الآخرين. في حين فقدان القوة لا تعني سوى مغادرة الحكم والتخلي عن الشعبية.

وإذا ننظر إلى ما يجري في باكستان فإن شعبية الرئيس مشرف قد انخفضت إلى درجة لا يختلف اثنان على أنها في الحضيض منذ استيلائه على الحكم ndash; وهو لا يعترف بذلك- فقد أشار استطلاع للمعهد الجمهوري الأمريكي أجري في شهر سبتمبر الماضي إلى أن الرئيس مشرف يحظى بتأييد 23 % من الشعب. وكانت تلك الشعبية قبل أن تبدأ العمليات العسكرية في منطقة سوات وشانكلا. والعمليات المتجددة في وزيرستان الجنوبية التي حصدت أرواح المئات وشردت الآلاف.

وطبعا تلك العمليات زادته انخفاضا في الشعبية؛ لأن الشعب يرى أن ما يسميه الغرب بـ الحرب على الإرهاب ليس سوى قتل المواطنين الباكستانيين لإرضاء الولايات المتحدة. وقد خسرت باكستان من قواتها على أراضيها في محاربة مواطنيها أكثر من جميع الخسائر الأمريكية والغربية في أفغانستان خلال السنوات الستة الماضية.

أضف إلى ذلك أن الأحزاب المعارضة بجميع أطيافها تطالب بتخلي مشرف عن الحكم وفتح المجال أمام القوى السياسية لإدارة البلاد. وهذه المطالبة أصبحت أمرا كاد أن يتفق عليه الجميع. ولعل ذلك ما دفع قادة حزب الرابطة جناح القائد الأعظم الحزب الحاكم السابق بالتزام الصمت حول مواصلة سياسات مشرف بعد الانتخابات في حين كانوا لا يترددون في الدفاع عن تأييده وتأكيد مواصلة سياساته.

ومن المثير جدا أن الصحافة نقلت عن رئيس حكومة إقليم البنجاب شودري برويز إلهي أن حزبه سيطبق الشريعة الإسلامية في البلاد مشيرا إلى أن الإسلام قبل كل شيء ثم يأتي دور باكستان؛ في حين كان مشرف دائما يقول quot; باكستان قبل كل شيءquot; وذلك الحزب يؤيده. وبدون التطرق إلى أسباب تغيير فكر الحزب الحاكم يهمنا أن نشير إلى أن ذلك الأمر يوحي بتخلي ذلك الحزب عن فكرة مشرف؛ ومن هذا المنطلق لا يُسمع لهم قول عن مشرف خلال الحملة الانتخابية.

من جهة أخرى فإن المجتمع المدني والمحامين والإعلام أيضا يطالب بتخليه عن الحكم. ومن المعروف أن المحامين يقاطعون أعمال المحاكم العليا كل يوم الخميس منذ 3 نوفمبر الماضي بعد فرض الطوارئ في البلاد. ولا تزال حركتهم تتقدم إلى الأمام على الرغم من اعتقال وسجن قادتهم.

وفي السياق نفسه قد أشار رئيس الوزراء السابق نواز شريف خلال مقابلة مع قناة خاصة أن 90 % من مشاكل البلاد مرتبطة بالدكتاتورية. وإذا ما ارتحل الدكتاتور فإنها ستنتهي.

والجديد الجدير بالذكر في هذا الصدد أن كبار العلماء وبينهم المفتي العام لباكستان المفتي محمد رفيع العثماني وأربعة وثلاثين من أجلة علماء البلاد دعوا مشرف إلى التنحي عن الحكم في صالح البلاد. كما أنهم أشاروا إلى عدم جواز العمليات الانتحارية إلا في حالات اضطرارية. وبعد صدور ذلك البيان المشترك طلب المفتي منيب الرحمن رئيس هيئة رؤية الهلال الرسمية إلى الرئيس أن يغادر الحكم. وسبق تلك البيانات اجتماع لـ quot; إخوة مشرف في الزيquot; وقد طالبوه بالتنحي عن الحكم تفاديا لتفكيك البلاد؛ لكن الرئيس انتقد الجنرالات القدامى وقال إنهم لا يصلحون لشيء.

ونظرا لما ذُكر يبدو أن مشرف أصبح أم المشاكل في باكستان بعزله نحو 60 قاضيا للمحاكم العليا بجرة قلم وفرضه القيود على الإعلام المقروء والمرئي ونشر القوات المسلحة على الجبهات ضد المواطنين إضافة إلى ارتفاع الغلاء وانعدام الطحين والغاز والكهرباء ... وليس صمام أمن كما يدعي هو.

ويرى محللون أن تصريحات الجنرالات القدامى والعلماء تمثل ضوء أحمر لمشرف؛ لأنها قد تكون مؤشرات من جانب بعض الجهات المتنفذة عن طريق تلك القنوات لإقناعه بالتخلي عن الحكم بشرف قبل أن يفوته الأوان. والسؤال هنا إذا كانت المعارضة ضده ... والإعلام يطالب باستقالته ... والمحامون لا يريدونه رئيسا للبلاد ... ورجال العسكر يعارضونه رئيسا للبلاد ... وقد خذله حزبه الذي حظي بجميع المرافق تحت ظله الظليل خلال الخمس سنوات الماضية ... فمن يريده رئيسا للبلاد؟