بعد سنوات من تسيد الصحف الإلكترونية الساحة الإعلامية في الأردن، عاد الحديث في الأردن عن عودة الميزان لصالح الصحف الورقية، بعد الإخضاع الوشيك للصحف الإلكترونية لقانون المطبوعات والنشر، وشمولها بقانون جرائم أنظمة المعلومات، إلا أن خبراء ومختصين أكدوا أن المستقبل للصحافة الإلكترونية، شريطة أن تكون مسؤولة وجادة.

عامر الحنتولي- إيلاف: في عام 2006 أطلق الإعلامي الأردني سمير الحياري موقعا إخباريا أردنيا، حقق نجاحات غير مسبوقة، مفتتحا مشوار الصحافة الإلكترونية اللحظية في الأردن، وهو لون صحافي جديد ظهر في الأردن، قبل أن يتكاثر بشدة، إذ يبلغ عدد المواقع الإخبارية الإلكترونية في الوقت الراهن أكثر من (150) موقعا إخباريا، لم يحقق السواد الأعظم منها أي نجاحات تذكر بل إعتمدت بالمطلق على ما تنشره المواقع الإخبارية الأردنية القوية، والتي حققت شهرة واسعة، وقوة إعلامية لافتة مثل عمون، وسرايا، وخبرني، والمدينة نيوز، وعمان نت، إلا أنه في الأسابيع الأخيرة لوحظ بأن معظم المواقع الإخبارية باتت تتوخى نشر أي أخبار جريئة ميزت إنطلاقاتها، وسط إنطباعات بأن الجهات الرسمية قد باتت مصممة على تطويع وحجب صحافة المستقبل التي سجلت إنتصارات لا تخطئها العين على الصحف الورقية التي ضعفت الى مستويات غير مسبوقة في الأردن، بعد انتشار المواقع الإخبارية.

وقبل نحو شهرين قررت الحكومة الأردنية منع آلاف الموظفين الرسميين في الوزارات والمؤسسات الحكومية من الدخول الى المواقع الإخبارية الأردنية، وتصفحها أثناء ساعات الدوام الرسمي، للحفاظ على دورة العمل ndash; كما قالت الحكومة في تبريرات رسمية-، وكذلك منعا للهدر المالي، إذ كشفت الحكومة بأن تصفح كل موظف رسمي الإنترنت من جهة عمله لمدة ساعة يوميا، هو أمر يكلف خزينة الدولة المرهقة أساسا نحو 70 مليون دينار أردني (100 مليون دولار)، ورغم وجاهة التبريرات الحكومية، إلا أن المؤكد أن الحكومة قد بحثت مطولا عن أسباب للحجب، بسبب تعاظم نفوذ المواقع الإخبارية، وقيادتها للرأي العام المحلي، وورود آلاف التعليقات على بعض المواد الصحافية المثيرة للجدل، إذ إن معظم هذه التعليقات تعتبرها الحكومة مسيئة، وتتخطى الحدود الحمراء غالبا.

وفي تعليق على هذا الوضع يقول الصحافي الأردني نضال منصور رئيس مركز حماية وحرية الصحافيين- منظمة مجتمع مدني- إن المواقع الإخبارية الأردنية قد رفعت السقف المهني في الساحة الإعلامية الأردنية، وحققت حضورا متقدما، بسبب عوامل عديدة أهمها السرعة في نقل الأخبار، على اعتبار أنها صحف لحظية، إضافة الى التفاعلية الشديدة عبر التعليقات التي ترافق الأخبار المنشورة، وهي عادة أثبت القراء الأردنيون أنهم في حال من التعطش الشديد لها، إذ تسببت أيضا بمشاكل عديدة لملاك المواقع الإخبارية، بسبب السقف المرتفع لتلك التعليقات، وهي تعليقات تنطوي على هامش كبير من الفبركة والإختراع من قبل القائمين على تحرير الصحف الإلكترونية بغية تحريض ودفع الناس للتعليق، والرد على التعليقات.

ووفقا لمنصور الذي أسس موقعا إخباريا مهما قبل أشهر قليلة أسماه (عين نيوز) فإن معظم الصحف الإلكترونية هي بدائل لصحف ورقية كانت تصدر كل أسبوع، إذ تفتق ذهن العديد من أصحاب الصحف الأسبوعية، مع الإنتشار السريع، والتناسل الفريد للصحف الإلكترونية الى وقف الصحف الأسبوعية، وإطلاق صحف إلكترونية بسبب الرغبة في توفير النفقات الكبيرة التي تتطلبها الصحافة الورقية من طباعة، وأجور، ومقار، وتوزيع، إذ كانوا يعتقدون أن الصحافة الإلكترونية لا تتطلب أي نفقات، وهو الأمر الذي سرعان ما ثبت زيفه، إذ إن الصحافة الإلكترونية القوية والمنافسة، تحتاج الى تجهيزات ونفقات للبقاء والإستمرار، ومن يصنع صحافة جادة ومسؤولة ومنافسة يكتشف أن الصحافة الإلكترونية هي صناعة مكلفة أيضا، بصرف النظر عن العدد الكبير من الصحف الإلكترونية الحالية، فهذا المشهد رغم أنه لافت للنظر، ومقلق، إلا أن دعوتي للسلطات الأردنية بأن تترك الوضع يصحح نفسه بنفسه، مستذكرا التناسل الفريد للصحف الأسبوعية في عقد التسعينات من القرن الفائت، والقلق والتحفظ الذي مارسته الجهات الرسمية من انتشار الصحف الأسبوعية، وتسببها بالفوضى الإعلامية في أحيان كثيرة، قبل أن تصحح الصورة القاتمة نفسها، إذ غابت جميع الصحف الأسبوعية، وسقطت التجارب الرديئة بلا قرارات رسمية، لأن القارئ الأردني ذكي جدا.

ورغم كل ما سبق يميل منصور الى أن المستقبل سيكون للصحف الإلكترونية بسبب تطور العصر، والتكنولوجيا، والإنتشار الواسع للإنترنت عالميا، إلا أن الصحف الإلكترونية لن تستطيع أن تلغي الصحف الورقية التي ستبقى حاضرة، ولها أنصارها، لكن التقدم ستحرزه صحافة المستقبل بالطبع، إن ابتعدت عن الإسفاف، وأصبحت مسؤولة وجادة.

وعلى مدى الأسبوعين الماضيين لوحظ أن مستوى التشنج بين الحكومة الأردنية والصحف الإلكترونية قد بلغ مستويات غير مسبوقة، على وقع التصعيد وتبادل الإتهامات، الى درجة دفعت صحفا إلكترونية الى تبني المطالبة برحيل رئيس الوزراء الأردني سمير الرفاعي، إلا أن الأمور قد بدأت تتجه نحو التهدئة، خصوصا قي ظل تفاهمات شفوية قد ترى النور قريبا، تقتنع الحكومة عبرها بالخضوع طوعا لقانون المطبوعات والنشر، بدلا من الخضوع لقانون جرائم أنظمة المعلومات، الذي يفرض عقوبات قاسية ومغلظة في كثير من الأحوال ضد المواقع الإخبارية، علما أن الحكومة تقول إن نصوص القانون لم تصمم لغرض استهداف المواقع الإلكترونية، بل للجم معظم الجرائم والتجاوزات التي تقع داخل نطاق الشبكة الإلكترونية.

من جهتها تقول الخبيرة في القضايا الإعلامية الدكتورة رولا الفرا الحروب، رئيسة هيئة تحرير صحيفة الأنباط اليومية، ومقدمة برنامج حواري على فضائية جوسات الأردنية إن على المواقع الإخبارية الأردنية أن تصوب المخالفات والمشاكل التي وقعت فيها خلال الفترة الماضية، كي لاتعطي ذرائع قوية لخصومها بشأن تركيعها، وتقويضها، مستدركة أن الحكومة الحالية ليست أول حكومة أردنية تخطط للتعاطي مع الصداع الذي تسببت به المواقع الإخبارية، بل إن حكومتي معروف البخيت، ونادر الذهبي صممت في لحظة ما على مواجهة المواقع الإلكترونية وإخضاعها لقانون ما، إلا أنها تراجعت في لحظة ما، ربما تحت ضغط الشعبية، وصيانة سمعتها، إلا أن حكومة الرفاعي صممت على المواجهة، لأنها منذ اللحظة الأولى لتشكيلها ساد الإنطباع بأن هذه الحكومة غير مهتمة بشعبيتها، وأنها محصنة بالتعاطي مع ملفات عاجلة.

وقالت رولا الفرا الحروب إن المواقع الإخبارية في المستقبل القريب ستتطور أكثر فأكثر، بعد أن تنضج تجاربها، وتتعمق خبرتها، وفي ظل الإحتكام الى قوانين من شأنها تنظيم الإعلام الإلكتروني، الذي لابد له من قوانين لتتيح له العمل بشكل قانوني، بعيدا عن منطق عض الأصابع مع الجهات الرسمية، لكن الفرا الحروب ترفض بالمطلق أي قوانين تقيد الحريات الصحافية، أو أن تخفض سقفها، بل إن التنظيم من شأنه أن يقوي الصحافة الإلكترونية، ويهيئ لها بيئة عمل وحاضنة للاستمرار في تطوير صحافة المستقبل وترسيخها.